الرئيسية / مقالات / فاضل أبو عاقلة يكتب: «أحمد حسن مطر».. سندباد من السودان

فاضل أبو عاقلة يكتب: «أحمد حسن مطر».. سندباد من السودان

بقلم: فاضل أبو عاقلة – السودان

أول صحافي عربي وإفريقي يلتقى هتلر
أحمد حسن مطر.. سندباد من السودان

 

أحمد حسن مطر رحالة من مواليد أم درمان (فبراير _ 1904) ، انتقل للعيش في الحجاز لظروف عمل والده لفترة، ثم عادت أسرته إلى السودان في العام 1911.
عمل لفترة في شركة إنجليزية، بــودمدني حاضرة ولاية الجزيرة، وفي عام 1922 غادر السودان إلى مصر، حيث عمل في صحيفة المقطم، ومنها سافر إلى فرنسا ليعمل مراسلاً لصحف عربية وصحف إمريكية وإنجليزية، وفي العام 1925 اتجه نحو إمريكا اللاتينية، واستقر في الأرجنتين، وفيها أصدر صحيفة باللغتين العربية والبرتغالية، وما لبث أن حصل على مقعد في البرلمان الأرجنتيني كأحد ممثلي الجالية العربية في الأرجنتين.
في عام 1945 غادر إلى نيويورك، وافتتح مكتبًا للصحافة العربية، وقدم خدمات إعلامية لوفود دول عربية منها: السعودية والعراق ودول أخرى، أثيوبيا مثلًا، كما ساعد وفد السودان الذي قدم إلى نيويورك لعرض قضيته لعصبة الأمم المتحدة، وظل يتنقل من بلد إلى آخر، وجاب بعض العواصم، وعاد بعدها إلى بلاده، حيث تم تعيينه في القصر الجمهوري مديرًا للمراسم، إبان حكم الرئيس الفريق إبراهيم عبود.
وقد توفي في 21 سبتمبر عام 1984، وسجل مغامراته في كتاب بعنوان (سندباد من السودان) بأسلوب أدب الرحالة، بطريقة عبر فيها عن مشاعر اختلجت في نفسه تجاه كل ما رأه وعايشه وقرأه عن ملامح بلد أجنبي بعاداته، وتقاليد سكانه، وخلفيته السياسية والثقافية والاجتماعية، وأحداث عايشها ومواقف تأثر بها، وهموم عانى منها في ذلك البلد الأجنبي طالت أو قصرت مدة إقامته فيها.

المغامر المتجوّل
ومن خلال القراءات والبحث عند إعداد هذا الموضوع، نكتشف أن الإعلامي الراحل أحمد حسن مطر يمثل على المتسوى الوطني سندبادًا سودانيًا، وعلى المستوى القومي سندبادًا عربيًا من دون شك، فحتى تاريخ اليوم لا يوجد من يشبهه ولو من بعيد في تجربته الفريدة بإرتياد الآفاق، وكثرة التّسفار والتجول حول العالم، خصوصًا بالعودة إلى بدايات القرن الماضي؛ فقد كان الذهاب إلى خارج السودان وأوروبا تحديدًا يعتبر بدعًا من الأمور أو نوعًا من السحر، كما يصف هو نفسه، ومنذ خروجه من السودان مُتجهًا صوب القاهرة لم يتوقف بعدها إلا التوقف النهائي لاستراحة الموت، ولُقب بالمغامر المتجول الذي يدون يومياته في شكل أوتوبايوغرافي أكثر من الرحالة الذي يكتب مشاهداته ورؤاه العميقة حول المكان وثقافته وبنية مجتمع ينزل عنده.
ومما يؤسف له حقًا أنه توقف عن تدوين رحلاته بالتفاصيل لدى التاريخ 12 ديسمبر كانون الأول 1951، ولولا انقطاعه هذا عن التدوين لكان بحوزتنا مائة رحلة مدونة تضرب في كافة أرجاء الأرض وأصقاعها، ولا استطاع هذا الرقم الهائل أن يغطي قارات الكرة الأرضية جميعها بالتدوين، فهو بالفعل قد وضع قدمه معظم كبريات الدول والصغيراتها في العالم، وإن مضى أطول فترات جولاته في أمريكا الجنوبية وأوروبا وإفريقيا، بالإضافة لرحلاته في أستراليا وأمريكا الشمالية وآسيا.
كما أنه استطاع ان ينجز وكالة صحفية وصحفًا خاصة به في عدة دول، وإن لم يكن بمقدوره الاستقرار في مكان واحد لاستكمال مشاريع كهذه تتطلب الوقت والجهد، وساعده عمله المجاور للكثير من منظمات الأمم المتحدة وكدبلوماسي وممثل لبعض الدول كثيرًا، ما سهل عليه الحركة والانتقال من مكان إلى آخر.

مع هتلر ونجيب.. وسلاسي
النقطة المهمة أيضًا في حياة أحمد حسن مطر، هي اتصاله بتاريخ النضال ضد المستعمر ومع جماعات مختلفة ومن بلدان عديدة، بدايةً بحركة اللواء الأبيض في السودان، والتي حرمه العمل معها من دخول السودان إلا بعد وساطات كثيرة لم تتكلل بالنجاح إلا أواسط الخمسينيات من القرن الماضي.
ويبقى له شرف أنه أول سوداني قام بإرسال برقية لرامزي ماكدونالد رئيس وزراء بريطانيا يطلب منه فيها الجلاء عن مصر والسودان، ما سبب له النفي الذي انتهي في 4 فبراير 1949 بفضل مساندة رفاقه الصحفيين، وبعد المذكرة التي كتبها توم ليتل ووقعت عليها جمهرة كبيرة من الصحافيين قبل تقديمها إلى مستشار الشؤون الإفريقية في لندن، لتأتي الموافقة بعد ثمانية أيام من خلال مستر ميال وكيل حكومة السودان في لندن، وكان قد أعتقل في القاهرة بتهمة قتل السير لي ستاك عام 1924.
ومن الشخصيات السياسية التي التقاها هيلا سيلاسي ونهرو وجيفارا، وذهب إلى برلين والتقى مع صديقه يونس بحري بالسياسي الفلسطيني تاج الدين الحسيني، والذي بدوره رتب له لقاء مع أدولف هتلر، وبذلك كان أول صحافي عربي وإفريقي يلتقى هتلر، كما ألتقى أيضًا الجنرال بيرون رئيس الأرجنتين والرئيس المصري محمد نجيب، كما عمل مستشارًا ثقافيًا للسفارة المصرية في الأرجنتين، وحصل على مقعد في البرلمان الأرجنتيني ونال جميع أصوات العرب.
وهو يتحدث عن نفسه بطرافة عندما يقول: لقد صنفوني دون الوسط من ناحية الذكاء، بل يصف رسوبه في أحد الامتحانات وحزنه لدرجة تفكيره في الإنتحار بإغراق نفسه في النيل.

الخطابي.. واللواء الأبيض
من ناحية أخرى فقد كان متأثرًا جدًا بالأمير المغربي محمد عبد الكريم الخطابي، الذي كان يعتبره مثله الأعلى في النضال، ليسافر إلى طنجة ويتصل به ويعمل ضمن الثوار المغاربة، وهناك التقى معظم الملوك والسلاطين المغاربة الذين كان يخلعهم الاستعمار ليحل كل واحد منهم بدل الآخر، أيَّ جدود محمد الخامس بن يوسف الذي توجه الفرنسيون ملكًا في عام 1927 ثم خلعوه في عام 1952، وقام مطر بتكوين جمعية اللواء الأبيض من الشباب المغاربة على غرار جمعية اللواء الأبيض السودانية، وأنشأ أيضًا جريدة “النظام” كأول جريدة تعنى بالدعاية للأمير الخطابي.
وكان قبل ذلك انضم لخمسمائة ثائر مكسيكي ففشلت حركتهم، وتم قتل أربعمائة منهم، وهربت المائة الباقية، فتم اعتقالهم، وعصب أعينهم وبدأ رميهم بالرصاص إلى العدد تسعة، إلى أن جاءت أسرة شخص مشارك مهم، يسمي سيمون، فدفعت أموالًا لتخليص ابنها، فتفضل الضايط بعد ذلك وأمر بإطلاق سراح الجميع.
يبقي أن نشير إلى أن مطر قدر له أن يرافق وفودًا فنية كثيرة وفرقا موسيقية وتمثيل وتنظيم مسابقات الجمال، فقد كان أول من نظمها بأمريكا الجنوبية، فهو محب للحياة والحركة والمتعة، كما قام بإعداد ما يسمى بـــ”الدليل العربي”، لرصد تواجد العرب في معظم دول إمريكا اللاتينية وإفريقيا.
لقد صقلت موهبته الفطرية كصحافي ودبلوماسي رحلاته الكثيرة وتجربته الثرية، التي لم يستغلها السودان ولا العرب على نحو مفيد، مع اعتراف عناصر النخبة بدوره، من ذلك أن محمد أحمد المحجوب رئيس الوزراء السوداني آنذاك وصفه بالدبلوماسي الموهوب، وقال عنه عبد الله خليل: إن مطر هو الرجل الذي يطوع الأسود، فلو استطعنا أن نعينه سفيرًا لنا في الأمم المتحدة لحققنا أمجادًا للسودان، وعن تجربته يقول مبارك زروق: إنه لم يتعلم الدبلوماسية في الكتب، بل تجاربه هي المدرسة التي نحتاجها.

 

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

ياسين أحمد سعيد يكتب: مرة واحد صعيدي واقعي.. في عيد الحب

بسم الله الرحمن الرحيم إلى ياسين ذو السبعة عشرة صيفًا، هيه يا صاح، أفتقدك بحق، …

Send this to a friend