إبداعقصةمشاركات أدبية

«فريكيكو لا يُبالي»

قصة: محمد الدناصوري

فريكيكــــو لا تلمنـــــــــــي .

” نجيب محفوظ – ميرامار

“فريكيكو لا يُبالي.

كان الهدف من خلقي هو أن أكون شخصاً لا مُبالياً. الأستاذ كان يردد دائماً ألا أُبالي، المأزق أخلاقي بالضرورة وعلىّ ألا ألتفت. بإمكانك أن تتحدث عن الحياة كما شئت، وبإمكاني أن أحتقر رؤيتك. أتناول قهوتي في البن البرازيليّ. وأنا اشمشم على فريسة لساعات الليل المظلمة، روحي مظلمة وكذلك أفكاري. بإمكانك أن تشعر بالحزن وبالسعادة، وبإمكاني أيضاً ألا ألتفت لمشاعرك. استنشق رائحة اليود التي تُهيج أعصابي، وأفتقد استاذي. هو لا يمكنه أن يطالبني ألا ألومه على رحيله، خلقني.. منه بدأت وإليه انتهي، أصبحت من بعده حراً.. أنت تعرف ما يسمونه دائماً بفضيلة الإرادة الحرة، جميعنا يتحرر من كونه اسم على ورق اذا ما رحل السيد .

أنا أدين له بوجودي – حتى وإن كان وجودي مجرد عارض هامشي – وعليك دائماً ان تكون مُنصفاً. أتسكع بالقرب من بناية كفافيس، أتأمل الشوارع المرصوفه بشمس الشتاء المؤقته، وأشعر ببعض الحنق المُبرر. عندما يكون ليس لك أي دور أو تدخل في مجريات الأمور وأن كل ما هنالك أنه ينبغي عليك ألا تلوم حسني علام، فينبغي عليك أن تشعر بالحنق. النقاد تجاهلوا وجودي والقراء بالكاد انتبهوا اليّ، وفي الفيلم المستوحى من الرواية كنت مجرد اسم يلفظه حسني علام في لحظات شطحه.

 لا تندهش من فضلك، شاهدت الفيلم في أحد سينمات المنشية المعبقة براوئح العرق والعطور الرخيصة والمنيّ. في النهاية أقتنع بفكرة أنك لا تحتاج لأحد كي يثبت أنك موجود، الوجود متحقق رغم أنف الجميع.. لا تحتاج أن تكون مرئياً، فقط عليك أن تنطق اسمي وستراني أتجلى لك. كنت أريد أن أصبح مجرد شاعر وجودي، أو بالأحرى قاتل. في النهاية أنت تقتل في كلتا الحالتين، الأمر فقط يتعدى المجاز اللغوي. لا تؤاخذني. رائحة البحر أصبحت عطنة، والمدينة يتفشى فيها السوس، يأكلها حتى النخاع، يتوغل في ماضيها المزهر ويقلب الطاولة على جميع المصابين بالنوستالجيا المرضية، وكفافيس يتعجب كيف سمحت المدينة للبربر أن يقتحموها.

دخان سيجارتي يتبدد، وكذلك أفكاري. ليس علىّ بالضرورة أن أكون مُحايداً، لي وجهة نظر رغم كوني خُلقت كي لا أبالي. أرى سرحان البحيري كثيراً في الأزقة والعطفات وأمام البحر، أبصق كثيراً في وجهة ويضحك بسخرية ويقول: – مهما فعلت، لن تتقاطع مصائرنا. يتحدث عن المصائر ابن الكلب. لا ألتفت، هل بإمكاني أن ألومه. علام فقط كان يردد ألا ألومه، يناديني باسمي هكذا مجرداً:”فركيكو لا تلمني”. الوحيدة التي لا أجرؤ على زيارة سرها هي “زهرة” لا زالت تهيم على وجهها في البنسيونات الرخيصة، تعبث بعقول البهوات، وتترك عطرها الرخيص على الأسرة. ولأنني لا أبالي، أكتفي بمصمصة شفاهي حسرة ورغبة.

الأستاذ نجح في أن تكون مجرد فتنة تمشي على قدمين، رغم لكنتها الفلاحية ورائحة الأرض التي تفوح منها، ولكنني لا أجرؤ. للمرة الثانية أردد ألا تندهش. نحن لنا حياة موازية تماماً للعوالم الحقيقية التي تعيشونها، وجودنا غير مرئيّ، ولكن أثرنا واضح. على أي حال نحن اقتنصنا خلوداً لحظياً. عامر وجدي لا يزال يتمتم بسورة الرحمن ويحتسي سنوات شيخوخته على مهل، نلتقي دائماً ونشرب قهوتنا على رجع صوت أم كلثوم، يشتكي لي من آلام العظام المتربصة به ويحلم بالجنة. أشعر أن شوارع المدينة مطعونة في شرفها. النساء تفوح منهم روائح الشبق.. علىّ أن أحذر فأجسادهم مُعتقة بالملح واليود. فريكيكو لا يُبالي، ولا يحلم.. نحن جميعاً لا نعرف ماهية الأحلام ولا من أي مادة تُصنع. فريكيكو لا ينتظر الموت ولا يُحب. هو فقط يشرب قهوته المُرّة في البن البرازيلي ويتجول تحت منزل كفافيس ويصطاد فريسة. ولا يُبالي.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى