أخبار

أدب الرعب في الوطن العربي.. البحث عن يقين حالي يساعد على مواجهة اللايقين الموجود

تحقيق: سامح فايز

في دورته  المنعقدة في الفترة من (26 أبريل – 2 مايو 2017)، سعى معرض أبو ظبي الدولي للكتاب لاستقراء ظواهر فى الكتابة والنشر سيطرت على الأسواق العربية في السنوات الأخيرة، فى محاولة لفهم أبعادها، منها لعبة الأكثر  مبيعا وعلاقتها بالقراءة العربية وأيضا كتابات أدب الرعب والخيال العلمي.

«الزومبي» و«الفامبير»، و«المذءوب»، شخصيات روائية سيطرت على عالم الرواية فى جيل الشباب في مصر وبعض البلدان العربية. سلاسل كتب الجيب، «ما وراء الطبيعة»، و«فانتازيا» التى ظل الشباب يعيشون فى ظلها لسنوات طويلة أفرزت جيل حين أراد أن يكتب لم يجد سوى هذه العوالم التى أسس لها الكاتب  والروائي أحمد خالد توفيق فى العدد الأول من سلسلة «ما وراء الطبيعة» التى صدرت عن «المؤسسة العربية الحديثة» عام 1993، تحت عنوان «مصاص الدماء وأسطورة الرجل الذئب» والتى كان بطلها رفعت إسماعيل.

انتشار هذه النوعية من الكتابات كانت له جذوره التي بدأت قبل الثورة بسنوات قليلة، ومتابعة أول الخيط تقودنا إلى الكاتب حسن الجندي والذي أجمع أغلب كتاب الرعب الشباب أنه أول الذين وضعوا حيثية لكتابة الرعب فى مصر، فى وقت كان يتعجب الناس حين يطلب أحدهم وضع كلمة أدب رعب على غلاف الرواية، لكن حسن إلى جانب ذلك فهو صاحب نظرية فى كتابة أدب الرعب، يقول الجندى فى إحدى تدويناته على صفحته الشخصية فيس بوك عن أدب الرعب:”استيراد أدب الرعب بالذات لا يصلح، يمكنك أن تستورد أدب الخيال العلمي أو المغامرة، لكن في أدب الرعب ستفشل مع مرور الوقت، لأن الوعي الجمعي العربي يرفض تلك الأنواع، تخيل معي مصاص دماء يعيش في امبابة واسمه (تامر الشحات)، أو لنتخيل معاً سائق الميكروباص (حمامة أبو شتية) يتحول لمذؤوب فجرا، تخيل أن يحاول هذا المذؤوب عبور شارع جامعة الدول العربية ؟؟، أو لنتخيل معاً الساحرة (أم أسماء الشرنوبي) تمارس سحر الفودو في أول فيصل، لتحيي به جثة (عبد العاطي المكوجي) فيسير هائماً ليخيف المصريين. عقلياً يرفض الوعي العربي تلك الأشياء، ولو تقبلها لسنوات فسيثور عليها لأنها طبيعة. العقل العربي يميل لتراثه الثقافي مثلما العقل الغربي يميل لتراثه الثقافي، لذا على الكاتب أن يحترم العقلية العربية ويقدم الرعب مناسباً للبيئة”.

الكاتبة الشابة سالى عادل والتى بدأت النشر على مواقع الانترنت عام 2009 .وفي محاولة لتفسير إزدهار أدب الرعب تقول:”كوننا جيلاً تربى على إصدارات أحمد خالد توفيق، ونبيل فاروق، يجعل من غير المستغرب انتشار الرعب والمغامرة والفانتازيا في كتاباتنا، وكوننا جيل الثورة كذلك، الذي تمكن من كسر حاجز الخوف بداخله وأبهر نفسه والعالم كله، يجعل من غير المستبعد كذلك كتابة الأدب الذي يعالج المخاوف من أجل مواجهتها وليس تزكيته”سالى عادل، قال عنها أحمد خالد توفيق إنها: “خليفة سلسلة ما وراء الطبيعة”. وتبرر كتابتها للرعب فتقول:” أدب الرعب هو المجال الذي يشبع مساحات الكتابة لدي: مثل مساحة التجديد حين تتناول فكرة توقن أنه لم يستخدمها أحد قبلك كأن تنفذ حرفيًا وصية الأمهات المأثورة ليلة الزفاف “اذبح لها القطة”، أو ما قد يحدث حين تنام على شريط القطار من أجل أن تتحقق لك الخضّة التي تسمح بالخلفة حسب الموروثات الريفية، أو غيرها. ومساحة العمق حين تتمعن في النظر إلى الداخل الشخصية لدرجة أن تكتشف ما يرعبك. ومساحات لا نهائية من الخيال والواقع وكلاهما لا ينفصل عن الآخر”.

سالي عادل توضح أنه لم تتصور أن تتخصص في أدب الرعب، وتشير:”كنت أكتب الرومانسي والإجتماعي والإنساني، ولكن ‏كنت مقلة في هذه الكتابات لأن الفكرة الجديدة شبه نادرة فيها، لكن الرعب أفكاره كثيرة بحكم كونه نوعًا ‏غير مطروق في أدبنا، كما أن مساحة الخيال فيه غير محدودة، وكنت حين أنشر قصصي في المنتديات ‏قبل كتابة الرعب أسمع أن الأسلوب جيد، لكن لا أسمع أن الخيال متسع، لكن منذ كتبت الرعب أسمع أن ‏الخيال واسع ويروقني هذا».‏

وعن توجيه النقد لهذه النوعية من الكتابات على اعتبار انها كتابات خفيفة وغير ذات قيمة كما يزعم البعض ترد سالي عادل:”هناك معادلة بين الأدب الثقيل والأدب الخفيف لو صحت المصطلحات، وليس عندنا كعرب فقط وإنما ‏في كل العالم، الأول يحصل على ثقل في والمجتمعات الثقافية والنقدية والإعلامية والمسابقات في حين ‏يفتقر إلى الإقبال الجماهيري، والآخر العكس، لذلك فإن الأديب من كل فئة عليه أن يختار الشيء الذي ‏سيجنيه والشيء الذي سيفقده، وكل أديب يعزّي نفسه بما يجنيه عمّا يفقده، هذه القاعدة طبعا لكن لا شك أن ‏هناك استثناءات، وبالنسبة لي فإنني أفعل ما أحب، وأهدف إلى الوصول إلى القارئ أكثر من أي شيء ‏آخر”.

«أكره تصنيف الكاتب وحصره في زاوية معينة .. ولا أحب أن يصفني أحد بكاتبة رعب أو خلافه، وأحب أن يدعوني الناس ( كاتبة ) فحسب» بهذه الكلمات بدأت الروائية والقاصة منال عبد الحميد حديثها. منال حاصلة على ليسانس آداب قسم التاريخ وتعمل مدرسة بالتربية والتعليم،  تشير إلى أن الاتهامات الموجهة لأدب الرعب فى الوطن العربي  متأثرة بشبيهتها في الغرب:«هناك أيضا يعتبر أدب الرعب أقل قيمة أدبيا من الأدب الاجتماعي والرومانسي والسياسي ، لكن لعل موجة التقليد لأدب الرعب الغربي ، التي حملتني أنا أيضا ، كانت السبب في أن ينظر القراء إلي كُتاب الرعب كمجرد ( مستنسخين ) ينسخون أعمالا وأجواء غربية بالكامل ويصبونها في قوالب عربية، لكنني أعتقد أن من واجب كل كاتب أن يتحدي تلك النظرة عن طريق تنويع ما يقدمه وتقديم تجارب فريدة خاصة به فقط» .

عمرو المنوفي

كاتب الرعب المصري عمرو المنوفي يقول عن ملامح تجربته فى كتابة الرعب:”أكتب لأستمتع مع القارئ، أهبه جزء من روحي مع كل حرف، ليهبني جزء من وعيه واهتمامه، ليعاد صهرنا وتشكيلنا من جديد، ولا أتركه قبل أن أترك بصمتي على عقله وفكره، وربما روحه القلقة التي تهوى خوض تلك العوالم المشئومة» .

عمرو المنوفي يرى أن الكتابة في أدب الرعب محنة ومنحة، موضحا أنه طوال الوقت يصارع على هامش تلك العوالم التي تتماس مع الموت وتتماهى مع الحزن، وتحترق في الجحيم، وترى الجنة وتخشى أن تقربها. وعن محنة الكتابة فى هذه النوع من الأدب يقول:« فالكتابة في عوالم سوداء تحفها الدماء لإشعال شرارة ضوء، تجعلني أحترق وأحرق أعصابي من أجل أن أنتزع من القارئ شهقة نشوة، وارتجافه مذعورة تمنحه المتعة التي طالما حلم باقتناء الرواية من أجلها ».

ويرفض المنوفي اعتبار أدب الرعب أدب درجة ثانية:«اعتاد العرب على التمسك بكل ما هو قديم ومعتاد، فصار كل جديد دخيل أو أقل من المستوى، على الرغم من أن العديد من الموضوعات المتناولة في أدب الرعب وغيره من أعمال الخيال والخيال العلمي التي أكتبها تمس مواضيع شائكة ومهمة تخص المجتمع والشباب، إلا أن الرفض المسبق لأدب الرعب يجنح بهم إلى تسطيحه، فلا هم أعطوه فرصة، ولا قدروه حق قدره، نحن كتاب هذا النوع من الأدب لا نعتصر الواقع لنستخرج نفس الزيت مهما كانت جودته، بل نحن نغادره لنصنع حياة جديدة بها من الإلهام ما يجعل الشباب يفكر بداخل الإطار الذي يفضله» .

الدكتور شاكر عبد الحميد أستاذ علم نفس الابداع وعميد المعهد العالى للنقد الفني سابقا ووزير الثقافة الأسبق ينفي عدم اهتمام النقاد بعوالم الشباب فى الكتابة مؤكدا أن الشباب هم المقصرون فى عدم مد جسور تواصل مع النقاد، ووضح  أنه صدرت له كتب تناولت هذه النوعية من الكتابات على مستوى الكتابة والسينما أيضا فى كتابه «الغرابة المفهوم وتجلياته في الأدب» الصادر عن  سلسلة عالم المعرفة ـ العدد 384، يناير 2012. وكتابه (الخيال – من الكهف إلى الواقع الافتراضي) العدد 360 من سلسلة عالم المعرفة والصادران عن (المجلس الوطني للثقافة والفنون والأداب – الكويت).

أستاذ علم نفس الابداع قال أننا لو فسرنا حالة الاقبال الشديد على أدب الرعب والخيال العلمي والفانتازيا على مستوى القراءة والكتابة بالمعنى السيكولوجي فمن الممكن ان نقول أن هذا النوع من الأدب يعد من أساليب المواجهة للخوف ابتكرها الانسان من خلال الخوف المتخيل الذى يواجه به الخوف الحقيقي. موضحا أن هذه آلية تسمى الاشباع البديل، فأنت تواجه هنا خوفا يتعلق بأحداث وكوارث ودمار يحدث للآخريين وليس للقارئ أو الكاتب، مؤكدا أن الكاتب هنا آمن ومستمتع بالتخيل بأحداث تقع على مسافة منه.

ويضيف على مستوى ثاني أن هذا نوع من الأدب الخيالي المرتبط بعوالم يضعها فينا حب الاستطلاع أو الفضول المعرفي أو التشويق، أو نوع من الأدب يوحي أن ما سرده أمر واقعي لكي يتقدم تدريجيا كي يسهل هذا الايهام أو يتجاوزه.

ويستكمل تفسيره السيكولوجي على مستوى ثالث بعرض نظرية «روزماري جاكسون» والتي تقول إن هذا النوع من الأدب يساعد على الدخول إلى تلك العوالم الغريبة الموجودة خلف مرآة الواقع موضحا أنه تجسيد لفضاءات موجودة خلف المرئي، خلف الصورة ومن ثم يضعنا فى مناطق مظلمة فيها التباس من خلالها ممكن أن يظهر أى شئ غير متوقع.

ويوضح أن هذه الأنواع من الكتابة متداخلة، لافتا إلى أن زيادة الاقبال على هذا النوع من الكتابة بعد الثورة ربما عاد إلى أن الشباب يبحثون  لديهم عن شكل جديد فى التعبير عن ذواتهم والتي تعاني حالة عدم الاستقرار  التى يواجها الواقع فى المراحل الانتقالية، والتى يمر فيها الانسان بحالة من الالتباس، مشيرا إلى أنها محاولة للبحث عن يقين حالي يساعد على مواجهة اللايقين الموجود ألآن، يساعد على التعبير عن الذات وتحقيقها والتعبير عن احساسات مركبة، نوع من المحاولة لمواجهة الواقع المضطرب.

ويرى أيضا أن التوقعات المحبطة لها دور فى المسألة بمعني أنه كان لدى الشباب نوع من التوقع فى نجاح الثورة وأنها سوف تحقق أهدافها لكنها لم تحقق شيئان حيث أن هذه الكتابة والقراءة نوع من التعبير البديل عن هذا الاحباط أو هذا التوقع الذى لم يتحقق وأيضا نوع من التمرد والرفض.

نقلا عن النشرة الإعلامية لمعرض أبو ظبي الدولي للكتاب دورة 2017
اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى