مقالات

أميرة غريب تكتب: «وقفة قبل المنحدر»..ما يمكن فعله بدلاً عن الانتحار

بقلم: أميرة غريب

 

“سألت الغرباء عن وطني !

طرقت الأبواب ولم يفتح لي أحد .

وامتلأ الكون بأنكر الأصوات ” ….

 

في محاولة للهروب من الانتحار، ومحاولة العيش دون هوية، بتاريخ ممزق، وحياة بائسة يفرض “علاء الديب” تجربتة من خلال مذكرات شخصية  تحت عنوان “وقفة قبل المنحدر” والصادر عن «المركز المصري العربي» عام 1995، وأعادت نشره دار «الشروق» بالقاهرة في عام 2008، لتكون أوراق مثقف مصري كتبها وهو في حالة يرثى لها من البؤس والاكتئاب معانيًا في في ذلك من كل الاحداث، باسقًا في وجه الواقع، حاضرًا في التاريخ، متجرعا للألم، عاش التجربة فنبت الوجع في أركان روحه، عانى فقدان الوطن وتمزق الأرض، صدمة الذاكرة بالنسبة له كانت أقوى وأبشع من نعمة النسيان حيث وصف الذاكرة بأنها حياتة، يدافع عنها وكأنها حريتة، فما كان للهروب مكان، أو التملص من الأحداث زمان، كان مؤمنًا بأنه من أجل حضارة يافعة وإنسانية تليق بالبشر لابد من التعلق والتذكر وطالب ذلك بكل ما يملك من رغبة وقوة ذهن حاضرة وشاهدة على المصائب المتلاحقة في الوطن من حولة وفي الذات المثقفة المتطلعة نحو المجهول بداخله فردد مبتغاه  بكل قوة..

“كل ما أريده هو أن يكون لي ذاكرة، لا تعرف الصفح، أو النسيان. ذاكرة لا تقبل العزاء.

يحاول “الديب” في كلماته الانتحارية أن يجد مخرجًا للتاريخ وللأحداث لعلة يشفى، يجتهد في معرفة الاجابة المتعلقة بسؤاله الدائم في الفترة ما بين ( 1952 – 1982 ) وهو متى تبدأ النهاية، متى بدأت؟

هل ستغفر لنا ذاكرتنا عن التماهي في اللا منطق، وهل سيكون ملائمًا للمستقبل أن نحكي ما حدث، أم ما كان يجب أن يحدث، أحلام الشباب وثورات الشعوب انقضت وذهبت نيرانها وتتابعت بدخانها الأسود حتى وصلت إلى الرماد واللاشيء. تحولات لم يذكرها التاريخ، ولن يتذكرها، سقط أبناء الوطن في تلك الفترة – ما بعد الثورة – ولم يبق منهم سوى الباقايا ملتفة حول أعناق الأجيال، مشنوقة بأحبال الأمل والحلم فما كان الناتج سوى الوهم والفشل المحتدم في ذاكرتنا الانسانية، التي ستغفو عنها أوراق التاريخ ولكن لن يغفر لها كل مثقف ساقط منتحر في بئرها الأسود باحثًا عن تخلف آخر يليق بوضعه الراهن.

“عانيت تحول البطل الكبير إلى مؤسسة. وتعلمت كيف تتحول الثورة إلى نظام مشغول بحماية نفسه”

الصدع ما زال ينزف الشروخ في آفاق الحلم، والوطن الغائب يعيد نفسه والثورات تتكر وتسقط وتبحث عن كل الأشياء عدا ما قامت من أجله، يذهب الهتاف ولا يعود، تراق الدماء ولا تجف، تشيب الشعور ولا تغفر.

انتفاضة الروح لن تذيبها سوى الكلمات، ولن تشفيها سوى ذاكرة حقيقية لا تغفر ولا ترحم، فتعلن مذكرات “الديب” بكل معانيها الإنسانية أن التاريخ قائم بداخل البشر وليس على رفوف المكتبات الحاملة للأكاذيب والمزيفة للحقائق، فلنشير جميعًا إلى قلوبنا ونهتف بصوت عالِ “هنا.. هنا فقط تقبع حريتنا، ويستقر التاريخ، وتعلن الذاكرة عدم الغفران”

وفي النهاية سيكون الدرس من أعدائنا، من مخلفات عقولهم الإرهابية سنركض ونزحف  ونهتف. فكتب في صفحته الأخيرة..

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، الإرهابي والشاعر: “مناحم بيجين في مقدمة كتابه الهام التمرد”: “كتبت كتابي هذا لشعبي خشية أن ينسى اليهود، كما نسوا من قبل، أن هناك أشياء أثمن من الحياة، وأبشع من الموت”.

الذاكرة الحية هي العاصم، الملاذ الوحيد للفرد،والشعوب “

وإن كُتب علينا الظلم يومًا والقهر والإبادة الفكرية دومًا، فعلينا أن نتذكر.. فقط كي لا ننسى ونظل أحياء صامدين أمام ثوراتنا التي تموت واحدة تلو الآخرى.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى