التخطي إلى شريط الأدوات
إبداعروايةمشاركات أدبية

رواية «نهاية الأيام» الحلقة الـ «4»

بقلم:  أكرم إمام

رواية «نهاية الأيام»

«الحلقة الرابعة»

“حبيبي”

 

(6)

أكرم إمام

في لحظة تغيرت أشياء.. الآن أعرف أن زوجي يحبني. تحدث عن حب لم أفهم سببه، قال “شخصيتي”.. هذا الفتي لن يخدعني أنا اعرف شخصيتي جيدا. هل يخادع من أجل أن اساعده.. أحمق إن ظن أنه يحتاج لهذا كي افعل.

ثم من هؤلاء “المنفيون”. نحن لسنا في زمن سعد، لن اندهش لو هتف ضد الانجليز!.

إذا كل هذا من أجل النهاية.. لو أن النهاية آتيه لما يفعلون كل هذا اذا؟!. فالدنيا إلى  زوال.

نعم الحياة تلملم اغراضها، فصلها الأخير تكاد تنفد أوراقه.

لماذا تزوجني إذا؟. ام هي أشياء يجب أن تتم هي الأخرى.. هذا يجرح.

أباه يجلس في الصالة، لا يزال الشيب يغزو رأسه بشراسة في يومين. الرجل تحمل أكثر من طاقته.. هو عليه أن يتحمل فضيحة ابنه، وإختفائه.. بل يتحمل تبرير موقف كهذا. كلها في حزمة واحدة. فإبنه لم يذهب لشراء طابع بوسطة مثلما فعلت شويكار.

جلس يتفحص هاتف “عبد المنعم” للمرة الثالثة، لو رآك الفتي وأنت تفعل لجن وقامت القيامة.

أخبره بأمر الاستشارات النفسية، والرؤى وظهور أمس؟.. صعب. “عبد المنعم” لم يختر أحدهم ليطلب منه المساعدة، نحن هكذا نخبر فضائحنا للغرباء. تحكي عن ملفاتك المدفونة، لجار مقعد جلس بجانبك في القطار، تعرف أنك لن تراه ثانية.

جلست جانبه. ما إن فعلت.. حتى توقفت أصابعه عن العبث بالهاتف. تسمر لثواني.. ظن أنها ليلة تحقيق وقصقصة ريش وعتاب.

– “عبد المنعم”….

انتفض وقال:

– أهو بخير؟.

– ربما.

وقف على قدميه، شعرت به كاد ينفجر في وجهي، تلك اللعينة التي تخفي معلومة عن “الفقيد”:

– أتعرفين أين هو؟!!.

– نعم.

– أين؟!!.

– لا أعرف بالتحديد.

الآن يفهم المؤامرة. الفتاة تريد أن تنتقم منه بأن تفقده عقله. اعتصر هاتف ابنه بقبضته في غيظ، وابتلع سبة، وغادر الشقة. أخذ الهاتف معه، كأنه آخر شيء يتعلق به.

كم أحتاج إليك الان يا “عبد المنعم”. همساتك كافية لأعرف بأن هناك أمل. حتى الفجر لم يهمس.. الأمور لا يجب أن تقف هكذا بلا تقدم.

لا أدري ماذا أفعل الآن تحديدا، وأنا امسك بقلم تلوين سميك، أكتب على جدران المرحاض. الفكرة مجنونة وعملية ولا يوجد غيرها في نفس الوقت. إن كان الاتصال الأول قد حدث هناك، فحتما سيقرأ رسالة الجدران. القلم فسفوري.. ظهر خطه بوضوح حين أغلقت نور المرحاض.

***

قرأت اسم المذنب.. أربعة أحرف تجعلك تسأل: “ابن من هذا؟”. عرفت أنهم اكتشفوه لأول مرة في سبتمبر من العام الماضي. يجري كصاروخ لمنتصف المجرة. هو يعرف الى أين يتجه بالتحديد ولماذا!. ناسا الان تقول –أخيرا- أنه سيحف بالمريخ مع بداية أكتوبر. سيتركه وشأنه ليتقدم أكثر صوب الشمس. سنراه لأول مرة في السماء بأعيننا في منتصف نوفمبر. ليذهب ليدور حول الشمس، ليبدو وقتها كالشمس الثانية في السماء. ثم؟.. يقولون أن المشكلة لم تبدأ بعد، ستبدأ في رحلة العودة. ثم اسمع هذه.. ناسا تسميه “مذنب القرن”. حينما تقولها ناسا فأعلم أن هناك كارثة.

ذيله سيحف بنا كلهب، الذيل كعادم صاروخ يحمل ملايين من الصخور، ستسقط على الأرض كأمطار تتدفق. يقولون أنها قد تحرق الكثير من المحاصيل، ولا أحد يعلم أيضا البقية. ثم؟.. آه..

“علامة السماء.. الشمس الثانية.. أمطار النار المخلوطة بالدم..”

الان أفهم.. ثم اأين قمر الدم هنا؟.

أغلقت الجهاز شاعرة بصداع نصفي. لم أصدق يوما أنني سأبحث عن مثل هذه الأشياء. كم المعلومات رهيب. المشكلة أن الجميع يتحدث بالإنجليزية. تفهم نصف ما يقولون، يجعلون نصف المعلومات مبتورة. إنجليزيتي جامعية لم تُمس لا من قريب ولا من بعيد. تكفي فقط أن أفهم. هناك نبوءة.. هناك ملامح لتحقيق النبوءة.. العلامة قريبة.. إن تحققت فإن هذه هي النهاية.

***

(7)

حتى الصباح لا شيء.. “عبد المنعم” كان يقول “نحاول الفرار”، هم كثيرون إذا. هو يتسلل كلما أراد الهمس أو الظهور. غيابه يُقلق. تذكرت المرحاض.. كانت العبارة التي كتبتها كما هي على الجدار. سؤال بالتحديد: “اخبر أباك؟”. مهلا.. لم يكن هناك رد، بل علامة بجانب العبارة. كان بجانبها حرف X وتعني لا طبعا. لم أهتم بالرد، بقدر الوسيلة الجديدة للاتصال.

أمسك القلم في تحفز.. ابحث عن سؤال جديد: “ما اسم المذنب؟”. مرت الدقائق بلا إجابة. خرجت أعيد البحث عن اسم المذنب الذي وجدت.. نعم نعم تذكرت الاسم. أسماء المذنبات لا نحفظها في الذاكرة. أتذكر أنني شاهدت فيلما وثائقيا عن صناعة الزجاج، والمواد التي تدخل في تشكيله. لو بت أتذكر اسما واحدا منها ما استطعت. نحن نشاهد تلك الأشياء، بقليل من رفع الحاجبين والواو.. لينتهي الفيلم وننام.

كتبت اسم المذنب على الحائط أسفل السؤال. هذه سهلة لا تحتاج منه لكتابة، فإن كان هو سيضع علامة نعم على الأقل. أمي الان على الهاتف في الصالة.. كانت تطمئن، اخبرتني أن والد “الهارب” اتصل وقال لهم “افعلوا ما تريدون!”. قلت لها:

– من يريد ماذا؟!!.

– الطلاق طبعا.

– امي.. انا لم أكمل 4 أيام حتى. من قال أنني أريد الطلاق؟!.

قالت بحكمة:

– افهمي.. يجب أن نرسل للواد الجبان أن لغيابه نهاية. فلنقل لهم هذا كقرصة أذن. يجب أن يفهموا الرسالة..

ثم دوت الفرقعة.. صوت ارتطام شيء، صوت عصبي غاضب. من اين؟.. من المرحاض بالطبع. أتقدم ببطء ناحيته في الممر القصير. وامي تصرخ للمرة الثالثة:

– فريدة.. ما هذا!.

انتبهت لصوتها على باب المرحاض.. كان اسم المذنب مُسحت معالمه. مرت عليه ادخنة قاتمة وكأنه احترق. ارتجفت وانا أقول لها دون وعي:

– الرسالة يا أمي.

– دعكي منهم.. ما هذا الصوت عندك؟!.

– طبق الغسيل سقط من فوق الغسالة وهي تهتز يا أمي.

– تغسلين الان؟.. تغسلين ماذا أصلا؟.

– فراغ.

وأنهينا الاتصال. اقترب أكثر من الاسم المحترق. هو وحده من احترق دونا عن باقي كلمات السؤال. كُتب تحت السؤال علامة صح. هو هو إذا. ولكن لماذا لا أكتب الاسم؟. ما مشكلة اسم I-SON. وأتذكر السؤال: “إبن من هذا؟”.

***

لو أن زارني أحدهم الان سيعرف أنني قد جننت، وأن الامر قد خرج عن السيطرة. جدران المرحاض كانت كسبورة خشبية في صف دراسي. عبارات كُتبت في لهفة.. علامات غير مفهومة بجانب العبارات. رسم أو اثنين لدوائر وخطوط في المنتصف.

الجزء المفضل كان في منتصف الجدار الجانبي. جزء من قصيدة كتبها هو.. نعم الامر تطور كثيرا في اليومين الماضيين، أقف أمامها.. أعيد ترديدها بفمي لمرات، كتب يقول:

“على جناح طائر

مسافر..

مسافر..

تأتيك خمس أغنيات حب

تأتيك كالمشاعر الضريرة

من غربة المصب

إليك: يا حبيبتي الاميرة

الأغنية الأولى

ما زلت أنت.. أنت

تتألقين يا وسام الليل في ابتهال صمت

لكن أنا،

أنا هنـــــــا:

بلا “أنا”.

سألت أمس طفلة عن اسم شارع

فأجفلت… ولم ترد

بلا هدى أسير في شوارع تمتد

وينتهي الطريق إذا بآخـر يطل

تقاطع،

تقاطع

مدينتي طريقها بلا مصير

فأين أنت يا حبيبتي

لكي نسير

معا…،

فلا نعود،

لا نصل”.

“حبيبتي”؟. لمن هذه.. أمل دنقل؟!!. دنقل كتب قصيدة حب!. قصيدة من نوع نادر في موقف نادر يستحق.

لا اعرف إن كان هذا بسبب الموقف ام لا.. لو تتذكر ردود فعل من حولك أثناء كارثة ما.. هم أكثرا حبا، أكثر ضعفا. فقط حتي ينتهي الموقف. لتعود الأمور كما كانت. ليعود جمود الوجه، لتعود الحياة كما نعرفها. سيفعل هذا حين تنتهي الأمور؟.. ربما.

لن اكذب. كنت ابحث عن قصيدة ابادله اياها.. لا اعرف شعرا رومانسيا في حال مماثل. لم اعرف شاعرا كتب يعبر عن اشتياقه لحبيب هارب او مخطوف في مرحاض.

بدأت أحبه؟.. لا. لم تصل الامور الي تلك النقطة. انا فقط أشفق عليه.. افتقد معه ليلة هادئة مثلما كنا نفعل في أشهر الخطبة. صحيح أنه لم يكن يتحدث كثيرا، لكن هذا له سحر.

بدأت انتظر همسه.. حتى لو قال فيها أي شيء. أمُر على المرحاض لسبع مرات بالساعة.. أكتب هو شيء جديد؟. أراك تغمز بعينيك: “هذا هو الحب”. عالج عيناك، واحتفظ بالاستنتاجات لنفسك.. واصمت.

عرفت الان أن الامور قد بدأت تأخذ منعطفا هاما.. المريخ يستقبل الان السيد آيسون.. ثم جرس الباب.

حدث ما كنت اخشاه.. كانت امي.

وجهها الممتقع الذي يسأل: “كيف جرأت على المبيت هنا وحدك”. ظلت تتحسس جسدي للحظات وهي تحتضنني بلهفة.. افهمها جيدا. رأيت عيناها تتربص بالمرحاض سبب الهزيمة.. عرفت أنها لن تجرؤ أن تطأ بقدميها داخله.. وهذا مريح. ذهبت لتتفحص المبرد لمرتين، في كل مرة تعود بوجه بائس. خسارة التعب.

– الكفتة بدأت تحمض يا “فريدة”.. لم تمسيها.

– اجهزت علي “البوفتيك” و”البشاميل”.

قلت لها بعد تفكير:

– لما لا تأخذين الطعام معكِ يا امي. خسارته.

نظرت لي:

– هذا فأل سوء.

ضحكت انا.. وضحكت هي.. اخذها الطعام معها لن يجلب سوء حظ أكثر من هذا!.

انهت ضحكتها الحزينة قائلة:

– آه لو كنت أعلم الغيب.. ما رضينا به زوجا.

– لا أحد يعرف الغيب يا امي.

– نسيت احلامي التي لا تخيب!.. نسيت حين أخبرت طنط “سهير” عن حمل ابنتها؟.

 – اشهد لكِ.

ثم تذكرت فجأة:

– اين تقضين حاجتك؟.

– أي حاجة؟.

– الحمام يا بنتي.

– آه.. لا ادخله الا مرة في اليوم، وبالنهار.

– هذا أفضل.

وحدث الارتطام بالمرحاض، لا ليس الان.. ليس الان بالله عليك.

وقفت هي وتسمرت:

– ما هذا؟.. من المرحاض.. صح!.

بحثت عن عصفورة:

– أي مرحاض؟.

– “فريييييييدة”!.

تركتها، أتحسس الموكيت الجديد الى المرحاض:

– يبدو أن الطبق البلاستيك سقط.

“ليس وقتك يا عبد المنعم”. همست بها وانا أدفع الباب برفق. حتى ارتد في قوة صفعت وجهى، والقتني للخلف أرضا. صوت عاصفة غاضب آتى من مغارة عتيقة.

– بنتي!!!.

هتفت بها أمي في نهاية الصالة. نهضت بألم الكتف جريا إليها. أراها الان تحملق ناحيته من خلفي.. تحملق في من؟. التفت.. كان هو، كما هو، كما أعرفه. “عبد المنعم”.

***

nehaya elayam
الوسوم
اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق