إبداعقصةمشاركات أدبية

«لحظات مسروقة»

بقلم: صفاء حسين العجماوي

بخطوات رتيبة تعرف طريقها كانت تسير شابة بأوائل الثلاثينات، وعيناها لا تريان الطريق، فهما سابحتان في محيط ذكرياتها المريرة. تقذفها الخيبات ككرة تعبث بها الأمواج. قدماها تعودت على السير بآلية بطيئة، فحياتها ذات إيقاع روتيني شديد الملل. تستيقظ صباحًا لتذهب إلى العمل، ثم تعود إلى منزلها تعد الطعام لوالديها وأخوتها، ثم تجتر مرارة تجاربها حتى الفجر لتجلد ذاتها، وهي ترى أحلامها تحطم كأول مرة. عذابات الماضي الحاضر دون أن يشعر بها أحد، فهي صخرية الملامح على الرغم من براكينها الثائرة بداخلها. منزوية داخل ذاتها لا تسمح لدموعها بالانتحار على وجنتيها الصلدتين، بل تحبسها خلف زوج من العيون الزجاجية الشاردة.
اصطدم بها أحدهم دون أن يهتم بغمغمة تفسر كاعتذار ما. تبسمت بسخرية لذاتها كأنما تعزيها. أخرجت منديلًا من حقيبتها لتمسح بها قطرات العرق التي استجابت لنداءات شمس الظهيرة لها. سألت عن حافلتها المتجهة إلى منزلها، فوجدت شابة تكبرها ببضع سنوات تحمل طفلها الصغير الذي لم يكمل النصف بعد عامه اﻷول تشير لها لتجلس بجوارها. نظر لها الطفل الذي لم تطأ قدمه الارض إلا من بضع شهور بفضول. بادلته النظرة بأخرى إلا أنها ملئ بالحب. ادارت وجهها في الجهة المقابلة خشية من رد فعل والدته، فلربما خافت منها مثل بعضهن، فتخفي ولدها عن مرمى عيونها الحسود، أليس هي العانس الحقود؟، ولربما منحتها نظرة نارية كأنها لبؤة تستعد للهجوم على كل من تسول له نفسه الإقتراب من أشبالها. يكفيها فقد فاضت روحها مما تجرعته من اهانات ليس لها ما يبررها سوى سوء ظن أم حديثة العهد بالأمومة تضن عليها بلحظات أمومة مسروقة تهدئ من عاطفتها المحبوسة في فؤادها منذ ولدت. حاول الطفل لفت انتباهها بحركات جزعه، ونظراته المشاغبة، وكلماته مبعثرة الأحرف. أدارت وجهها نحوه راسمة بسمة حب مرتبكة. مد الطفل لها يده الصغيرة بقطعة حلوى . هزت له رأسها وهمست تشكره. تطلعت لها أمه بعطف ممزوج بالشفقة، وسألتها باسمة أن تأخذ الحلوى من ابنها. معللة تصرفه بأنها يحب مداعبة الفتيات، ولربما أخذها معه إلى المنزل. وكأن طلبها، وتبريرها أذن لمشاعر أمومتها الجياشة أن تخرج، لتنعم للحظات تسرقها بأمومة زائفة، ولكنها لحظات فرح تنسى فيها أحزانها. لاعبت الطفل وداعبته، والطفل وأمه يضحكان لها. وكأن ضحكات الطفل ترياقها الذي تتوق له منذ زمن، أما ضحكات أمه فهي صك السماح لأمومتها المؤقتة. يقذف الطفل بنفسه إلى أحضانها، ويتركها تقبل يديه وجبينه. يمنحها ضمة أم لولدها الغائب منذ عقود. يهدهد قلبها المحروم، ويرمم شقوق روحها، يعيد بناء أطلالها فقط بضمة واحدة. بقبلة حانية على خدها. بقطعة حلوة يضعها في فمها. بضحك مرحة لمداعبتها.
أخذت تنهل من عبير الأمومة الصافي لتشفي جروحها للحظات معدودة انتهت بوداع وقبلة، فقد وصلت إلى منزلها لتستعيد قناعها الصلد، وتعود لروتينها اليومي.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى