مقالات

ميلاد فليفل يكتب: رحلتي مع نجيب محفوظ

بقلم: ميلاد فليفل

لم أرتبط بكاتب في حياتي مثلما ارتبطت بنجيب محفوظ، حتي  شّكل ركنا أساسيا في عالمي وبناء راسخا في روحي، تلاقي ما عندي بما عنده حتي شكل لي وجيل كامل من شباب الكتّاب وعيا شاملا بأن الأدب ليس مجالا للظهور إنما عمل مضني يقتضي الدأب المستمر والمثابرة المتجددة، خصوصا مع إدراك أن ما نود أن نقوله أدبا كثيرا جدا مقارنة بهذا العمر القصير، وأن الأدب ينشأ من المعايشة الدقيقه والعميقه لحياة الناس والإدراك الشامل بمشاكل المجتمع وتقلباته.

وكان من أسباب عشقي الكبير للأستاذ نجيب محفوظ هي الروح المصرية المتأصلة في رواياته ووعيه الكامل بمشاكل عصره، مع نجيب محفوظ تعلمت أن الأديب الجيد هو ما يفهم القارئ منه ما لم يود أن يقوله وهكذا بدأت رحلتي معه باللص والكلاب حينما استعرتها من مكتبه المدرسة، في البداية لم أعرف سوي أنها قصه عادية من قصص محفوظ، ثم من معايشتي لأدبه عرفت أن عليش بطل روايته إنما أراد أن يرمز للتجربه الأحاديه لعبد الناصر.. تلك التجربة التي كانت أحيانا لا تصيب الهدف، تماما مثل عليش بطل الرواية الذي كان يخطئ في كل مرة يريد فيها الانتقام، اكتشفت في عالم نجيب المزدحم بالشخصيات والأحداث عالما موازيا للمجتمع الحاضر بكل تناقضاته وازدواجيته، ففي ثلاثيته البديعة لخص حال الكثير من المجتمعات العربية في شخصيه أحمد عبد الجواد أو (سي السيد)، وشيزوفيرنا المجتمع الذي يظهر عكس ما يبطن، وأعي تماما ما جرته الثلاثيه علي محفوظ من متاعب أقلها أنه اُشيع حولها أنها قصه عوالم وساقطات وأنها صورت المرأة المصرية بشكل مهين، ولكنني أثق تمام الثقه أن من يتبني هذا الرأي إنما شاهد سينما نجيب محفوظ ولم يقرأ حرفا واحدا مما كتب، ثم أيضا حياة كمال في الثلاثيه عسكت تطلع أجيال بكاملها للحرية وحرصها عليها.
أما عن الأديب نجيب محفوظ فأعرف تمام المعرفة أنه يجيد الكر والفر برواياته فمع اشتداد القيود بعد ثورة ١٩٥٢ وبداية عهد عبد الناصر الذي وصفه الأستاذ نصا فقال”في زمن ناصر كان المرء يخاف من الحوائط، كان الكل خائفين، كنا نجلس في المقاهي والخوف يمنعنا من الكلام “إلي هنا لم يجد الأستاذ مفر من اللجوء للواقعيه الرمزية فكتب أولاد حارتنا والتي لاقت للأسف هجوما شديدا من أولئك الذين لا يعرفون كيف يقرأون قصه، فثار أولاد حارتنا علي أولاد حارتنا، وطعن بسببها الأستاذ في التسعينات في قلب القاهره، ولم يستسلم محفوظ لهؤلاء بل علي العكس أراد أن يخرج لسانه لكل من انتقد أولاد حارتنا ولم يفهم ما ترمي إليه، فجاءت ملحمة الحرافيش علي نفس منوالها وبنفس آلامها وآمآلها المتطلعة لمجتمع يخلو من الفتوات.
لنجيب محفوظ حضورا قويا في عالمنا الادبي والثقافي إلي اليوم، هذا الحضور الذي مازال يثير ردود الفعل الهستيري لدي البعض حتي بعد 11 عاما من رحيله و 30 عاما من حصوله علي نوبل و 58 عاما علي صدور أولاد حارتنا. فسلاما لروحك حيثما تكون.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى