الرئيسية / مقالات / أحمد الفران يكتب: «فيرنر منزينجر».. مخطط وقائد الحملة العسكرية المصرية على الحبشة

أحمد الفران يكتب: «فيرنر منزينجر».. مخطط وقائد الحملة العسكرية المصرية على الحبشة

بقلم: أحمد الفران

في صبيحة يوم السابع من نوفمبر ١٨٧٥ كانت القوات المصرية بقيادة السويسري فيرنر منزينجر المشاركة في الحملة العسكرية على الحبشة تستعد لتطوير هجومها لإخضاع الحبشة إلى ولاية الخديوي إسماعيل، وسريعاً وصلت الأنباء إلى الأثيوبيين عن تقدم ٢٠٠٠ من المصريين بقيادة منزينجر من كسلا عبر أجوردات وميريب بإقليم الدناقل (إريتريا)، ومع التقدم السريع للمصريين كان رجال القبائل الدنقلاويون يعدون كميناً بالقرب من منطقة “عدوة”، والذين استطاعوا إبادة القوات المصرية بأكملها بما فيهم مزينجر والذي أصيب بجروح بالغة وتوفي بعد يومين ولحقت به زوجته هي الأخرى والتي أصيبت بالمعركة، لتكتب تلك المعركة نهاية المغامر والمستكشف فيرنر منزينجر.

حاولت القوات المصرية استعادة زمام الأمور مرة أخرى وأعدت لهجوم أخر يوم ١٤ نوفمبر ١٨٧٥، وبالفعل تقدم الجيش المصري بقيادة العقيد الدنماركي سورن آرندروب مع ٣٠٠٠ جندي من المشاة المسلحين ببنادق ومدافع جبلية، إلا أن القوات الأثيوبية انتبهت للهجوم المصري مرة أخرى، وقامت فرقة إثيوبية بمواجهة الكتيبة المصرية المتقدمة من قلعة أدي ثم التفت تحت جنح الليل من فوق الجبل حول مؤخرة الجيش المصري الرئيسي المتمركز بالوادي السحيق مما أدي إلى سقوط الجيش المصري بين طرفي كماشة.وفي صباح ١٥ نوفمبر أُبيدت القوات المصرية ولم ينج منها سوى نحو ٣٠٠ جندي انسحبوا إلى مصوع تحت قيادة العميد الأمريكي دورنهولتز، وقتل قائد القوات سورن آرندروب ومعه الأرمني أراكل نوبار (ابن أخو نوبار باشا)، وقتل من الإثيوبيين ٥٠٠ جندي في ذلك اليوم، وعرفت المعركة باسم معركة جوندت واعتبرها الأثيوبيين أهم معركة في تاريخ أثيوبيا وأطلقوا اسم جوندت على أسمى وسام عسكري أثيوبي.

انتهت الحملة المصرية على الحبشة بهزيمة جيش الخديوي إسماعيل والذي شكله من مجموعة من المرتزقة والمغامرين وبعض وحدات من الجيش المصري، وتكبدت مصر في هذه الحرب خسائر فادحة في الرجال والمال‏، وتصدعت هيبتها لما أصابها من الهزائم المتوالية‏، وكلفت الخزانة المصرية نحو ثلاثة ملايين من الجنيهات‏، في وقت كانت تنوء فيه مصر بالديون الجسيمة‏،‏ وتعاني أشد ضروب الارتباك المالي.

بالعودة إلى الوراء برزت فكرة الحملة المصرية على الحبشة بسبب رغبة الخديوي إسماعيل في توسيع حدود ملكه والسيطرة على منابع النيل، وتلاقت الأفكار مع السويسري فيرنر منزينجر والذي كان يعمل آنذاك قنصل فرنسا في مصوع، وأقنع الخديوي بسهولة غزو الحبشة وإرسال حملة لتأديب إمبراطور الحبشة يوحنا الرابع وهوّن على الخديوي امر غزو بلاد الحبشة لعدم كفاءة قواتها بالمقارنة طبعا بالجيش المصري النظامي. استطاع منزينجر اقناع إسماعيل بسهوله، وعينه الخديوي محافظ لمدينة مصوع ومنحه لقب “باشا”، وبدأت الحملة العسكرية في ديسمبر ١٨٧٤ مكونة من ١٥٠٠ عسكري ومنح قيادتها لمنزينجر باشا، حققت الحملة بعض النجاح أول الأمر، ورفعت العلم المصري على مدينة سنهيت، وتقدمت داخل الأراضي الحبشية.

فشل الحملة المصرية بالحبشة تقع تبعيته بشكل مباشر على الخديوي إسماعيل فقد وقع فريسة لرجال حاشيته والمتملقين له حيث بالغوا في تقدير قوة جنود مصر وأن فرقة واحدة تساوي عشرين ألفا من الإثيوبيين، كما أكد له منزينجر  مقدرته على غزو إثيوبيا جميعها بأورطتين مصريتين فقط وقليل من النفقات، إلى جانب أن إسماعيل لم يكن يستمع لنصائح من معه من كبار الضباط المصريين المدربين ذوي الخبرة في الحروب في هذه المناطق. كان منزينجر هو العقل المدبر للحملة العسكرية المصرية على على الحبشة، والذي وضع الخديوي إسماعيل فيه ثقته الكاملة، دفعته إلى ترقيته بشكل سريع للغاية إلى رتبة الباشوية، بل امتدت ثقة الخديوي به حتى أنه اختير ليكون ممثل مصر في المعرض العالمي بفيينا عام ١٨٧٣، ويبدو أيضاً أن منزينجر قد غرته صولاته وجولاته بمجاهل أفريقيا حتى خيل له أن قادر على السيطرة عليها بقليل من الجنود، وكانت النتيجة أن دفع حياته هو وزوجته ثمناً لذلك.

البداية ارستقراطية

 ولد يوهان ألبرت فيرنر منزينجر في ٢١ إبريل ١٨٣٢ بمدنية أولتن السويسرية وسط عائلة ارستوقراطية، والده جوزيف منزينجر عضو المجلس الاتحادي السويسري وشقيقه الأكبر هو المحامي والتر منزينجر. درس فيرنر منزينجر العلوم الطبيعية والتاريخ في جامعة برن بسويسرا، واستكمل دراسته في العلوم الشرقية بجامعة لودفيغ ماكسيميليان – بمدينة ميونخ الألمانية ثم الدراسة بجامعة السوربون بباريس، ثم دفعه استكمال دراسة العلوم الشرقية إلى السفر للقاهرة عام 1852، وقد عرف عنه شغفه بالعلم والمغامرة حتى قيل إنه تحدث حوالي ٢٥ لغة.

مغامرات الشرق وأفريقيا

في عام ١٨٥٣ وصل منزينجر إلى الإسكندرية بصفته عضواً في البعثة التجارية الفرنسية، ثم أرسلته فرنسا إلى البحر الأحمر عام ١٨٥٤، فأمضى عامه الأول هناك بمصوع “إريتريا” ومنها إلى مدينة كرن الإريترية، حيث كان اللقاء الأول بزوجته من قبائل البيلين الإريترية تدعى نافا، وأنجب منها طفلاُ سمي “جوزيف”، وأمضى أوقات فراغه في الدراسات الجغرافية والأنثروبولوجيه للمنطقة

القرن الأفريقي

في الأول من يوليو ١٨٦١ أنضم منزينجر إلى البعثة الألمانية بقيادة المستكشف الألماني الشهير”تيودور هيوجلين” لاكتشاف مجاهل أفريقيا والتي لم يسبق للأوروبيين دخولها من قبل، والتقى منزينجر البعثة الألمانية في مصوع ورافقها في رحلتها حتى وصلت إلى شمال أثيوبيا وانفصل عنها في ١١ نوفمبر من نفس العام، ثم أكمل رحلاته لاكتشاف أفريقيا ووصل إلى كردفان لكنه لم يستطع الوصول إلى دارفور وعاد مرة أخرى إلى مصوع عام ١٨٦٤.

القنصل منزينجر

بعد عودته إلى مصوع عمل منزينجر في منصب القنصل البريطاني منذ أكتوبر ١٨٦٥، ثم تولى إدارة القنصلية الفرنسية، وشارك في الحملة البريطانية على الحبشة في عام ١٨٦٦، والتي قامت بها القوات البريطانية ضد الإمبراطور الحبشي تويدرس الثاني واستطاعت دخول العاصمة الأثيوبية ثم رحلت في عام يونيه من نفس العام، وعاد منزينجر إلى مصوع وعين رسمياً نائب القنصلية الفرنسية، ثم سافر في رحلة استكشافية إلى الساحل الجنوبي لشبة الجزيرة العربية في عام 1870.

 

قيادة الحملة المصرية على أثيوبيا

مع نهاية عام ١٨٧٠ علم منزينجر بتطلعات الخديوي إسماعيل في الإطاحة بإمبراطور الحبشة، وبسط نفوذ مصر بوادي النيل، فزيّن له منزينجر التغلب على الحبشة وامتلاكها، مؤكدًا لإسماعيل أنه قادر على الاستيلاء عليها بقليل من الجنود، وشيء يسير من النفقات، فاقتنع الخديوي برأيه، وولاه على مدينة مصوع، والتي تعد مفتاح أرض الحبشة البحري، ومنحه رتبة البكوية، وعلى الفور بدء منزينجر يستميل زعماء القبائل بالهدايا والأموال. وفي عام ١٨٧٢ اغتنم منزينجر فرصة قيام إمبراطور الحبشة يوحنا الرابع بحملة لمحاربة القالا في الجنوب، فاستولى على كرن بجيش مكون من ١٥٠٠ جندي فقط، وعزز تقدمه بسواكن وكسالا وزيلع، ومع التقدم الذي حققه منحه الخديوي رتبة الباشوية، بل شارك كممثل لمصر في المعرض العالمي الذي أقيم بفيينا عام ١٨٧٣. بدء منزينجر في تطوير الهجوم بقيادة فرقة من الجيش المصري قوامها ١٢٠٠ جندي والتقدم إلى كيرن داخل إثيوبيا، والتي سرعان ما تراجعت مع أول هجوم من الأثيوبيين وانسحبت الفرقة المصرية تاركة خلفها حامية صغيرة لحماية الكنيسة الكاثوليكية بكرن مع نهاية عام ١٨٧٤، ثم معركة جوندت في نوفمبر ١٨٧٥ والتي كانت المحطة الأخيرة في حياته عن عمر يناهز ٤٢ عاماً.

إنتاجه العلمي

على الرغم من حياة منزينجر المكتظة بالحل والترحال والمغامرات والمعارك إلا أنه قدم انتاج علمي مهم منه “الجمارك وقوانين بوغوص” ، “دراسات شرق أفريقيا” ، “البعثة الألمانية في شرق أفريقيا ١٨٦٥”.

 

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend