الرئيسية / مقالات / عمر سامح يكتب: عـن الأفــلام و الأحــــلام «2 – 2»

عمر سامح يكتب: عـن الأفــلام و الأحــــلام «2 – 2»

بقلم: عمر سامح

Omar Sameh
Omar Sameh

قبل انتهائى من قراءة كتاب كارل يونج “مقاربات العقل الباطن” بأسبوع ، و فى اليوم التالى لانتهائى من قراءته، شاهدتُ فيلمَين ضمن برنامج عروض أحد الأماكن المهتمة بالثقافة والفنون، أتابع نشاطه باستمرار وأشارك فيه كلما تيسّر الوقت و أتاحت الظروف.
فأنا أحب السينما بشكل عام. أهتم بالجيّد من أفلامها، وأعطى نَفسِى تجاهَها حق الشغف بجماليات التفاصيل و حقّ الاكتشاف الإنسانى الحُرّ ،بينما أعطيها هى حق التركيز فى محتواها ومستواها – والصبر على إزعاجها ومشاقّها أحياناً!
لكن فى نفس الوقت، أنا لستُ من الأشخاص الذين يهوون “حرق” الأفلام. إذ أفضّل أن أبدأ المشاهدة من منطقة شِبه خالية من التصوّرات أو الأحكام أو تَوجِيه الاختيار أو التصنيف – أى أن تكون معرفتى المُسبقَة عن ما سأشاهده هى أقل ما يمكن – مجرّد العنوان والإطار العام وضمان أن أتجنّب المحذور و المحظور الوحيد بالنسبة إلىّ: أن يكون فيلمَ رعب!
وهذا يسرى على الفِيلَمين الذين سأشيرُ إليهما. لم أكُن أعلَمُ محتواهما مُسبقا، لذا لَم أدرِ رسائلهما المُضمرَة إلا أثناء المشاهدَة، كما أننى لم أَدرِ إلا بعد المشاهدة أن هاتَين الرسالتَين قادمتَين من نَفس ساعى البريد الذى تلقّيتُ منه الرسالة السابقة – وأن تلاقِى المصدر فى حد ذاته، هو رسالة عميقة المغزى قويّة التأثير!
الفيلم الأول إنتاج بلجيكى 2015، إسمه Brand New Testament – أى “العهد الجديد جداً”
و على البوستر أسفل العنوان جُملة تقول:”الله موجود . إنه يعيش فى بلجيكا”
وهذا ما نراه بالفعل. رُجُل متوسّط العُمر (هو نفسُه الإله)، بالغ القسوة والسادية تجاه أسرته المباشرة، ابنته الصغيرة ذات العشرة أعوام وزوجته، و تجاه البشَر الذين “خلقَهُم” باستخدام برنامج كومبيوتر لا يتعامل معه سواه، مراعياً فى تفاصيل عملية الخلْق هذه أن تكون حياتهم فواصل من العجزِ والتعذيب والإزعاج.
تتمرد الطفلة عليه وتقرر معاقبته بما يستحق: أنْ تسلبَه سِرّ قوّته الأهم فى السيطرة على الناس وهو جهلهِم بتوقيت موتِهم الذى يعلمُه الإله فقط– فتُرسل لجميع البشَر رسائل نصيّة قصيرة تحتوى على تلك المعلومة، ثم تهرب من العالَم الألوهى المنعزل إلى الحياة البشرية، و يحاول أبوها ملاحقتها دون جدوى.
فى عالَم الواقع، تقابل ستّ أشخاص (يكافئون رسُل المسيح) لهم قِصَص معاناة مختلفة مع قسوة القدَر والعجز عن مواجهته، فتَلفِت انتباههم إلى مصادر قوّتهم الإنسانية التى تمكّنهم من اكتشاف سبُل الخلاص. و حين يتحرك الفيلم مقترباً من لحظة نهاية محتومة لإحدى الشخصيات، طفلٌ يعانى من مرضٍ لا علاج له، يحدث انقلابٌ – أو اعتدالٌ مفاجىءٌ فى مسار التوقُّع.
تدخلُ الأم – التى ظلّت داخل جدران بيت الإله – بالصدفة لغرفة زوجها الفارغة لتنظفها، فتكتشف جهازه السرىّ لأول مرة. تجلس أمام الشاشة، تكتشفُ أسلوب عمل البرنامج، تبدأ الضغط على الأزرار – فَتُغيّرُ كل أنماط ومصائر حياة الكائنات البشرية.
لقد حلّت محلّ الإله الهارب، فصار للكون إله جديد –أنثوّى الطبيعة والطبع هذه المرة.
لذا فإن الواقع الذى خُلِقَ صار أكثر رقة و عذوبة بكثير. واقعٌ تتلوّن فيه السماء، و تتناثرٌ منها الورود، ويتصالحُ الناسُ فيه أخيراً مع إنسانيتهم التى طال فقدانُها. وعلى هذا تنتهى القصة.

الفيلم الثانى Volver – أى “العودة” بالإسبانية – إنتاج 2006، للمخرج المعروف بيدرو ألمودوبار، يحكى عن مجموعة نساء تربطهنّ القرابة الأسريّة المباشرة عبر ثلاثة أجيال: أم وابنتيها و حفيدتها، وأيضاً تقاطعُ صلاتُ الصداقة والجيرة، مع الروابط الخفية للخيانات الجسدية بين الغرباء، بَل و الأقرباء أيضاً.
تتوزّعُ هذه الأحداث عبر مسارْ زمنىّ طويل يشكّل تاريخ الأسرة الأنثوى والإنسانى. كما أنها تخلقٌ مزيجاً معقّداً من الإشكاليات والتوترات، يُحدثُ شروخاً عميقة فى جدار العلاقات الأساسية بين البطلة و كل مَن يشكلّون مجال حياتها الحيوىّ، باختلاف ظروفهم و مصائرهم وحقيقتهم.
هذا الواقع المؤلم، لا يُزعجُ الأحياء فقط ممن يهمهم الأمر، لكنه يُزعج الأموات أيضاً.
تحديداً والدة البطَلَة .
حين ترى أن الأمور تسوء وأن تدخّلها صار حتمياً، تعودُ من مَوتِها المفترَض، غير عابئة بتَبِعات ذلك على مَن يتصورونها شبحاً، وتتواجهُ مع حياة ابنتها والآخرين – و منهم امرأة تواجهُ موتاً حقيقياً مقترباً – فى مرايا ذواتهم المتداخلة، لتعود الأمور إلى نصابها  حتى لو بتصالحٍ متأخر مع الحياة، و مع الموتِ أيضاً. وعلى هذا ينتهى الفيلم.
حين فكّرتُ مليّاً، وجدتُ أننى شاهدتُ تجربتَين مُختَلِفتَى النغمة والشكل – لكن بِجَوهرٍ واحد، جوهرٌ يتردد صداهُ فى أجوائهما، بنفس القدر الذى يتردد فى أجواء كلام يونج عن رموز ورسائل الأحلام.
فالأحلام و رسائلُها – أى مملكتنُا الداخلية الحُرّة وبريدُها – لا يخضعا للأغلال الثقيلة التى تكبّل كل شبرٍ من وَعيِنا المستيقظ ومن ملامح حياتنا الخارجية، ولا يعبئا بها.
لذا فإنهما ليسا إشارات تنبيهٍ ومساعدات إدراكٍ فقط ، لكن أكثر و أهم من ذلك: هُما ضوءان وحيدان فى عتمةٍ شاملة، وصوتٍ وحيدٍ يهمسُ أو يهدرُ فى آذاننا بوضوح وثقة أثناء النوم – بما لا نجرؤ أن نتحدث به – وربما حتى أن نفكر فيه ونحن متسيقظون.
و كذلك الأفلام، أو الفنون بشكل عام .
فهى تُعيدُنا إلى “بقايانا الأصلية” . تُحرّرنا – ولو لفترات وجيزة – من السُلطان الذى لا يُقهَر لأنماط التفكير والاعتقاد والتصوّر الراسخة داخلنا كالجبال، والمتجذرة فى كياننا البشرى منذ قديم الأزل، والمسيّجة بمحاذير بالغة القوّة والكثافة من التحريم والتقديس، تجعلُ اختراقها– بَل ومجرد الاقتراب منها أحياناً – مسألة بالغة الصعوبة والخطورة وإثارة الإزعاج والأذى.
فقليلٌ من الناس فى الحياة الواقعية يستطيع – أو قُل: يريد تحمّل العواقب الوخيمة – لإثارة نِقاشِ علنىٍّ حول مسألة حساسة مثل طبيعة الإله أو نقد حقيقته (أو حقيقة رؤية البشَر له)
كما أن قليلاً من الناس أيضاً يُمكنُ أن يَرِدُ إلى ذهنه الواعى أن الموتَى يمكن أن يعودوا من العدَم بأى طريقة مختلفة عن ما نشأ المتدينون على معرفته والاقتناع به. أما غير المتدينين فربما لا يعترفون بالعودة من الأصل!
هما حاجزان – ضمن حواجز لا نهائية – صعبا الاجتياز للغاية على العقل الواعى، الذى كما يقول يونج “أَلِف الطبيعة العقلانية لعالمنا إلى درجة قلّما نستطيع معها أن نتصوّر شيئاً يحدثُ لنا ويعجزُ هو – العقل – عن تفسيره ”
أسوارٌ عاليةٌ علينا، مصيرُنا شِبه الحتمىّ أن يظلّ جنسنُا البشرىُّ سجيناً خلفها إلى الأبَد.
لكنها ليست صعبة أو عالية على غَوصِ أو تحليق شعورِنا الإنسانى ومراياه: الأفلام والأحلام .
الطائرالحُرُّ الذى لم ينقرض منذ القرون السحيقة.
و الرباط الوحيد الباقى بيننا و بين جدّنا القديم.

 

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

ياسين أحمد سعيد يكتب: مرة واحد صعيدي واقعي.. في عيد الحب

بسم الله الرحمن الرحيم إلى ياسين ذو السبعة عشرة صيفًا، هيه يا صاح، أفتقدك بحق، …

Send this to a friend