الرئيسية / إبداع / رواية «نهاية الأيام» الحلقة الـ «5»
nehaya elayam

رواية «نهاية الأيام» الحلقة الـ «5»

بقلم: أكرم إمام

رواية «نهاية الأيام»

«الحلقة الخامسة»

“يجب أن نخبر العالم”

 

(8)

أكرم إمام

أري أمي تبحث عن شبشب.. أعرف أنها تريد ضرب «عبد المنعم» به علي رأسه. جلست تحملق فيه علي الأريكة، ثم تنظر لي بلوم.
– لم تخبريني أنه عاد!.
موقف لعين، وضعت فيه منذ خمس دقاق مضت.. «عبد المنعم» ظهر فجأة من عدم المرحاض. خرج بوجه شاحب كالموتى، كأنه خرح من كهف!. حمدت الله أنه كان يستر نفسه. بماذا؟.. لك أن تتخيل.. قميص نومي الذي تركته خلف الباب!. وقف لدقيقة حتي استوعبت أمي الأمر. لقد عاد إذا. ظلت متوجسة في الدقاق التي تليها حتى ارتدي هو ملابسه وعاد الينا.
قالت لي وقتها:
– تخفين شيئا كهذا على أمك؟.
ماذا ستقول؟.. هذه جريمة مكتملة الأركان. لا يُجدي معها القسم بأديان الأرض.
– لقد عاد للتو.. صراحة اتفقنا على أن نخبرك هاتفيا بعد أن تذهبي. لم يشأ أن تفرغي عليه غضبك الان.
– غضبي؟.. يا غبية قلبي ينتظر اللحظة التي أرى فيها ابنتي، وقد انزاح عنها الخراب. ألا تعرفين قلب امك؟.
أعرفه يا أمي أكثر من أي شيء.. فقط لو تعرفين. ماذا عن قميص النوم؟!. أعرف أنه السؤال القادم. رأيت في عينيها دمعة.. مسحتها في سرعة مع نحنحة الآتي.
جلس هو بجانبي بوجهه الشاحب. انزاح فم أمي للجانب الأيمن وهي تتنهد:
– حمد الله ع السلامة.. صباحية مباركة.
هذا الفتى يشبهني.. نظر لمروحة السقف وقال:
– الله يسلمك يا ماما..
صمت للحظة، ثم:
– أنا…..
اذا نعرف الان أنك تريد أن تبدأ التبرير. ببساطة؟ يحب أن تأخذ حقك من ضرب الشبشب وأي مركوب آخر نجده في الشقة. قاطعته هي:
– انت؟.. انت معندكش دم.
بدأنا الحديث عن الدم.. امي لن تغادر حتي تصلبه على الباب، وتكوي اذناه بالسيخ المحمي.
لدقيقتين، ظل يشرح لها عن الدائنون الذين يلاحقونه لأجل دفع فواتير الاثاث الجديد. قال لها أنه اخطأ عندما وعدهم بالدفع قبل أسبوعين. قال لها أنه لم يكن يريد الظهور مع المشاكل هنا في الشقة. اعرف أن امي لا تسمعه.. اعرفها تريد أن تقفز، ربما لترقص رقصة الصلصة لو انها تتقنها. هي فقط تتظاهر بجلسة تحقيق حتى لا تمر الامور هكذا ببساطة.
أراه يخفي يداه داخل القميص الذي ارتداه في عجالة. شعرت به يرتجف. حتي قررت امي الانصراف أخيرًا.. طبعت علي وجنتي قبلة علي باب الشقة، وهي تقول:
– ربنا يتمم فرحة قلبك يا بنتي.
عدت إلى الصالة.. كان يجلس، ما إن تأكد أن امي غادرت، حتى عدا نحوي. احتضنني في قوة:
– أوحشتني.
شعرت به كأنه يريد ضمي أكثرـ يعبر عن أشياء عدة منها أسفه وإشتياقه. وهنه كان يمنعه.. أعرف.
ما أن أطلقني من بين يديه، حتى نظر للحجرة وقال:
– أعدي الحقائب.
– حقائب ماذا؟.
– سنغادر الان.
– هل تعرف كم مرة سمعت هذه الجملة حتى الان؟.
***

(9)
كان ينقل ملابسه الى حقيبته الكبيرة في سرعة، هذه الملابس ليس لها نصيب أن تبقى في الشقة أبدا. من جديد خسارة الترتيب.
لم يرفع رأسه عن الحقيبة، وهو يقول في إنهماك:
– ما أخبار المذنب.. ماذا قالت ناسا عن المريخ يا “فريدة”.
ساد الصمت لثواني، وانا ابحث عن إجابة.. آخر يوم تقريبا لم اتابع شيء. كنت أتابع رسائل الحائط أكثر من أي شيء. حتى نسيت عن ماذا كان كل هذا.
قلت له:
– آه لقد اغلقوها.
تسمر لثانية، ورفع رأسه:
– اغلقوا ماذا؟.
مطت شفتاي:
– ناسا.
– أ…..
شعرت به الجم سبه، تراجع عنها لعدم لياقتها:
– الان؟.. يغلقون ناسا الان.
شعرت به يكاد يجن، وهو يصرخ، مجددا:
– لماذا؟.
أشرت للاب توب:
– لم افهم جيدا.. يقولون جمهوريون وديموقراطيون إختلفوا عن ميزانية لا أعرف ماذا.. فقرروا إغلاقها.
فتح فمه وكأنه يستوعب الامر. فقلت له:
– مصادفة؟.
– طبعاااا !!!!.
زادت سرعة نقله للملابس، وهو يهمس:
– هم يعرفون.. هم يعرفون. يغلقون ناسا قبل شهر من الحدث.. هذه طبعا مصادفة.. هم لا يريدون لأحد أن يعرف.
– وما مصلحتهم في ذلك لا أفهم يا “عبد المنعم”!.
– إما أنهم لا يريدون أن ينتشر الذعر في العالم.. الحقيقة واضحة، هم رجال علم، سيصرحون بما لديهم لا محالة لو إستمروا. حالة الهلع ستتسبب في إنهيار إقتصادي لا شك. يريدون السيطرة على الأمور أكثر. أو أن…
– أو أن؟.
– أعتقد أن غالبية علماء ناسا لا يعترفون بوجود خالق، هم رجال علم.. هذه المعلومات تؤكد عمليا ما يشاع الان. هم لا يريدون ذلك.
صرخت فيه دون وعي:
– “عبد المنعم” كف عن الالغاز.. إلتقط أنفاسك وأنفاس عقلي الذي يكاد ينفجر.
نفذ ما قلته له حرفيا، حتى أنه ترك الملابس، ووقف يلتقط أنفاسه:
– ما يُشاع يثير موجة قوية للإيمان بالله. علامات السماء التي كُتبت هي نبوءة لا تقبل الشك، إن تحققت علميا. إن حدث هذا ستذهب نظرياتهم هم عن التطور الى الجحيم. إخفاء المعلومات بحجة أنهم قد توقفوا عن الرصد، يقدم لهم حجة قوية.. سيقولون وقتها: “لم نكن نرصد شيء”. يريدون للأمور أن تكون مفاجئة. لا تجد الفرصة للبحث.
هززت رأسي:
– إن كانوا يرون ذلك فلما العناد اذا؟. لم يخفون معلومات عادية عن مذنب؟.
– مذنب كل الازمان إن اشأتِ الدقة.
– هذه أنانية علمية منهم.
– المشكلة أنهم حمقى.. ماذا سيقولون حين يضرب الأرض الزلزال العظيم؟.
ارتجفت:
– زلزال ماذا.. أكان ينقصنا هو الاخر؟!.
قلتها وحدث الارتطام بالمرحاض من جديد. المشكلة ليست في هذا الصوت الذي كدت أن أعتاد عليه. المشكلة أن “عبد المنعم” هنا أمامي. ما سبب الصوت إذا!. صوت الارتطام كان يشعرني بالطمأنينة في الفترة الاخيرة. لكن هذه المرة من؟.
رأيت التحفز في عينيه، وهو ينظر لباب الحجرة:
– انتظري هنا.
قالها وخرج.
هذه أول مرة اشعر فيها انني زوجة تخاف علي زوجها.. زوج من لحم ودم.
مرت دقيقة صامتة، كاد الفضول يقتلني فيها.. حتى سمعت الهمس. اختلست النظر الى الصالة. ما هذا أو من هذا؟. رجل غريب يقف في الصالة مع “عبد المنعم”.. الرجل يسقط أرضا من الانهاك. حتي شعر “عبدو” بأنني هناك اراقب في الخلف.. استدار لي بوجه شاحب مبتسم:
– إنه “عبد المستجير”.
الروب الذي تركته هو الآخر بالمرحاض، يبدو رائعا علي السيد “عبد المستجير” الان.. يبدو المشهد الان كحفلة تنكرية. لو أنك تؤمن بحنكة عقلك، أخبرني ماذا ستقول لو أن شرطة الآداب أتت الان. الزوج يرتدي قميص نوم، ورجل غريب خرج توه من المرحاض بروب حريمي. حمدت الله أن “عبد المنعم” بدّل ملابسه.. سيكون هذا أسهل للتبرير.
– أيوة.. من “عبد المستجير”؟!.
كان لا يزال يبتسم، وهو يجيب:
– زميل مُختطف.
– ما شاء الله.
***
يجلس ثلاثتنا في الصالة.. اعددت لهما كوبين من الشاي الساخن. الرحل كان يرتعد. رأيت على ساعديه علامات بدت كلحقة محترقة.. تذكرت أن.. نظرت ليد “عبد المنعم” التي كان يخفيها طوال الوقت.. هي هي نفس العلامات.
– هذا من أثر الاصفاد يا “فريدة”.
إنتفضت لحجرة الجانبية وأنا أقول:
– أتذكر أن امي أحضرت لي هيموكلار للطواريء.
اسمعه من الصالة يهتف:
– هيموكلار؟.. هذه حروق يا “فريدة”. ليست إصابة في مباراة كرة.
علبة كريم أنثوي أتيت بها.. الرجل يكاد يختفي وعيه على الاريكه، نظر له “عبد المنعم” وهو يقول:
– “عبد المستجير”.. كان بجانبي بكهف النار. لو لاحظت أن إسمه يسبق إسمي هجائيا.
عاد الرجل للوعي عند ذكر إسمه، إعتدل في حرج، وزوجي يكمل:
– كانوا منظمون للغاية.. أوقفونا بترتيب أبجدي.
لأول مرة تحدث “عبد المستجير”:
– “أهم من الشغل تظبيط الشغل يا حاج”.
قالها بالجيم المعطشة.. رجل صعيدي مرح هو إذا!.
تنهد زوجي البائس، نهض وقال:
– فلنذهب.. يجب أن نخبر العالم قبل فوات الأوان.
***

 

 

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

الجمعة.. توقيع رواية «عين عابد» لـ نهلة عبد السلام

ابتسام أبو الدهب تنظم دار «الفؤاد» للنشر والتوزيع، حفل توقيع رواية «عين عابد»، للكاتبة نهلة …

Send this to a friend