الرئيسية / مقالات / عماد ماهر يكتب: محمد عفيفي.. ساخر الحرافيش

عماد ماهر يكتب: محمد عفيفي.. ساخر الحرافيش

بقلم: عماد ماهر

تقول الأسطورة: الكتاب هو الذي يختار قارئه، وليس العكس!
*****
كنت أمام إحدى فرشات بائعي الأرصفة، أحمل بيدي قائمة بحوالي ثلاثة عشر كتابًا من ضمنهم رواية “ثرثرة فوق النيل” لنجيب محفوظ، والتي حان دورها في الشراء الآن ما جعلني أجول بشعاع بصري متنقلًا بين الكتب متفحصًا أغلفتها عسى أن أجد ضالتي..

كان غلافًا غريب الأطوار تحتل مساحته شجرة أسفلها كرسيًا من القش الأصفر العتيق.. جذبني في البداية لكنني سرعان ما عاودت ما كنت أفعله من بحثٍ مضني عن غلاف الثرثرة، وإنتهت رحلة البحث دون جدوى ما جعلني ألجأ أخيرًا للبائع سائلًا إياه عن وجود الرواية من عدمه.. كانت لحظة السؤال مناسبة لأن ألاحظ ولأول مرة أن البائع عجوز يجلس أسفل شجرة على كرسيًا ما.. فشعرت وأن بالأمر رسالة ما خصوصًا وبعد أن أفادت إجابته بعدم وجود الرواية!

في غضون خمسة دقائق كنت قد أشتريت “ترانيم في ظل تمارا” – صاحب الغلاف السالف ذكره -، متنازلًا بذلك عن “ثرثرة فوق النيل” وموقفًا رحلة البحث القصيرة عنها لفترة مؤقتة!
*****
بدأت معرفة نجيب محفوظ بمحمد عفيفي في بداية الخمسينيات تقريبًا.. لم يستغرق الأمر كثيرًا لتتحول المعرفة إلى صداقة، والتي تحولت بدورها لصداقة مفضلة تركت في روح الكاتبين أثرًا كبير بقدر ما هو هام.. كان له فضلًا كبيرًا في ثراء ما قدماه من أدب..
قبل عدة أعوام من ذلك كان عفيفي قد كون مجموعة ( العوامة )، في نفس الوقت الذي إنتهى فيه نجيب محفوظ من تكوين شلة ( الحرافيش ).. تطوُر الصداقة أدى إلى إضمام عفيفي لمحفوظ لشلة ( العوامة )، وإضمام محفوظ لعفيفي لشلة ( الحرافيش ) بالمثل!
*****
« كانت السخرية محور حياة محمد عفيفي ..ينبض بها قلبه، ويفكر بها عقله، وتتحرك فيها إرادته.. فهى ليست بالثوب الذي يرتديه عندما يمسك القلم، وينزعه إذا خاض الحياة.. ولكنها جلده ولحمه ودمه وأسلوبه عند الجد والهزل، ولدى السرور والحنان»
– نجيب محفوظ متحدثًا عن محمد عفيفي –

الكاتب محمد عفيفي حالة خاصة لا يمكن تصنيفها أو وضعها ضمن إطارٍ محدد، فعفيفي ليس كاتبًا ساخرًا من وجهة نظري بقدر ما هو كاتبًا فقط!.. وربما قد تبدو الجملة غير ذات معنى وهذا صحيح فكما أوضحت عفيفي لا يمكن تصنيفه أو وصفه.. وربما بنهاية هذه الأسطر – وأتمنى ذلك – نصل لوصف شبه دقيق، فدعنا ننهيها!

أثبت محمد عفيفي خلال مشواره الأدبي أنه أديبٌ محنك وكاتبٌ من الطراز الرفيع الذي يبهرك في جميع حالاته وكتاباته.. فهو الفانتازي العظيم في ” التفاحة والجمجة”، وهو الفيلسوف ذو وجهات النظر الصائبة بقدر ما هي مؤلمة في “للكبار فقط”، هو المواطن الكادح في مقالات “إبتسم من فضلك”، وهو المضحك المبكي في “إبتسم للدنيا”، وهو رسام الشخصيات والحكاء الماهر في “بنت إسمها مرمر”.. وهو.. وهو..

لم يكن الحظ حليفًا قويًا لمحمد عفيفي فهو لم يلقى من الشهرة والوصول ما يستحق، وحتى يومنا هذا، فيقول عنه الكاتب “خيري شلبي” مثلًا: الكاتب الذي نسيه القوم، وغدرت به ذاكرة التقدير كأنه لم يكن!!
لكنك و رغم ذلك فخلال تتبعك لمسيرته كلها لن تشعر أبدًا بهذا بل أنت أمام كاتبٍ راضي تمامًا عما يؤديه وعما وصل إليه، كاتبٍ يثق في قلمه ويعرف أنه في يومًا ما وفي ساعةً ما سيدين أحدهم قلة شهرته ورواج أعماله!!

أما عن أسباب عدم شهرته فهى بالتأكيد ستختلف حسب وجهات النظر وما ستقرأه الآن هو وجهة نظري التي تحتمل الخطأ..

أولًا: عفيفي لم يعتمد في كتاباته الساخرة على (الإفيه الجاهز) أو السهل البسيط الذي سيجري في تلافيف عقل القاريء بمجرد قراءته له ليُصدر الأخير إشارات الضحك المميت الذي يفرفر على إثره القاريء، لكنه إعتمد وبشكل كبير على (الإفيه الذكي) الذي سيحتاج لوقتٍ وربما حدًا معينًا من الثقافة ليُفهم بشكلٍ كامل.. إعتمد كذلك على التلاعب بالألفاظ وهو إسلوب ومدرسة افتقدناها منذ أن رحل وحتى ظهر العظيم “جلال عامر” ،أدى ذلك بكل تأكيد إلى تضييق دائرة جمهوره المستهدف وفرزها وتصفيتها من حينٍ لآخر..

ثانيًا: عدم سعي عفيفي ذات نفسه للشهرة أو الوصول، كل ما أراده أن يكتب ما يرضيه في هدوءٍ تام، ولولا ظهور (نجيب محفوظ) في حياته ربما لم أكن أنا وكثيرين لنتعرف على عبقرية محمد عفيفي يومًا!

ثالثًا: وهى ظروف الفترة ..فكل فترة زمنية بتاريخ الوطن كانت ولازالت تتطلب نوعًا أدبيًا معينًا يسود الساحة ويلجأ له القراء ،وخلال أربعون عامًا هى مسيرة الكاتب الأدبية كانت الكتابة السياسية هي المسيطرة والرائجة..

*****
أنهى محمد عفيفي مسيرته بكتابٍ ما كان هو بداية تعرفي عليه والتي لم أندم عليها أبدًا.. الكتاب الذي أثبت كذلك أن عفيفي هو أول من أدخل إسلوب ” الدماغ العالية ” للأدب المصري.. ربما هذا هو الوصف الذي يليق به ونبحث عنه على كل حال.. الكاتب ذو الدماغ العالية!
ترك عفيفي كتابه – السالف ذكره – دون أن يختار له إسمٍ حتى ورحل عنا يوم 5 ديسمبر 1981 ميلادية.. ليتولى نجيب محفوظ نشر وعنونة الكتاب بصفته صديقه المقرب، وقد كان “ترانيم في ظل تمارا” !!

*****
ذهبت لمنزلي حاملًا “ترانيم في ظل تمارا” متمنيًا من الله أن يكون كتابًا جيدًا، ويستحق شرف التضحية برواية “ثرثرة فوق النيل” غير عالمًا – لكنني سأعلم فيما بعد – أنه لولا مؤلف “ترانيم في ظل تمارا” ما كانت “ثرثرة فوق النيل” أصلًا، هذا وحيث هو معروف قد إستمد محفوظ أحداثها وشخوصها من مجموعة (العوامة)، التي كونها عفيفي!!
*****
وكما وصفه نجيب محفوظ فقد كانت السخرية جلد الرجل ولحمه، لدرجة أنها لم تفارقه ولم يفارقها حتى في مماته، فيكون خبر نعيه والذي نشر بالصحف الرسمية قد كتبه هو نفسه، فيقول:
«عزيزي القاريء: يؤسفني أن أخطرك بشيء قد يحزنك بعض الشيء وذلك بأنني قد توفيت، وأنا طبعًا لا أكتب هذه الكلمة بعد الوفاة (دي صعبة شوية) وإنما أكتبها قبل ذلك وأوصيت بأن تنشر بعد وفاتي، وذلك لإعتقادي بأن الموت شيء خاص لا يستدعي إزعاج الآخرين بإرسال التلغرافات والتزاحم حول مسجد عمر مكرم حيث تقام عادةً ليالي العزاء. وإذا أحزنتك هذه الكلمات فلا مانع أن تحزن بعض الشيء، ولكن أرجو ألا تحزن كثيرًا »

 

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

تعليق واحد

  1. بداية موفقة، تحياتي إليك يا عمدة

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend