الرئيسية / أخبار عالمية / 7 طرق كي تكون سعيدًا

7 طرق كي تكون سعيدًا

بقلم لوك فيري(*)

ترجمة: لطفي السيد منصور

” أن تكون أحمق، أنانيًا، موفور الصحة: هذه هي الشروط الثلاث المطلوبة كي تكون سعيدًا. لكن إذا فقدت الأول، ضاع كل شيء.

فلوبير رسالة إلى” لويز كوليه” 13 أغسطس 1846

” لو أن العناية الإلهية كانت قد أرادت أن تجعلنا سعداء، لم تكن لتهبنا الذكاء”.

كانت “أسس ميتافيزيقا الأخلاق”

تمهيد

وثائق لتاريخ موجز عن السعادة

يعرف الغرب اليوم تضخما حقيقيا عن فكرة السعادة، تكاثر غير مسبوق في الأعمال ذات الطموحات الفلسفية، التي تستلهم الفلسفات القديمة، البوذية، الطاوية، الرواقية، ومبرهنة بهذه المناسبة باقتباسات من نظريات التنمية الذاتية القادمة من الولايات المتحدة، وبالطريقة الرائعة للتدريب وعلم النفس المسمى”الإيجابي”(*). بأشكال أكثر أو أقل جذابة، تعدنا تلك الكتب بالوصول إلى الرفاهية، السكينة، والسعادة شريطة اللجوء إلى بعض التقنيات الروحية، إلى تمارين الحكمة العملية، سواء البدنية أو العقلية.

 من بين كل هذه الكتب، بعض الكتب أعدت بشكل جيد إلى حد بعيد، وعبر عنها ببراعة من قبل مؤلفين موهوبين بهدف الجذب، بل وجلب شيء من الانشراح لأولئك الذين كان لديهم قلق ومعاناة. ومن ثم، بطبيعة الحال إنهم سيشهدون نجاحًا كبيرًا. فيما يجب التفكير؟ أيتعلق الأمر بظاهرة جديدة وواعدة أو بالأحرى بعملية إعادة تنشيط نوستالجية للمذاهب المتقادمة المكرسة لتجاوز أوجه القصور الواقعية أو الافتراضية في العالم الحديث، الذي نقول عنه طوعًا مادي وغير مبهج؟

للإجابة على هذه الأسئلة، أقترح عليكم بأن نبدأ تأملاتنا بتاريخ موجز عن السعادة، مقاربة تاريخية فلسفية، والتي سوف تقودنا، بداية من هذا الفصل الأول، إلى ما أعتقد بأنه الجوهر، لمعرفة أن فكرة السعادة نفسها تشكل مادة لحوار متناقض، لـ” تعارضية” تضع بشكل جذري أطروحتين قبالة بعضهما.

بالنسبة للبعض، السعادة هي هدف كل حياة إنسانية، بل وحيوانية، والحكمة السامية هي الحصول عليها؛ لا نبحث عن كل السعادة فحسب،” بل كل أولئك الذين سيشنقون أنفسهم”، كما كان يقول بسكال، لكن، بالإضافة لذلك، هذا الخير الأسمى” متاح للجميع شرط أن نكون قادرين على تنفيذ التمارين الذهنية المناسبة. بالنسبة للفريق المقابل، على العكس، بديهي، وبالتأكيد، أن نبحث عن كل السعادة بشدة، لكن هذا البحث ليس سوى وهم، هلوسة. ليست السعادة منيعة فقط على البشر بسبب الطابع المحدود لحيواتنا كبشر فانين، بل أيضًا، لأن رغباتنا متناقضة ومتذبذبة، فهي على أي حال يستحيل تعريفها على نحو مستديم ومُرض.

 نعلم بما فيه الكفاية بشكل واضح ما يجعلنا تعساء، وأقل وضوحًا من ذلك بكثير ما يجعلنا سعداء. بطبيعة الحال، نعرف في حياتنا لحظات سرور، بل شواطئ سكينة، وكما سنرى، من الجيد أن نعمل عليها، لكن الوعد بسعادة مستدامة في حد ذاتها فقط، بفضل تمارين الحكمة والعمل المركز على أناه، ينتمي إلى تخم الدجل الفكري.

 حجج هؤلاء وأولئك

ينبغي علينا أن ندرس بجدية، وموضوعية قدر الإمكان، حجج هؤلاء وأولئك، حتى نصل إلى الموضوعية اللازمة. سأبدأ ببسط ورق  اللعب على الطاولة: دون اتهام فلاسفة السعادة بالدجل، ستجد ميلي بوضوح في هذه المسألة نحو الأطروحة المقابلة أكثر من الأطروحة،  وهذا لسبب جوهري سوف تتناوله الفصول القادمة بقدر الضرورة: كل ما يجعلنا سعداء، الحب، الإعجاب، الحرية، المعرفة، اتساع العقل، السلوك وعناصر أخرى أيضًا سوف نتحدث عنها، وهي أيضًا التي يمكن أن تجعلنا تعساء. كي نطرح منذ البداية مثالًا واضحًا، لم يعد أي شيء مثيرًا للحماس سوى الحب، لم يعد أي شيء محبطًا سوى الحداد على محبوب. هكذا يبدو لي أن الظرف الإنساني نفسه الذي يبدو لي ذاتيًا يكرس لفكرة السعادة شديدة الهشاشة. أكثر من سبب للتفكير في ذلك، من أجل محاولة النظر لذلك بوضوح وعدم تركه للإفساد من قبل الإيديولوجيات الخادعة بوعوودها السهلة، بل والخطرة، لأنها بشكل مفارق، تؤدي لنتائج غير مثمرة. كما يظهر ذلك عدد من الأبحاث الميدانية التي سأقدمها من خلال ما يلي، البحث كثيرًا عن السعادة، يجازف، يعرض لخطر خيبة الأمل، بل الاكتئاب، الوعد العجيب بالمسرة، قد يتحول إلى الطغيان الذي كان يدعوه” بسكال بروكنر” بأناقة” النشوة الدائمة(*)“.

لكن دعونا لا نستبق، ولنبدأ بالفعل بهذا الاستدعاء التاريخي الفلسفي القصير  الذي يبدو لي كذلك ضروريًا أكثر من اعتباره سردا في حد ذاته مثيرًا، كان فقط من أجل نعرف على نحو أكثر دقة ما نتحدث عنه عندما نستدعي فكرة السعادة.

عن اللذة، عن المعاناة، عن السعادة

في معظم الفلسفات القديمة، عند الإبيقوريين كما عند الرواقيين على سبيل المثال، بل كما هو الحال عند أرسطو، في اليهودية، البوذية، الطاوية، تشغل السعادة مكانة مركزية في التفكير حول معنى الوجود. فقط مع ميلاد المسيحية، بل أكثر مع جانبها الكاثوليكي، حيث تفسد الأمور، حيث السعادة على الأقل هنا أدناه، على الأرض إن لم تكن السماء، تصبح ثانوية على نطاق واسع إلى حد ما، حتى لا نقول محل ريبة. وبطبيعة الحال، تبقى هدف الوجود الإنساني، تظل الخير الأسمى وجميعنا يهدف إلى” الحياة السعيدة”، كي نستعيد عنوان إحدى مقالات القديس أوغسطين، لكن قبل أي شيء في العالم الآخر، أو على الأقل فيما يتعلق به، حيث السعادة قد تعثر على مكانها. في الهنا والآن، على أرض الفانين هذه، ليست السعادة التي تفتح سبيلًا إلى المملكة، إنها بالأحرى الشرور المتأصلة في الحياة الأرضية، التي تمنحنا الفرصة للتجهز لذلك، للعثور على طريقنا نحو الخلاص.

اللاهوت المسيحي عن المعاناة: فقط يستطيع الدين أن يجعلنا سعداء من خلال العلاقة الجديدة بالحياة الأخرى، التي يشيدها.

إنه في هذا الروح الذي أنشأته الكنيسة على مدار القرون ثمة لاهوت للمعاناة، فلسفة حقيقية للتعاسة التي توضح الفضائل المحتمل أن تكون المخلصة من البؤس، المذهب الوحيد الذي لايزال حتى اليوم يحافظ عليه كتاب التعليم الرسمي للفاتيكان بكل صلابة. ومن ثم، على سبيل المثال، المقاطع التي يكرسها للفوائد المحتملة للمرض من حيث الوصول للخلاص، وبالتالي أيضًا رفضه القاطع أن يرى الموت الرحيم يختصر معاناة المريض في نهاية الحياة. ينبغي أن نقرأ بعناية الصفحات التي خصصها هذا الكتاب الكنسي لهذه الموضوعات، للعمل، الذي أتذكر أنه لم يكن على مستوى العمل الشعبي، بل وأقل بكثير من مرشد موجه للأطفال، لكنه في الواقع النص الذي يمثل السلطة في مسألة المذهب الكاثوليكي.

نقرأ فيه، على سبيل المثال، هذا، الذي قلناه بالفعل كثيرًا بما فيه الكفاية عن لاهوت المعاناة.

” يمكن أن يؤدي المرض إلى الكرب، إلى الانطواء على الذات، وأحيانًا إلى اليأس وإلى التمرد على الله. كذلك قد يجعل الشخص أكثر  نضجًا، يساعده في أن يميز في حياته ما ليس جوهريًا ليتجه نحو ما هو كذلك. في الغالب، كان المرض سببًا في البحث عن الله، العودة إليه(*).”

في هذه الظروف، ماذا تساوي بضعة أيام أو حتى بضعة شهور أليمة من وجهة نظر إمكانية الولوج إلى مسرة لانهائية لحياة وضحت من خلال النور السرمدي؟

إنه لجنون عملية اختصار معاناة الميت، بينما قد تكون فرصة له ليفهم معنى وجوده، لمشاركة عاطفة المسيح وأن يتحد بالتالي بها، كما تشير  لذلك أيضًا فقرة أخرى من كتاب التعاليم. بآلامه وموته على الصليب، أعطى المسيح معنى جديدًا للمعاناة. يمكنها الآن أن تجعلنا على صورته وأن تجمعنا بألمه المخلص… وهكذا ينبغي أن يتعلم القديس بولس من السيد:” تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل”(2 كورنثوس9.12) “الَّذِي الآنَ أَفْرَحُ فِي آلاَمِي لأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي لأَجْلِ جَسَدِهِ، الَّذِي هُوَ الْكَنِيسَةُ”(كولوسي24.1)

أتت حكمة الشاب الثري لتدعم مديح البؤس بكل أشكاله. فلتتذكروا: يستفسر الشاب من المسيح عما يجب أن يفعله ليدخل المملكة، وبحكمة الرباني التي لديه قبل كل شيء، يجيبه المسيح إنه ينبغي أن يحترم القانون، الوصايا العشر. يتمرد الشاب قليلًا: ولكن نعم، بكل تأكيد يحترم القانون بالفعل، إنه يهودي، ومن ثم الأمر بديهي! لكنه يود فعل المزيد. في هذه الظروف، حاخام الناصرة يقول له أن يبيع ممتلكاته ويوزع أموله على الفقراء. في ذلك الحين، الشاب الحزين تمامًا، يرحل باكيًا، لأنه يشعر بعجزه بانفصاله عن ممتلكاته، بينما يسوع مستديرًا نحو  حوارييه، يطلق الرسالة التي وفقًا لها يكون من الصعب على ثري أن يدخل الجنة إلا بمرور جمل من عين إبرة- استعارة دالة، أحدد ذلك، لأننا نخطئ أحيانًا، ليست إبرة واقعية، لكنه باب المدينة الذي يجب أن ينحني أسفله حتى  يدخل.

حيث يرى المرء أن حد البؤس هو تذكرة الولوج إلى الخلاص والثراء، عائق. حينئذ، فقط المنظور الديني للآخرة، لحياة خارج العالم الأرضي، قد يكون على مستوى السؤال المطروح من خلال البحث عن السعادة. للتغلب على مصاعب الحياة، للخروج على الدوام من الخوف ومن الآلام التي قد تصيبنا في كل لحظة، عشوائيًا، وعلى نحو أعمى، ظالم ولا مبالي، يجب أن نتطلع إلى حياة أخرى ووفق الموضوع المسيحي الشهير” إماتة الموت”. فقط هذا الاعتبار يمسح للبشر بالحب دون خوف ودون تحفظ، دون تفكير دائم في المحتوم والانفصال الأليم الذي ينتظرنا جميعًا. لتحقيق السعادة رغم الموت، موتنا لكن ربما أكثر موت هؤلاء الذين نحبهم،  ينبغي إذًا، كما” دوني مورو”، فيلسوف مسيحي، أظهرها على نحو تام في كتابه الجميل” سُبل الخلاص”، حيث كانت قد اجتمعت أربعة أساب:

الموت ليس النهاية؛

ثمة استمرار للهوية الشخصية بعد الموت؛ هناك عدم تجانس نسبي بين شكل الوجود الذي نعرفه حاليًا والشكل المحدد بعد الموت؛ من المسموح أن نأمل أن يتم هذا التواصل ما بعد الموت في ظروف سعيدة نسبيًا، بل سعيدة للغاية”

بعبارة أخرى، لن نكون بشكل كامل هادئين، مطمئنين، سعداء باستمرار سوى لو تيقنا أن هناك حياة ثانية سوف تستأنف بعد اختفائنا من هنا، حياة سنعثر فيها على هؤلاء الذين احببناهم وأن نبقي حقًا أنفسنا، شخصيات حقيقية، بروحها وجسمها. بطبيعة الحال، يجب أن تكون هذه الحياة الجديدة مختلفة عن الحياة السابقة، لكن وبشكل خاص،  يجب أن تكون سعيدة جدًا، أسعد كثيرًا، لأن الموت لم يعد له مكان والحب كما الحقيقة يسيطران عليها كسادة. هذا هو ما يعد به المسيح هؤلاء الذين يقبلون اتباعه. و من الواضح تمامًا، هذا الوعد بالقيامة الشخصية، جسدًا وروحًا، يقلب بشكل محسوس الموقف الوجودي للمسيحي، ليس في الآخرة، ولكن هنا، والآن:

“إن وجود المؤمن هو وجود يتميز بالإيمان بقيامة المسيح وبالأمل في قيامته الخاصة. لو أن المرء أخذ على محمل الجد، هذا الإيمان وهذا الأمل لن يكونا شيئا ما إلا أن أمكن المرء أن يكون لديه أفكار أخرى بالتوازي، كنوع من زخرف أو تعزية الحياة، لكنهما يحددان الوجود الكامل للمسيحي ويضعانه في علاقة نوعية مع العالم الذي يعدل وجوده في العالم…”

… الهدف الذي يوضح في نظري تمامًا وفي الوقت نفسه القوة العظيمة للغاية، بل وضعف الرسالة المسيحية التي تمس السعادة في الآخرة: لو أن المعانات هنا، إن لم تكن دون أهمية، على الأقل ثانوية بالنظر للوعد بحياة خالدة، ولو يوضع في الاعتبار، في النهاية، إنه بالفعل بعملية موت الموت، تكتسب السعادة المسيحية البعد الذي يجعلها ضعيفة كرهًا في نظر غير المؤمن: بالنسبة للخبر العظيم( الذي يقال باليونانية البشارة- eu-anggelia) خبر قيامة الأشخاص جسمًا وروحًا، يستطيع ليس فقط تهدئتنا، بل يجعل العالم ساحرًا حقًا، فيتيح لنا الولوج إلى السكينة، بل إلى شكل ما من السعادة هنا والآن، ينبغي الاعتقاد في ذلك، الإيمان.


(*) من مواليد 1951 أستاذ سابق للفلسفة والعلوم السياسية، كما تولى وزارة الشباب للتعليم الوطني والبحث، وله العديد من المؤلفات الفلسفية وغيرها.

(*)علم النفس الإيجابي هو الدراسة العلمية للسعادة الإنسانية.

(*)  اسم كتاب لبسكال بروكنر صدر عام 2000 عن دار جراسيه.

(*) كتاب تعاليم الكنيسة الكاثوليكية.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

«إبراهام» قصة لـ «إسلام عشري»

قصة: إسلام عشري ربما ذاك العجوز فضولي كفاية لمعرفة طعم البرقوق بذات يوم عوضا عن …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend