الرئيسية / معلومات تهمك / عمر سامح يكتب: ستالين لا يحب مشروع ليلَى

عمر سامح يكتب: ستالين لا يحب مشروع ليلَى

بقلم: عمر سامح

Omar Sameh
Omar Sameh

الفترة الطويلة التى أمسَك فيها جوزيف ستالين بمقاليد حُكم السُلطة السوفيتية (ستالين ليس اسمه الأصلى، لكن ترجمة له من الجورجية وتعنى “الصُلب” steel)، والتى امتدت من عشرينات إلى خمسينات القرن العشرين، كانت حقبة رُعبٍ دمويةٍ بامتياز – إذ تُظهر الإحصاءات التى أمكنَ التوصل إليها بعد سقوط الستار الحديدى، عن إجمالى ضحايا الستالينية من المدنيين (بعيداً عن ميادين قتال الحرب العظمى لكن بدوافع إثنيّة فى الأغلب) رقماً مفزعاً يتراوح بين ستة وتسعة مليون إنسان – خمسة ملايين منهم أُبيدوا دفعة واحدة فى مجاعة أوكرانيا المُتعمّدَة أوائل الثلاثينات، للسيطرة على موارد القمح.
لكن بالتوزاى مع أهمية أرقام الموت، من المهم إلقاء نظرة مختصرَة على أجواء الحياة.
أجواءُ قمعٍ حديدىٍّ ورقابةٍ شمولية بالطبع، بالتضافر بين الأذرع الأمنية لأجهزة المخابرات والشرطة السرية، وأذرع الأجهزة السياسية المنبثقة من الحزب، أكبرها كان جهاز سيادي إسمه “الجلافليت Glavlit” – مسئوليته حماية أسرار الدولة العليا من التسرّب إلى الرأى العام . هدفُ الأجهزة جميعاً كان واحداً: الحفاظ التام على نقاء وأسطورية النموذج الماركسىّ الأمثَل، النابع من أيديولوجيا الحزب والمتدفّق إلى أسفل ليمثّل كآفة المواطنين من مدنيين وعسكريين. وبمقابل تضخيم النزعة القومية للمواطن، كان تضخيم النزعة المعادية بشراسة لكلّ ما هو غربى.
تطبيقاً لذلك، كان الأشخاص “غير المُخلصين” يُحذفون من الصُوَر العامة، والكتُب “غير الثورية” تختفى، والإصدارات الأدبية تُنقَّى بانتظام من أىّ شبهة معنىً ملتَبِس. كذلك كانت الرقابة على المترجمات بأنواعها وحذف كل ما يمسّ الصورة المُثلَى للجيش والدولة، و على أى انتقال للمعلومات عبر التليفزيون والراديو والمجلات – التى كانت الدولة تديرُها بالكامل، وتخلقُ معارك مصطنعة بين بعضها البعض فى حالة حدوث أى تسريب. وكان من صميم عمل المكتبات العامة أن تمنع الوصول إلى أى إصدارات مر عليها أكثر من ثلاث سنوات، بينما كانت أجهزة التشويش على الإذاعات الخارجية – التى عَملَت بلا انقطاع لمدة ستين عاماً – هى الأقوى فى العالم.
الألوان المختلفة من التعبير الفنىّ، مثل المسرح و الأوبرا و السينما، لم تكُن استثناءً من تلك الحالة، بَل على العكس، إذ حَظِيَت الأفلام تحديداً باهتمامٍ استثنائىٍّ يصَلُ إلى حد الطرافة – ومن ستالين شخصياً. كان يُديرُالصناعة بنَفسِه، ويقدّم “اقتراحات” – ملزمة بالطبع وعقوبة تجاهلها تَصِلُ إلى الإعدام – على ما يجب وجوده أو حذفه من هذا الفيلم أو ذاك، بَل وعلى الأمور التقنية مثل الإضاءة وموقع الكاميرا وزوايا التصوير. لكن لِحُسن حظ المخرجين، كان رغم هوسِه بالأفلام، جاهلاً تماماً بأصول صناعتها، مقتنعاً أن المخرج ما هو إلا عاملٌ يُنفّذ ما يُطلب منه. هذا التحقير إلى حد التجاهل، خدمَ كثيراً من الأفلام وجعلها تمر بهدوء، فأنجاها من الإبادة المعتادة.
فى مجال الحريات العامة، كانت القبضة أكثر قسوة. فنظام الحزب الواحد كان يتحرك فوراً ضد كل بادرة لممارسة أى حقّ مدنى، حتى التى تكفلُها مواد الدستور الأساسى – مثل حق التصويت، حق التملّك، حق الانتقال – والتى ظلَّت حبراً على ورق. فتَحْتً شعار “ديكتاتورية البروليتاريا”، تولّت الشرطة السرية والمحاكمات العامة الصوريّة مهمة التعامل مع أى تحركات سياسية أو اجتماعية، بَل إن النشاط العلمى جرَت ملاحقته بدعاوَى “الترويج لعلوم بورجوازية كاذبة”
الحرية الدينية أيضاً – ممثّلة فى الكنيسة الأورثوذوكسية – جرى سَحقُها ومصادرة أملاكها وإهانة المنتسبين إليها علناً، بَل وإرسال بعضهم إلى معسكرات التعذيب، أو المصحات العقلية، أو ممارسة العقاب النفسى الجماعى. وتم الترويج للأيديولوجيا اللادينية فى الصحف، والمنشورات الرسمية، وفى فصول المدارس أيضاً.
المُلفت، أن درجة القمع نفسها لم تستثنِ أى فئة لها طبيعة مختلفة عن السائد فى المجتمع، حتى فى الناحية المقابلة للدين – كالمثليين. إذ روّجَت بروباجاندا الدولة بدءاً من أوائل الثلاثينات – مع إعادة تفعيل المادة 121 فى قانون العقوبات – أن هذه الظاهرة والمنتمين لها ما هم إلا جزءٌ من مؤامرة خارجية، تحرّكها الأرستقراطية ُالبائدة أو الفاشية المعادِيَة، بغية اختراق المجتمع وإضعاف أخلاقيته الثورية، و ظلّ انكشافًُ هذا الأمر يمثّل تهمة خطيرة تعرّض صاحبها للاختفاء أو التعذيب البدنىّ أو الموت.
لكن رغم كل هذه التنويعات الرهيبة من البطش، لم يعدم المجتمع وسائل للمواربة والمقاومة – فنشأت المكتبات السرية تحت الأرض، وتكوّنَت جماعات الرفض وروابط العمّال المستقلين، وتحايلَ بعض الكتّاب على النظام فاخترعوا لأنفسهم هويّات مزيّفة باعتبارهم أجانب لا مواطنين وأن أعمالَهم مترجمة لا أصلية، وقام السينمائيون بحيلةٍ مشابهة، فكانوا يتعمدون وضع مشاهد تافهة فى أفلامهم بغية جذب أنظار الرقابة فقط وإلهائها بحذف تلك المشاهد، كى يمرّ الفيلم الأصلى، كما أن الفولكلور الشعبى نشط بقوّة كوسيلة تعبيرٍ لا تتمكّن غلظة أدوات النظام من التقاطها.
إلا أن هذه القبضة الحديدية نفسها لم تستمر أكثر من حياة صاحبها، فبعد موت ستالين عام 1953 – مسموماً على الأرجح – سُرعان ما أعلن خروشوف عن خطة الحزب والدولة السوفيتية “للتنقية من الستالينية”، ثم ما هى إلا أربعة عقود حتى انهار الحزب والدولة نفسهما من الداخل، تحت وقع ثِقَل الفساد المستشرى، وتفسّخ العقد الاجتماعى الصالح لمواكبة الزمن، وانسداد الشرايين الحيوية اللازمة للبقاء.
فورَ استعادة مناخ الحريّات النسبىّ، أوقِفَت محطات التشويش على الإذاعات، وبدأت المطبوعات تستعيد بعض حركتها، وفتحَت الكنيسة الأورثوذوكسية – وكذلك كنائس الطوائف الأخرى – أبوابها مرة أخرى.
كما أنه بعد ذلك بعامَين، حين عاد النشاط للحياة النيابية ولإصدار التشريعات، وبعد ستين عاماً من التفعيل، أُلغِيَت المادة 121 من قانون العقوبات.

 

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

جويس منصور وأحمد راسم.. شعراء مصريين ثائرين كتبوا بالفرنسية فذهبوا في سُحُب النسيان

بقلم: محسن البلاسي الظل المحمول حياة فاترةٌ في عين الشائخين مؤلمةٌ في عين الموتى ومحتلـّو …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend