الرئيسية / أخبار / ترجمات  الوسيط.. متى تصل إبداعات العالم إلينا بلغاته الأصلية؟

ترجمات  الوسيط.. متى تصل إبداعات العالم إلينا بلغاته الأصلية؟

تحقيق: سامح فايز

سامح فايز

كثير من إبداعات العالم وصلت إلينا عبر لغات وسيطة، معظم إبداعات أمريكا اللاتينية المكتوبة في اللغة البرتغالية تمت من خلال الإسبانية أو الإنجليزية أو الفرنسية،  كثير من إبداعات اللغات الصينية واليابانية والكورية والفلبينية ولغة الباشتو والهندية وغيرها تمت عبر وسيط. فإلى أي حد تتأثر الترجمات بتعدد اللغات الوسيطة؟ ماذا نفتقد للترجمة عن اللغة الأصلية مباشرة وكيف نتجاوز هذا الوسيط؟، هذه الأسئلة وغيرها عن قضية الترجمة يطرحها معرض أبو ظبي الدولي للكتاب فى دورته الحالية (في الفترة من 26 أبريل – 2 مايو 2017). في الماضي كنا نقبل بمثل هذه الترجمات لعدم وجود مترجمين أكفاء عن اللغات الأخرى، لكن، في ظل انتشار كليات اللغات في الجامعات العربية، هناك سؤال يطرح نفسه عن السبب الذي يجبرنا على الترجمة عن اللغات الوسيطة؟ وفى محاولة لفهم المسألة طرحنا الأسئلة على بعض المختصين.

المترجمة دينا مندور رئيس سلسلة الجوائز الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب توضح أنها لا تفضل إطلاقا الترجمة عبر لغة وسيطة، مضيفة:« أعمل الآن على رسالتي للدكتوراة بجامعة السوربون عن إشكاليات الترجمة ومن أهم المسائل التي ندرسها أن وجهة نظر المترجم  مسألة أصيلة فى الترجمة، وإذا ما تخيلنا الثقافات خلف كل لغة وكل شعب كيف بإمكانها التأثير على اختيارات المترجم اللغوية والمفردات والمصطلحات وطريقة تركيب الجملة؟ مثال: إذا تصورنا أن كتابا ترجم من اللغة الصينية إلى الإنجليزية ثم ترجم إلى العربية، فأى إنجليزية مثلا ترجم عنها؟ الأمريكية أم البريطانية،وإذا كانت البريطانية، فأى مكان تحديدا، فكل لغة من هذه اللغات يتأثر فيها المترجم بثقافته الخاصة،فهو يملك لغته الخاصة، ومحيطة الثقافي الذي يؤثر على إختيارته، بالتالي سيغير فى بعض الأشياء إن لم يكن الكثير من الأشياء من النص الأصلي وحتى ظهوره مترجما فى لغته، ثم يأتي المترجم إلى اللغة العربية  ويحصل على النص الإنجليزي والذي بالفعل دخلت فيه تأثيرات الثقافة البريطانية بشكل مؤكد ثم ينقله إلى الثقافة العربية وإلى اللغة العربية. وتفادي الترجمة عن لغة وسيطة يكون بتشكيل مجموعات عمل من المترجمين المتخصصين فى اللغات المختلفة وفتح أقسام لدراسة اللغات فى الجامعات العربية وزيادة ورش العمل والبعثات وتشجيع لغات أخرى وألا تظل المسألة حكر على اللغات الإنجليزية والفرنسية المسيطرة على سوق المترجمين».

الكاتب والمترجم عبد الرحيم يوسف أوضح أنه لا يحبذ الترجمة عن لغات وسيطة مضيفا:”أتمنى دائما أن أقرأ العمل مترجما من لغته الأصلية مباشرة، حتى في هذه الترجمة عن اللغة الأصلية مباشرة يفقد النص بداهة الكثير من إيقاعه ومحتواه الثقافي الذي يميز اللغة الأم خاصة في الشعر والأعمال الإبداعية، فما بالك عندما يحدث هذا عبر لغة وسيطة.. هنا يصبح الفقد مزدوجا ويصطبغ النص بالكثير من خصائص اللغة الوسيطة التي عمل المترجم الأول على نقل النص إليها. لكن مع ندرة أو انعدام وجود مترجمين عن لغات كثيرة تصبح الترجمة عبر لغات وسيطة شرا لابد منه، وقد قمت بهذا العمل الشرير مرتين حيث ترجمت كتابين عن الإنجليزية كلغة وسيطة وكانت لغة الكتابين الأصلية هي الآيرلندية، وكانت الترجمة بدعم وتشجيع من مؤسسة تبادل الأدب الآيرلندي والناشر الآيرلندي والكُتَّاب الآيرلنديين الذين يرون أن الترجمة عبر لغة وسيطة خير للتعريف بثقافتهم وإنتاجهم من عدم الترجمة على الإطلاق».

وفى محاولة لايجاد وسيلة من أجل تجاوز هذا الوسيط يشير عبد الرحيم يوسف أن الإجابة ربما تبدو سهلة لأول وهلة قائلا:« فتح أقسام لتعليم هذه اللغات ودعم الترجمة عنها، لكن هل هذا فعلا في استطاعتنا؟ هل تستطيع جامعاتنا تحمل تكاليف إنشاء أقسام وتعيين هيئة تدريس أو حتى العثور عليها في وقت قصير سننتظر بعده نتائج غير مضمونة أصلا؟ هل نملك رفاهية هذا في ظرفينا الاقتصادي والثقافي البائسين الحاليين؟ أعتقد أن اللغات الأوروبية مثل البرتغالية أو الآسيوية مثل الصينية أو الهندية تشهد حاليا حركة جيدة من وجود مترجمين عنها مباشرة، لكن ماذا عن بقية اللغات؟ الأمر ليس بلسهل في المدى المنظور في رأيي».

من جانبه يرى المترجم عبد السلام باشا أن تأثر الترجمات بتعدد اللغات الوسيطة نسبي. شارحا:«توجد أمثلة رائعة مثل ترجمات سامي الدروبي عن الفرنسية لأعمال دستويفسكي. وهناك أعمال عن اللغة الأصلية تكون رديئة. لكن، التأثر الأساسي قد يكمن في مستوى اللغة في النص الأصلي. هل اللغة معاصرة؟ أم لغة قديمة؟ هل هي معقدة أم بسيطة؟ هل يستعين المؤلف في النص الأصلي بكلمات وتعبيرات دارجة خاصة بالمكان والشخوص؟ كل هذه عناصر قد تتأثر بالترجمة عبر لغة وسيطة. بالإضافة لمجهود المترجم نفسه ورغبته أو أسلوبه. هل هذا المترجم للغة العربية لديه أسلوب ثابت يستخدمه في كل الترجمات، بغض النظر عن خصائص النص الأصلي؟ وأيضا هناك الاختلافات الثقافية؛ بداية من عناصر الطبيعة التي لا نعرفها (اسم نبات أو طعام) وحتى الإشارات الزمنية والإحالات التي يقوم بها المؤلف. النص في لغة وسيطة قد يحتوي على مسميات خاصة بهذه اللغة، وبالتالي فإن الترجمة تتم لهذه المسميات وليست الأصلية. على سبيل المثال. هناك نوع من البقوليات اسمه في الانجليزية (فول أسود)، لكنه في الحقيقة نوع من (الفاصوليا السمراء). هذه التفصيلة قد تكون بسيطة وغير هامة في تلقي النص. لكنها مؤشر على درجة الاختلاف مع النص الأصلي».

عبد السلام باشا يشير أيضا إلى أننا نفتقد ترجمات عن اللغات الأسيوية بشكل أساسي، رغم وجود مترجمين مميزين في السنوات الأخيرة. موضحا أن هذا مرتبط بإعداد المترجم ودراسته وحبه وشغفه بالترجمة. ومضيفا:«معرفة لغة ما، بل والحصول على دكتوراه فيها وتدريسها في الجامعة ليس معيارًا لترجمة جيدة. فأفضل الترجمات للعربية يقوم بها مترجمون لا يعملون في الجامعات. وأجرؤ على أن أقول أن هذا هو الحال في أوروبا أيضًا. أستاذ اللغة ليس مترجمًا جيدًا بالضرورة. وعن تجاوز اللغات الوسيطة، أولا يجب وجود أشخاص راغبين في العمل بالترجمة، وثانيًا يمكن إنشاء سلسلة أو توفير حوافز للمترجمين، بمقابل مادي أعلى من الترجمة عن اللغات الشائعة. وهناك أيضًا التعاون مع جامعات وهيئات أجنبية راغبة في ترجمة أعمال بلادها».

ميرا أحمد، مترجمة عن اللغة الصينية وباحثة فى الأدب الصينى تشير إلى أن الترجمة عن لغات وسيطة يُثار حولها الكثير من التساؤلات، وفى بعض الأحيان قد تُوقع المترجم فى مأزق حقيقى وتجعله عرضةً للوم الشديد لما فعله فى حق النص الأصلى؛ موضحة:«الترجمة عن لغات وسيطة قد تفقد النص شيئًا من هويته وسماته الخاصة، وتسلبه روحه التى حاول صاحب النص جاهدًا أن يضيفها ليصل به إلى نقطة من التفرد لا ينازعه بها أحد، وقد تنتقص من قدرات صاحب النص الأصلى الإبداعية، ولا تُظهر براعته الأسلوبية على نحو جيد، فهى ترجمة تأخذ من النص أكثر مما تضيف إليه، وهنا يكون المترجم قد وقع فى المحظور، لأنه بمثل هذه الترجمة الناقصة يكون قد أخل بأول ميثاق من مواثيق الترجمة؛ وهى ألا ينتقص المترجم من النص الأصلى قدر المستطاع، ويحافظ على بنيته السردية والبلاغية. وربما تُعلق المشانق للمترجم الذى ترجم عملًا عن لغة وسيطة، إذ عقبتها ترجمة لذات العمل عن اللغة الأصلية، فتبدأ المقارنات الجادة وتوجه الانتقادات الحادة، وهنا تظهر أوجه القصور جليًا فى الترجمة الأولى، وحينها فقط  ندرك أنه لا غنى عن الترجمات عن اللغات الأصلية».

ورغم ما أوضحته ميرا أحمد إلى أنها مع ذلك  لا ترفض الترجمات عن اللغات الوسيطة، شارحة:«هناك بعض الآداب التى لم يتعرف عليها القراء فى العالم العربى إلا من خلال الترجمات عن لغات وسيطة مثل الأدب الأسبانى والأدب الروسى، ومع ازدهار حركة الترجمة فى العالم العربى ظهرت الترجمات لهذه اللغات عن لغاتها الأصلية، لكن لا أحد يستطيع أن ينكر فضل هؤلاء المترجمين العظماء الذين أزاحوا الستار منذ عهد مبكر عن كنوز أدبية ومجاهل ثقافية شتى، فى وقت قد تعذر وجود مترجمين جيدين ينقلون عن اللغة الأصلية.. والتساؤل هنا، هل من حق أى مترجم أن ينقل أعمالًا عن لغة وسيطة بحجة خدمة البشرية؟ بل ينبغى أن يسبق التساؤل تساؤل آخرقبل هذا التساؤل: هل من حق أى مترجم طالما أنه يجيد اللغة، حتى وإن كانت إجادة تامة، أن يتصدى لترجمة الأعمال الأدبية؟»

أما عن الترجمة عن اللغة الصينية، تقول:«حتى الآن لم يزح الستار كاملًا عن كنوز الأدب الصينى بدءًا من الكلاسيكيات حتى أدب ما بعد فترة التسعينيات، فلم تُكشف كل أسرار هذا العالم الأدبى الخاص، وما زال هناك الكثير والكثير الذى ينبغى أن يقدم للقارئ العربى ليسبر أغوار هذه المغارة الثقافية والأدبية التى لا تنضب أبدًا. ومن أحد الأسباب الهامة التى تجعلنا لا نزال نقف على أعتاب هذا العالم الغامض، هو ندرة المترجمين الجيدين عن اللغة الصينية مباشرة الذين يؤمنون برسالة الترجمة الحقيقية، ويحملون على عاتقهم مسئولية تقديم الأدب الصينى بصورة لائقة فى عيون القراء العرب، تُخلد أسمائهم ومعهم يُخلدون أسماء الأدباء الصينين، مثلما فعل المترجم القدير الدكتور محسن فرجانى أهم مترجم عن اللغة الصينية فى العالم العربى، بتقديمه لكنوز من كلاسيكيات الأدب الصينى التى ستظل محفورة فى وجدان الشعوب. فإذا توافرت القدرات الإبداعية الحقيقية ذات الكفاءات القادرة على تقديم أعمال مترجمة أدبية عالية المستوى، وتلقت الدعم الكافى من المؤسسات الحكومية المعنية بشئون الترجمة، ولا مانع من تضافر الجهود مع المؤسسات الخاصة بشرط أن تكون مؤسسات جادة معلنة الهوية، لا تهدف الربح المادى على حساب ما تقدمه من أعمال، ولا تسعى وراء احتكار السوق، وتخضع للجنة جودة تختص بتقييم الأعمال ومراجعتها من الناحية اللغوية بعد صدورها، حينها ستحدث نقلة نوعية، بل نقلة إنسانية فى حركة الترجمة عن اللغة الصينية فى مصر والعالم العربى بأسره».

المترجم عن الألمانية محمد رمضان حسين يرى أن الترجمة عن الأصل تتضمن بطبيعتها شيئًا من التأويل والتفسير، والحذف والإضافة وأحيانا سوء الفهم، لذا فمن المنطقي تضاعف كل هذا عند الترجمة عن ترجمة، مضيفا:«المترجم هنا سيضيف شخصَا جديدًا إلى قائمة المتفاوض معهم الذين أشار إليهم أمبرتو إيكو وهم؛ شبح مؤلف غير موجود في أغلب الأحيان، والحضور المهيمن للنص المصدر، وصورة لا تزال غير محددة للقارئ الذي يترجم له، وأحياناً مع الناشر.

وطوال فترة عملي في الترجمة عن الألمانية منذ تخرجي قبل عشر سنوات لم أستخدمها كلغة وسيطة سوى مرة واحدة لكي أترجم عمل أصله مكتوبًا باللاتيفية وهي لغة قليلة ونادرة ومع ذلك كنت أتواصل مع مؤلفته التي تجيد الألمانية وتكتب بها وقامت بمراجعة النسخة الألمانية بأكملها ومع كل ذلك أحتاجت النسخة العربية للعديد من الهوامش التفسيرية للمزيد من التوضيح».

وفى محاولة لتجاوز هذا الوسيط يقول:«جزء كبير من مشكلة الترجمة عبر لغة وسيطة يحدث بسبب الناشرين أنفسهم، فمع كمية الدارسين الحاليين للغات كانت تعد قليلة سابقًا لا يوجد مبرر للتمسك باستمرار استخدام الانجليزية كلغة وسيطة سوى قلة التكلفة المادية، كذلك عدم استثمار المؤسسات الحكومية المعنية بحركة الترجمة في رفع قدرات شباب المترجمين يجعل آخر ما يفكر فيه خريج أحد الكليات المتخصصة في الترجمة هو العمل بالترجمة».

 

نقلا عن المركز الإعلامي لمعرض أبو ظبي الدولي للكتاب دورة 2017

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

صدر حديثا.. «ذكريات هند رستم» لـ أيمن الحكيم عن دار «الكرمة»

صدر حديثا عن دار الكرمة “ذكريات” «ملكة الإغراء» هند رستم والتي تنشر لأول مرة في …

Send this to a friend