أخبارمسابقات وجوائز

منى الشيمي الفائزة بجائزة كتارا: الكتابة تمثل لى حربا صامتة ضد تجاهل المجتمع

يعيد موقع «كتب وكتاب» نشر حوار سامح فايز مع الأديبة منى الشمي بمناسبة فوزها بجائزة كتارا فرع الرواية غير المنشورة.. والحوار نشر بجريدة القاهرة عام 2015 بمناسبة ترشح روايتها بحجم حبة عنب للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية «بوكر»

 

الجمعة 16 يناير

الساعة الواحدة ظهرا

الغردقة/ محافظة البحر الأحمر

قرأت عن الجبال، لكن بالطبع الرؤيا تختلف، على مدار 4 ساعات قطع بنا الميكروباص الطريق، تخلله ساعة تقريبا بين صفين من الجبال فى المسافة من محافظة قنا الى الغردقة، أعرف أن حضور الناس إلى هذا المكان سببه مشاهدة البحر، لكن سؤالا دار بذهنى، لماذا لا تكون الجبال هى المقصد؟ ربما كان ذلك المنظر الذى لن تجده إلا فى محافظات قليلة جدا فى مصر هو السبب فى أن تكتب منى الشيمى روايتها «بحجم حبة عنب».

فى نجع حمادى كان مولدها بمحافظة قنا، نعرف أن المرأة فى الوطن العربى عامة وضعها حرج، وفى مدن الصعيد لا حديث من الأصل عن وضع يذكر. فحين نتحدث عن امرأة ولدت فى قنا ثم قررت أن تخوض غمار رحلة الكتابة لتصل إلى المنافسة على الجائزة العالمية للرواية العربية البوكر فإن المسألة فى ذلك الوقت تحتاج منا لحظة تأمل.

قصة حب نشأت فى الجامعة لم تكتمل، لأن والدة الحبيب رأتها فتاة متحررة أكثر من اللازم لفتاة جنوبية، ورحلة زواج كانت محاولة لمداواة الجرح لكنه لم يندمل، لأن الزوج هو أيضا كان مشغولا بقلب آخر لم يستطع الفوز به، فكان زواجهما صورة أمام المجتمع، يخفيان خلفها شوقا ألم بكليهما. وبعد سنوات من السبات المجتمعى جاءتها الاجابة فى الحروف. حين سألتها عن لحظة الكتابة تذكرت شخصا شجعها على التقدم لوظيفة بالقناة الثامنة المصرية، والتى كانت تبحت عن معد لحلقات أحد برامجها، فى تلك اللحظة تحركت الشيمى من سبات الكرسى الذى تجلس عليه، والذي لا تختلف حياتها كامرأة تعيش فى جنوب مصر عنه.

لما راودتها تلك اللحظة ونحن نتحدث ابتسمت فقالت: «وأنا بكتب أفكار البرامج حسيت إنى بعمل حاجة تسعدنى».

تجربة العمل معدة فى التليفزيون لم تكتمل، لكن رحلتها مع الكتابة قد بدأت، فاتجهت لكتابة القصة القصيرة، وبعد نصيحة من الأصدقاء بدأت فى ارسال خطاباتها إلى صحف القاهرة محملة بما كتبته، ثم قرأت أعمالها منشورة، ثم هاتفها المعارف والأهل فى نجع حمادى معبرين عن دهشتهم طارحين سؤالا مهما: «إنت اللى بتكتبى القصص دي؟». ردها بكلمة «أيوة أنا» كان اللحظة الأولى منذ سنوات طويلة التى تشعر فيها أنها أصبحت ذات كيان، يستحق أن تسبق تعريفه بكلمة أنا، ولما سألها زوجها ردت بنفس الرد: «أيوة أنا». كلمتان من سبعة حروف، لكن الحروف كانت تخرج من شفتيها مبتسمة، «أيوة أنا».

كنا نجلس على البحر فى مكان منعزل تفضل أن تأتيه بعيدا عن الناس، صمتت قليلا ثم قالت بعفوية من يعرف الاجابة مسبقا: «الكتابة بالنسبة ليا كانت حرب صامتة، لأن بها كنت بنتقم من كل اللى تجاهلونى، الست فى الصعيد مهمشة، فكون انى اسمى يطلع فى الجرنال دى حاجة ليها صدى عندنا».

عادت للصمت مرة أخرى ثم ابتسمت وهى تتذكر جارها فى النجع والذى لا يعرف عن الصحف سوى أنها تسرد مشاكل الناس، تذكرته وهو يصرخ بها فى الشارع قائلا: «ياست منى، اكتبلنا فى الجرنال عن مشكلة المجاري».

لكن فى الخلفية كان صحفيا من قنا يتعجب ذلك الصعود لفتاة يقولون أنها تكتب كتابة جميلة، لأن المرأة فى الصعيد لا يجب أن تفعل شيئا سوى الجلوس تحت قدمى الرجل، فقرر الصحفى الجنوبى أن يكتب مقالا نشر على صفحات جريدة القاهرة منذ سنوات، سأل فيه سؤالا حمل خبثا حين سأل، لماذا تنشر الصحف قصصا لفتاة؟ كأن الفتاة لا يحق لها أن تبدع، وإن أبدعت فمن المؤكد هناك مقابل، المقال طال كل كاتبات قنا فى تلك الفترة، فتوقفن جميعا عن الكتابة بضغوط من الأهل، وتوقفت منى الشيمى أيضا، لكنه توقف لم يطل، عادت لتبحث عن نفسها من جديد، ضاربة بعرض الحائط أضغاث أحلام رجال الجنوب.

لكنها رغم ذلك لا تخجل تعبر عن حبها إلى قنا، فتقول عن أرضها: «فيه حاجة كده بتخص قنا، أرض قنا صلبة، حتى إن نهر النيل التف حولها ومقدرش ينحتها نهائيا، وناسها كده فى منتها الصلابة».

ربما كانت رؤيتها عن قنا فى نظر البعض مجرد كلمات، لكن حروفها صدقها ما حدث مع زوجها ووليدها ذى السبعة عشرة ربيعا. إذ مرض الاب بالكبد، وأصاب الابن سرطانا فى الدماغ، فكانت صلبة تداويهم، دون أن تسقط على مدار سنوات، تحكى عن تلك الفترة قائلة: «كنت أنزل من شقتى فى الدور الرابع مسندة جوزى على كتفى أروح بيه المستشفى عشان العلاج، أرجع بيه وبعد دقايق أنزل بابنى هو كمان، كنت لما بعدى فى الشارع كانت الناس بتقف، محدش كان يقدر يقعد وأنا ماشية، الكل مستغرب، لكن محدش فكر مرة يمد إيده ويساعد».

بعد وفاة الابن لحقه الأب سريعا، فتركت الشيمى محافظة قنا فى زيارة لأخيها فى مدينة الغردقة منذ عامين، وطالت الزيارة ومن ساعتها لم ترجع، حتى ملابسها تركتها، لا تود أن تتذكر ما كان، لكنها كتبته فى روايتها «بحجم حبة عنب» التى استوحت قصتها من جزء صغير من رحلتها الطويلة مع الوجع.

 

 نقلا عن العدد الورقي لجريدة القاهرة رقم 761 الثلاثاء 20 يناير  2015

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى