التخطي إلى شريط الأدوات
إبداعروايةمشاركات أدبية

رواية «نهاية الأيام» الحلقة الـ «7»

بقلم: أكرم إمام

رواية «نهاية الأيام»

الحلقة السابعة

“المخبول وأنا”

 

(11)

 

أكرم إمام

قنا الحبيبة.. هي حبيبة رغم أنفي. سأقضي فيها يوم أو اثنين أو أكثر، لا أعرف. فلنفترض إذا أنها حبيبة لتمر الأيام. “عبد المستجير” أراه الان بشخصيته التي توقعتها. النوم أعاده لطبيعته. صعيدي أصيل في منتصف الثلاثينات.. ظننته في الأربعين من عمره أول مرة رأيته.

قادنا بترحاب في ثلاث عربات قديمة؛ حتى وصلنا قريته. “عبد المنعم” أمسك بيدي.. آه والله. ابتسم وهو يفعلها، إبتسامة تخلط الكثير من الأسف والوعد بالتعويض.

عرفت معني بيوت العائلة هنا. بيت من طابقين، وساحة واسعة. سمعت أصوات صراخ تستقبل العائد المختفي هو الآخر. ظنوا أن عائلة “سليمان الكواركي” قتلوه لأجل الثأر على الأغلب!. رأيته يحتضن شقيقه، ويخبره عن أمور في مصر كان يجب أن يقضيها بأسرع وقت.

أنا وعبده استقبلتنا غرفة علوية بسيطة ومرتبة. النافذة الواسعة تستحق أن تأتي لقنا لترى ما تطل عليه. لا أمزح.. الحقول الخضراء على مدى بصرك، تنافس البحر الأزرق هنا.

على مائدة بإتساع بهو المدخل، جلسنا نلتهم العشاء. أو “هم” يلتهمون إن اشأت الدقة. مشهد آخر جدير بأن تلتقط له صورة بهاتفك، لو أن هذا يليق. سأظل أبتز زوجي بها طول العمر.. إن كتب لنا الله واحدا.

الأمور طبيعية، وتتجه نحو تصحيح المسار أليس كذلك؟!. هذا ما نظنه، حين تهدأ الأشياء حولنا.. فقط لتلتقط أنفاسها لتدبر لنا مفاجأة جديدة على سبيل التغيير. حتى قررت موعد المصيبة الجديدة.. كانت التاسعة تحديدا، حين قفزت الى النافذة على أصوات جمهرة بالاسفل. خمسون شخصا أتوا من البيوت المجاورة، وخمن ماذا!.. يقف “عبد المستجير” وزوجي الرائع ليخطبا فيهم.. إسمع ماذا قالا لعل هذا يخفف من توتر يومك!:

– “المصير آتي.. لا فرار. إنهم يستعدون كما يجب أن نستعد. المنفيون إلى أسفل الأرض. إلى الهاوية محكومة الاغلاق بمفتاح السماء. ستفتح بوابتهم قريبا، سنواجه جيوشهم. فقط  بعد أيام قصيرة من علامة السماء”.

هذه قالها “عبد المستجير” كمقدمة.. هو صاحب المكان ويجب أن يبدأ الندوة. هذه هي أصول اللياقة. قالها وأفسح لـ”عبد المنعم”:

– “أعرف أن جميعكم يسأل متى علامة السماء. نحن في أول نوفمبر.. أسبوعين فقط وسيبدأ كل شيء.. لتبدأ نهاية كل شيء”.

يلوح بيده في حماس؟.. اللعنة أين الهاتف لألتقط هذه هي الأخرى!. يوسف بك وهبي يقف على المسرح. الفتي لم يخبرني عن إنضمامه لفرقة المسرح بالكلية!. إسمع هذه أيضا:

– “خزنوا الغلال.. ثلث الأشجار سيحترق. كل عشب أخضر سيحترق. خزنوا طعام اولادكم، فالايام بها ضيقة كأن لم تفعل من قبل”.

غلال؟!. من أين حتى أتى بالكلمة!. مسلسل تاريخي هو!. أصور المشهد بكاميرا الهاتف الان.. وبالفيديو. فضيحة بجلاجل لو أن كل هذا هراء. أو قل دليل قوي أمام قاضي سيحكم لي بالخلع من مخبول.

***

اذا بقي إسبوعان لأتحقق من أمور كثيرة.

بطبعي متشككة لأبعد حد. إرتباطي بزوج شاب لأقل من أسبوع لا يعني أن اصدق ما يقوله من هراء، حتى لو أتى بكل حماس الأرض وهو يخبرني به. أحداث المرحاض فقط تبقى في عقلي على ركن خاص. تُبقي قلبي يؤمن بما قاله. فقط القلب لا العقل!.

البرد هنا قاس.. كنت أُخرج مع أمي ألحفة الشتاء من تحت المراتب في نهاية نوفمبر. على سبيل الاحتياط. هنا فلتعتبر نفسك في ديسمبر أو يناير. الليلة الأولى التي نقضيها هنا. “عبد المنعم”؟ لا أعرف أين بات ليلته. فقط تلحفت بغطاء صوفي خشن –عملي بالمناسبة هم يفهمون هذا- حتى الصباح. رأيته يفرغ الحقائب في هدوء.

– صباح الخير.

– صباح الخير.. أيقظتك؟. آسف حقا!.

دعنا من الأسف، لن نفتح بابه الان. ترك ما يفعله، وأمسك بصينيه اختفظ بها في ركن الحجرة. أتي بها للفراش.

– إفطارك.

– لا اريد.

جلس على الفراش، ويبتسم:

– تتدللين.

– حقي.

خفض رأسه:

– لكِ عندي ألف حق يا “فريدة”.

بادلته الابتسام، وانا أرفع غطاء الصينية القماشي:

– لا يهم أن تفعل.. يهمني فقط انك تعرف.

اكتفي بهز الرأس.. قلت له:

– فطرت انت؟.

– سبقتك مع.. مع….

يعرف أنها قلة ذوق طبعا. الفتي لا يزال يرتبط بالصحبة كأنه لم يتزوج!.

– لا بأس.

خمس ثوان أخرى، وكان يمد يده معي الى الاطباق. معدته لا تزال تطالب بطعام حرم منه لوقت طويل. أطعمه في فمه؟.. هو لا يحتاج يا عزيزي، هو “عبد العال” الان وليس “عبد المنعم”.. سيبدو لبقا ويُبقى لـ”سكينة” بعض البيض في الصحفة.

انتهينا، وأشار الى الحقائب:

– سأتركها لكِ لتفرغيها.

– آه طبعا!.

ثبت نظرته إلى عيني لبعض الوقت. هو يريد أن يقول شيئا.

– سنذهب إلى قرية مجاورة.

– من سيذهب بالتحديد؟.

– أنا و”عبد المستجير” وبعض الفتيان هنا، انضموا لنا.

– ما شاء الله.. كونت عصابة.

ابتسم وهو يتزحزح ناحية الباب، هربا:

– الوقت ينفذ يا “فريدة”.

قالها وأغلق الباب خلفه.. واغلق معه جدارا كان يمنع البكاء. دمعة فرت من المقلتين. أسمعه يعود ليفتح الباب.. ماذا يريد الان!. لم ارفع رأسي له، حتى لا يرى الدمع. فقط سمعته يهمس:

– بالمناسبة.. أحبك.

قالها وأغلقه ثانية.

***

 

nehaya elayam

 

الوسوم
اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق