الرئيسية / مقالات / عمر سامح يكتب: فى مديح الصعوبة

عمر سامح يكتب: فى مديح الصعوبة

بقلم: عمر سامح

Omar Sameh
Omar Sameh

منذ أن صدرَت رواية “عوليس” ULYSSES  كاملة لأول مرة فى باريس – يوم 22 فبراير 1922 – عيد ميلاد جيمس جويس الأربعين، و حداثّيتُها غير المسبوقة تضعُها فى مكانٍ متقدم فى بهو الأعمدة الرئيسى لساحة الإبداع الأدبى العالَمِىّ برمّته.  ليس حداثيّتُها فقط – لكن صعوبتها البالغة أيضاً، لدرجة أن مقولة شهيرة راجَت أن حياة كاملة لإنسان، أقصر من أن تتسع لقراءة عوليس. و هى صعوبة لم تُترَك لاستنتاج النقّاد والقراء فقط –لكن عبّرَ عنها المؤلف نفسه لاحقاً – بإفصاحٍ هامٍ فى دلالته ونادرٍ فى وضوحِه:”لقد وضعتُ فى عوليس كَمّاً من الألغاز والأحاجى يكفى لإشغال أساتذة الأدب قروناً طويلة فى الجدل حول ما أعنيه، وهذه هى الطريقة الوحيدة لضمان خلود” وقبل ذلك بأكثر من مائة عام، فى بدايات القرن التاسع عشر، وفى مجالٍ إبداعىٍ آخَر هو الموسيقى الكلاسيكية، عبّر لودفيج فان بيتهوفن – أحد أساطين الخلود الإنسانى – عن ذات الفِكرة .حين ظهرت سيمفونيته الثالثة – المعروفة “بالبطوليّة” إلى الوجود، أظهرَ المحيطون اندهاشهم – بل بلغ رد فعل بعضهم حدّ الاستياء – من كَمّ التعقيد والتجريب “والإزعاج” فيما يسمعون، والذى وصل – فى رأيهم- إلى درجة الخرق غير المألوف وغَير المقبول لما هو سائد فى الكتابة الموسيقية وتوزيع الآلات منذ قرون. جاء رد الشاب المتمرّد عليهم – الذى بالكاد خطا عامَين بعد الثلاثين – مستفزّاً وواضحاً ومختصراً: ” الصعوبة هى الجَمَال” ربطٌ غَيرُ مباشرٍ بين الصعوبة والخلود – صار مباشراً بعد ذلك بقَرن، حين عبّر عنه جُويس. هو ربطٌ يدفعُنا لتأملٍ يتجاوز إطار الفنّ والأدب، إلى تأمُّلِ جَوهِر إشكال الإنسان، العالِق منذ لحظةِ وجودِه بين استحالتَين وأربع صعوبات:استحالة اختيار القدوم إلى الحياة، واستحالة البقاء فيها. وصعوبة إدراك الأمر الأول، والتصالح مع الأمر الثانى. ثم صعوبة السَّيِرِ فى متاهة الحياة فى حد ذاتها  ناهيك عن السَّير فى متاهة العقل – التى لا يُعبّر عنها أفضَلَ من سؤال توماس بينشون، الحادّ كنصل خِنجَر: “لماذا على الأشياء أن تكونَ سهلةَ الفهم؟ “حِملٌ أثْقَلَ كاهل الإنسان من الأزَل وسيظلّ يُثقلُهُ إلى الأبَد، وظلّ هاجسُ التعامل معه (أو الاستسلام له) حاضراً خلال رحلة ذلك الإنسان الطويلة، من عهود الأساطير ونشأة الأديان إلى تطوّر الفلسفات والعلوم والفنون. ضمن التجليات التى لا تُحصَى لهذا التحدّى الهائل والسعى العنيد، يبدو أن قاعدة “لا يفلّ الحديد إلا الحديد” هى التى حقّقَت أكبر نجاحٍ نسبِىّ  فى تحقيق قدرٍ من الاتزان بين الإنسان والحياة، ورغبته الدفينة الجامحة للتحرر – أو على الأقل فى رد الصفعة: خلود الصعوبة، مقابل صعوبة الخلود. استحالة مَحو الأثَر، مقابل استحالة بقاء صاحِبِه. وهذا ما قصدَه بيتهوفن وجويس وما فعلاه. وما عبّر عنه إنتاج الأدباء الحداثيين الكِبار بشكل عام –ومُعاصرِى جُويس الآخرَين زمنياً وأدبياً  بشكل خاص: مارسيل بروست وفرانز كافكا. أدبنا العربىُّ قديماً وحديثاً، عامرٌ هو أيضاً بتلك التجليات. أتذكّر أننى قرأتُ مؤخراً مجموعة قصصية لإدوار الخرّاط اسمها “اختناقات العشق والصباح”، كُتِبَت قصصها الخمس أواخر السبعينات وصدرت طبعتها الأولى عام 1992. بدَت لى القِصَص صعبة للغاية: غامضة المحتوى  حداثية المستوَى بحيث أننى أصبت بقدر من الإحباط، لم ينقذنى منه – مؤقتاً – إلا اكتشاف  دراسة ل سيزا قاسم  فى نفس الكتاب بعنوان “بُويطيقا العمل المفتوح” – ثم الاكتشاف التالى الأهم – أن  كلام الدراسة المفسّرة للكتابة عن “الكينونة والصيرورة والعلاقات الاستبدالية والاستدعائية ” – أكثر تعقيداً وإلغازاً من الكتابة نفسها بكثير. أذكرُ أيضاً أننى حين قرأت “تُرجمان الأشواق”، نفذَت رقّة وعذوبة المعانى وبراعةُ وبلاغةُ التصوير فى شِعر الشَّيْخ الأكبر إلى قلبى مباشرة، مثل قَولِه “فـقــلــتُ لهــا: بـَلِّـغ إلَـيـْـه بأنَّـــه.. هُـو المُوقِـدُ النارَ التى داخلَ القَلبِفإنْ كانَ إطفــاءٌ، فَوصـلٌ مُخلّـدٌّ.. وإنْ كانَ إحراقٌ، فلا ذَنْبَ للصَبِّ”لكنى حين هبطتُ بنظرى إلى هامش الصفحة التى تحوى التفسير الصوفىّ لهذين البيتين، ووجدتُه يتحدث عن “حجْب سُلطان سطوات السرور واليقين لبقاء العَيْن حتى يكون الوصلُ دائماً” – عرفتُ مقامى فوراً . واعترفتُ لنفسى وقتَهَا – وأعترفُ للقارىء الآن –أننى لم أفهم حرفاً واحداً من هذا التفسير- ولا أى تفسيرٍ لأى بيتٍ فى الكتاب بالكامل. لكن  الفرق الذى لاحظتُه عن قراءة الخرّاط، أننى لم أشعر بالإحباط من نفسى، ولا باليأس أمام استكمال شِعر ابن عربى  أو العجز عن الاستمتاع بجمالياته. ربما لأنى انتبهتُ وقتها لا إلى ماهية الصعوبة فقط، أو الاعتراف بها،  لكن إلى أسلوب التعامل معها. اكتشفتُ أن خَير ما يمكن عمله إزاء صعوبة إبداع الإنسان (الذى يتحدى به الحياة)، هو القناعة بالوقوف إزاءَه وتأمّل تجليّات سماواته المفتوحة (أو بحوره العميقة) –  لا اشتراط الوصول إليها أو لمسها. وإن كان لابد من ذلك، يكون التحليق تجاهها (أو الغوص فيها) بالروح لا بالعقل. بينما اكتشفتُ أن خير ما يمكن عمله إزاء صعوبة الحياة (التى تسحق الإنسان)، هو العكس من ذلك. لأنه إن كانت محاولة تفسير الأشياء الجميلة بمنطقيّة العقلِ، تقتلُ تلك الأشياء فإن محاولة اقتحام الأهوال الرهيبة برهافة الروح، تقتلُ هذه الروح. فإذا كنا نريدُ الدخول والخروج سالِمين من حقلِ ألغامِ الصعوبة – بلا عقلٍ قاتلٍ ولا روحٍ مقتولة –  لا مفرّ لدينا من اللجوء إلى أمرٍ حتمىٍّ آخَر – أكثر صعوبة للأسف! الاتزان كلاعِبِى الأكروبات على الحبل الرفيع المعلٌّقِ فى الهواء، حاملين العقل فى كفٍّ والقلبَ فى الآخر، محاولين أن نَصِل بِهِما من ناحية صالة السيرك الغارقة فى الظلام و المحتشدة بالجمهور المترقّب الناظر إلينا نحن الواقعين إجبارياً تحت الضوء، إلى الناحية الأُخرَى، دون أن يسقط العقل، أو ينهار القلب، أو نتهاوَىَ نحنُ!

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend