الرئيسية / إبداع / «عن المرأة الأولى».. قصة محمود السعيد

«عن المرأة الأولى».. قصة محمود السعيد

بقلم: محمود السعيد

28-6-2017

عن المرأة الأولى ..

رنّ هاتفه،
استيقظ فجأةَ.. حاوّل تذكر أين هو بالتحديد، و حين أجال نظره في الغرفة الفندقيّة المُعتبرّة، الهادئة جداً الأقرب للصامِتة، كبقعة مُنعزلة عن العالم، لم يكن سوى هفيف التكييف المركزيّ من أكد له أنه لم يفقد السمع بعد.. غرفة مهندمّة، وباضاءة خفيفة لشمسِ بدأت تتسرّب خِلال النوافذِ الزجاجيّة رويداً رويداً.. لم يكن هُناك أثراٌ لما تحاول الذاكِرة استدعائه عن الأمسّ، لكن حينما استيقظت حواسه.. كانت رهافةِ عِطرها، أو ما تبقى مِنه على أغطيّة الفِراش، يحاول جاهداً اختراق النوّم في جسدِه واستدعاء روحه التائهة بعد.. جاء صوتها في أذنِيه (مويّ حبيبي.. عطشانّة)، كان ذلك في منتصف الليّل، حينما كان يتشاركان دفء جسديّهما ما بين اليقظة و النوم، و لشدّ ما أعجبته اللهجة الغريبة عنه.. كان يودُ لو يحضرُ لها ماءاً من جنّة الله .

لم يجدها.

وعلى هاتِفه، كانت “مُلاحظة” في تطبيق “التدوينات اليوميّة” الخاص بِه، تقول (تذكرنيّ).

كانت شوارع مِصر الجديدة في صباحِ يوم سبتِ، مليئة بالضوضاء المُعتادة.. شوارع نظيفة أكثر مما ينبغي لأن تكون قاهريّة، حدث نفسه. وقررّ أن يسير كثيراً كعادته. تلمّس أوراق الأشجار القديمة كلما مرّ بواحدِة، اصطدم بمارِ أو اثتنين على سبيل الخطأ المقصود، عبر شارعِ لسيارات سريعة، صاحت أبواقِها به كأنما هو من أحل اللعنة بالمدينة.. اقتنى علبة سجائِر من كُشكِ صغير على الناصيّة..
أمسك بسيجارة،
وأشعلها..
وسمّاها، باسمها..

30-6-2017

تجلسُ على العشب، مُتجردة بسيطة، بعينان مليئتان بشغف الحياة: كأنها راقِصة لاتينيّة.. ومن حولهما كان ارهاق سوء التغذيّة: خطوط دائريّة متدرجة السوّاد على بشرتها الأفريقيّة الناصِعة، تنظر بعينين واسعتين حالمتين بنصف ابتسامة للشمس الخفيفة التي يتراقص ضوءها على عبائتِها الملوّنة المبهرجّة، كأنما هى احتفاليّة بالحياة.

يسير بلا هدى، كعادته، يفكر بأن القاهِرة جدّ رماديّة.. ربما بِفعل الغبار أو العوادم، و أن لا شيء يلمع فيها سوى الأسفلّت. ألوان القاهِرة ليست فقط بالشاحِبة، لكن مريضة حقاً. ينظر للسماء مليّاً.. وكأنما يستنقذ روحِه بزرقتها الخفيفّة.

يصطدمان،

“المفوضية العامة لشئون اللاجئين”

وليس هناك أكثر من تلاقيّ عينين، ربما لخمسة عشر ثانيّة أو يزيد. تبتسم.. ليرتبك، و كأنما سقط على رأسه عالمُ آخر. يبتسم. يسير بعيداً متباطئاً.. ثم يجلس هناك على كرسيّ متهالك للمارّة.

ليس باعجاب رجل بامرأة، يفكر. كانت زهرّة شديدة التورّد في مدينته الرماديّة، زهرة نادِرة.. وجود مغايّر.. امرأة ليست بالقاهريّة، أي امرأة ليست عابسةَ و لا خائفةَ. امرأة كفت عن الهيام في الحركة المحمومة للمدنية، و جلست على العُشب بكامل عبائتِها المُبهرجّة الألوان في نهار يوم مشغول كهذا، انها شيءُ جديد.. كأنما هى قصيدة بُعثت فيها الحياة، تمشيّ على الأرض في مدينته الرماديّة كي تذكرها بالحياة المفقودة لقاطنيها. بالوجود المغايّر.. أعاد تِكرار الكلمة. من أرض أفريقيا هناك بعيداً.. حيث لا تزال الحياة ذو قدرة على الإدهاش.

لم يعلم كم مرّ عليه و هو يراقب أدق حركة ليداها، عيناها.. كان مأخوذاً. وحواسه كُلها مُستفزّة.. كان ينفضّ عن كُل ما أدركه عن العالم، غبار القاهِرة.. ورماديتها.
هذه الفتاة المجهولة الهويّة هناك. الغريبة تماماً عنه وعن عالمه. لا تتحدث، لا تفعل شيئاً محدداً ولا مهماً.. ولا تدرك حتى وجوده خلفها، تغيّره وتبعثره وتُعيد تشكيله بمعجزة ما.

أوقفت باصاً عاماً، وصعدت، صعد وراءها.. لمحته، وابتسمت مرة أخرى، لم يرتبك.. ابتسم بوسع وجهه كله لها وجلس خلفها.

أوقفت الباص بالقرب من محطة مِترو مزدحمة، لم يتبيّن على وجه الدِقة ما هى، تبعها حتى عربّة المترو.

في العربة،
كانت تجلس بجانب شاب أفريقيّ، لم يعلم تماماً من أين ومتى جاء. أشبكت يداها في يديّه، وابتسما..

لمحته مرة أخرى،

ابتسمت له ابتسامة خجولة،
وكأنما تعتذر..

بدوره ظل صامتاً، هناك.. حتى آخر محطة. كانت وجوه الراكبيين، تزداد بشاشة كٌلما ابتعد المترو عن منتصف القاهِرة. وحينما خرج مِنه، كانت كنيسة ما.. وبيوت صغيرة، وأرض خضراء. خضراء.. وسماء زرقاء نقيّة. وأصوات عصافير. وضحكات أطفال تعلوّ صوت عربة المتروّ المبتعدة.

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

الجمعة.. توقيع رواية «عين عابد» لـ نهلة عبد السلام

ابتسام أبو الدهب تنظم دار «الفؤاد» للنشر والتوزيع، حفل توقيع رواية «عين عابد»، للكاتبة نهلة …

Send this to a friend