الرئيسية / أقلام وآراء / محفوظ بشري يكتب: التصوف.. إرث الشخصية السودانية

محفوظ بشري يكتب: التصوف.. إرث الشخصية السودانية

بقلم: محفوظ بشري – كاتب سوداني

تصوير: حسن مصطفى

دخول التصوف إلى السودان

كانت معرفة السودانيين بالإسلام في بدايات دولة الفونج “1504 – 1821″، التي قامت على أنقاض آخر مملكة نوبية مسيحية، “عَلَوَه”؛ معرفة سطحية. لكون الدين انتشر قبلها عن طريق رعاة وتجار مسلمين لم يكونوا متفقهين فيه، ويخبرنا محمد النور بن ضيف الله “1727 – 1810” صاحب كتاب “الطبقات” الذي يعد المصدر الرئيس لتاريخ تلك الفترة، أن في تلك الأيام “لم تشتهر مدرسة علم ولا قرآن، ويقال إن الرجل كان يطلق المرأة ويتزوجها غيره في نهارها من غير عدَّة، حتى قدم الشيخ محمود العركي من مصر وعلم الناس العدَّة”.

لم تنتشر تعاليم الإسلام على نطاق واسع بين السكان، إلا عقب دخول الطريقة القادرية إلى السودان، بعد حوالي ستين سنة من نشوء دولة الفونج، عن طريق تاج الدين البهاري البغدادي، الذي يؤرَّخ التصوف وانتشار التعليم الديني الواسع في السودان بقدومه في العام “1566”، وقبله لم ينجح الفقهاء والمتصوفة القليلون الذين وفدوا إلى السودان، في إحداث تأثير كبير في الشخصية السودانية مثلما فعل البهاري.

بقي تاج الدين في السودان سبعة أعوام، علم فيها تلاميذه من شيوخ المتصوفة السودانيين الأوائل، فانتشرت الطريقة القادرية وتبعها أكثر السكان، لا سيما في منطقة الجزيرة وسط السودان، وانتشرت معاهد تعليم القرآن والفقه برعاية هؤلاء المتصوفة وتلاميذهم، حتى ارتبط الإسلام بالتصوف في أذهان السودانيين، قبل أن يتسلل إلى بقية تفاصيل حياتهم اليومية منذها وإلى اليوم.

التصوف والمدنية

لم يؤثر التصوف، في طريقة رؤية السودانيين للحياة، وتشكيل ثقافتهم، ووضع الأساس لما بات يعرف لاحقاً بـ”الشخصية السودانية” فحسب، بل يمكن النظر إلى التصوف بوصفه أداة التمدين الرئيسة التي حظيت بها مجتمعات السودان الرعوية في تلك الأيام. حيث كان “المسيد”، وهو الاسم الشعبي لمؤسسات التعليم الدينية التي يدرس بها آلاف الطلاب القرآن والفقه؛ نواة استقرار مدني حيثما كان. إذ يحتاج التعليم إلى استقرار في مكان واحد، ومن ثم إلى ممارسة الزراعة لضمان غذاء الطلاب والمريدين. ومما يعمق أيضاً من أهمية شيوخ المتصوفة في الاستقرار، العادة السودانية المتبعة بأن لا تقام مقبرة إلا بعد أن يدفن بها أولاً أحد شيوخ الصوفية، ومن ثم يدفن حوله المتوفون. وهو تقليد يجعل أمام سكان أي بقعة ليس بها شيخ صوفي، خيارات محدودة، فإما أن يحملوا موتاهم لمسافات طويلة ليدفنوهم في أقرب مقبرة تحتوي رفات شيخ؛ أو استقدام شيخ إلى بلدتهم وضمان استقراره بدعم إنشاء “مسيد” لتدريس الطلاب.

وغني عن القول إن وجود المدرسة “المسيد”، وسبيل مستقر لكسب العيش “الزراعة”، ومقبرة؛ هي من العوامل التي تصنع نواة المدينة، إذ يأتي لاحقاً السوق، ثم الإداريون المرتبطون بحركة التجارة، وهذا التطور كان يدفع لاحقاً إلى نزوح السكان ممن يرغبون بتعليم أبنائهم أو العمل في التجارة، إلى بلدات ومدن تتوتفر فيها هذه المرافق. ويُلاحظ اليوم، أن أكثر البلدات والمدن القديمة في السودان، توجد فيها “قُبَّة” لشيخ صوفي يعد المؤسس للبلدة أو المدينة، أو كان داعماً لبقائها حيَّة بنزوله فيها وإن لم يكن مؤسساً لها. وتكون القباب إما في المقبرة، أو في المسيد، وهي أبنية لا تبنى لأي غرض آخر بخلاف نصبها فوق قبر شيخ صوفي.

المكانة الاجتماعية والسياسية

لأن التصوف ظل لقرون هو طريقة العيش في السودان؛ بقي الأثر الاجتماعي له عميقاً، حتى صارت السمات المشتركة لما يعرف بالشخصية السودانية، هي تلك المكتسبة من أدب التصوف. حيث ظل “الشيخ” طوال القرون الخمسة الماضية، هو المرجع الاجتماعي الأبرز في السودان، لا سيما في المجتمعات الريفية. وحظي المتصوفة على أيام دولة الفونج باحترام وتقدير كبيرين، فكان لا يرد كلامهم وأحكامهم حتى من قبل السلاطين وحكام الأقاليم الأقوياء، حين تدخلهم في مجريات الحياة السياسية.

وتعطينا قصة الشيخ عبد الله العركي، وصفاً جيداً للمكانة التي حظي بها المتصوفة منذ القدم. حيث رفض عبد الله بن دفع الله العركي، وكان أحد القضاة الشرعيين في زمن الفونج، التصوف على يد تاج الدين البهاري، بحجة أنه دارس للفقه ومكتفٍ به، إلا أنه رأى المكانة التي حصلها المتصوفة، والتقديس الشعبي الذي ظللهم، واحترام الحكام لهم؛ فلحق بتاج الدين إلى الحجاز ليأخذ عليه التصوف.

هذه المكانة بلغت ذروتها بعد قرون، بقيادة أحد مشايخ الطريقة السمانية، “محمد أحمد المهدي”، ثورة ضد حكم الأتراك في السودان “1821 – 1885” انتهت بطردهم وإقامة الدولة المهدية “1885 – 1898” التي اعتمدت في هيكلها الإداري على الهيكل الصوفي التقليدي لتوزيع الواجبات. وحتى بعد سقوط دولة المهدية على يد الاستعمار الإنجليزي – المصري، ظل المتصوفة فاعلين في الحياة السياسية، وبعد الاستقلال حظي المتصوفة بأكبر حزبين في السودان، وهما الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يرأسه شيخ الطريقة الختمية، وحزب الأمة القومي الذي يرأسه إمام طائفة الأنصار حفيد المهدي.

الشخصية السودانية والتصوف

أنتج خلط المتصوفة الأوائل بين العناصر الأفريقية للسكان، من أجل اجتذابهم إليهم، مزيجاً فريداً، ونوعاً مختلفاً من التصوف، فهو طقوسي وفلكلوري، ويهتم بالتربية الخُلقية أكثر أكثر منه نظرة فلسفية في الدين. ولبساطته، استهوى غالبية السكان، وبرغم أن المبشرين الأوائل كانوا خليطاً من الفقهاء والمتصوفة الذين قدموا من مصر والحجاز والمغرب، لكن الثقافة الدينية العلمية استهوت قلة من السكان. لذا يبدوا مفهوماً إعلاء السودانيين حتى اليوم من شأن قيم كالصبر، والتقشف، والتسامح، والتسليم، والتوكل، والعمل الجماعي؛ على ما عداها من قيم. كما يُفهم أيضاً الإيمان العميق والراسخ شعبياً بقدرات شيوخ المتصوفة، فيقصدونهم للعلاج، والاستشارة في ما يعتري حياتهم، وفي الزواج والطلاق وغيرها.

ومع أن انتشار التصوف قلَّ بعض الشيء بين الأجيال الحديثة إذا قارناها بالأجيال السابقة، إلا أن احترام المتصوفة لا يزال ذا مكانة في نفوس هؤلاء الذين لا يتبعون طريقة صوفية، هذا بخلاف متعلمين ومثقفين كُثر لم يمنعهم ما تلقوه من تعليم وثقافة أن يتبعوا إحدى الطرق الصوفية رياضةً للنفس وتهذيباً لها، فكما أسلفنا، يرتكز التصوف في السودان في أساسه على تربية النفس وتعلم قبول الحياة بصدر رحب. بل إن عدداً كبيراً من كبار شيوخ الطرق الصوفية هم من الحاصلين على درجات علمية من جامعات مرموقة.

اليوم، لا يزال تراث التصوف حياً في السودان، سواء أكان ذلك في صمود مؤسسة المسيد حتى اليوم، أو في حلقات الذكر الراتبة لمشايخ المتصوفة التي يؤمها السودانيون من مختلف الأعمار، أو حتى في الأثر الباقي في النفس الجمعية السودانية التي تربت على إرث الإسلام الصوفي الممتدة جذوره إلى بدايات نشوء السودان الحديث. وبرغم التحولات الاجتماعية العميقة التي اعترت المجتمع السوداني؛ لا تزال الطرق الصوفية قوية وتجمع إليها المريدين، وتقوم بدورها في تعليم الفقه وتحفيظ القرآن الكريم في شتى بقاع السودان، ولا يزال كثيرون يلتمسون “البركة” من شيوخهم قبل الإقدام على أي عمل، أو إجراء تغيير جذري في حيواتهم.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

هيباتيا تكتب: العلاقة الأقوى «٢»

بقلم: هيباتيا  قلنا إن الزوجين ملكية مأمونة، شغف السعي للحصول، وشغف التجربة الجديدة والمشاعر المتوهجة …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend