الرئيسية / إبداع / «‎الموت الصاخب»

«‎الموت الصاخب»

قصة: سارة النجار

‎أتطلع دومًا للنهايات؛ ففي الدقيقة التي أبدأ فيها مزج الماء بالطحين تضطرب أطرافي ويعلو منسوب الأدرينالين، تثور معدتي، ويفور جسدي كله، ولا أهدأ حتى تلك اللحظة التي يتسرب فيها الي مسامي عبق الخبز، لا أبدأ رواية الا ويدور عقلي في كافة أروقتها بحثا عن مخرج لأبطالها، وفي اللحظة التي أتعطر فيها للقائك أتحرق شوقاً لخلوةٍ أحصي فيها قبلاتك التي ستزرعها علي جيدي.
‎النهايات مبتغاي وملاذي وبقدر سكينتي بحلول الخواتيم الا أني أهاب النهاية الوحيدة الأكيدة، أخشى ذاك الغامض وأدعو الحي أن يمنحني العمر المديد.
‎أتملص من دعوة أتلقاها بين الحين والآخر لإلقاء نظرة على لحظاتي الأخيرة البعيدة عبر بوابة الاحلام المواربة، الا أن ما تختزنه ذاكرتي- على الرغم مني- يطمئنني، أراني مسنة بيضاء لا يزال شعرها البني غزيرًا، تجاعيدها المنحوتة برفق، تضيف طيبة ووداعة إلى ملامح لطالما أخبرتك أني مغرورة، أراني نحيلة في فراشها الوثير وحولها الأولاد والأحفاد مودعون.
‎أحب أن يكون آخر ما يراه المودعون بسمة تشبه عينيك وأدعو ألا ينتبهوا لدمعة اشتياقٍ لطالما تاقت إلى يديك.
‎وأن يزرعوني بجوار شجرة توت، يهزها الصغار فتمطرهم بقبلاتها الملونة، أريدك أن تزورني وتنثر حبوب القمح فوق رأسي الصغير، لتؤنسني رفرفة اليمامات. أرغب في موتٍ صاخبٍ، فكم كانت حياتي راكدة وكم كان ذلك بائسًا.
‎وتعيش أنت اللحظة بكامل بعدها الزماني ومحيطها المكاني، تملؤك وتتشبع بها، تدور في المواقيت، لتمضغ ما قبلها وتلعق ما بعدها، فلا تغادرها الا وقد غادرتك هي، وانتقلت بجوار الكان ياما كان.
‎هذا أنت، المجذوب بشهوة الآن، تتطلع راغبا في الموت، تراه نهاية الخدعة التي تغوينا، بداية الهروب الآمن، حيث الرحمة أو العفو.
‎تحدثني ليليًا عن جذوره الضاربة في أعماقنا، والمتمثلة في احتياجنا الدائم لشقيقه الأصغر ، النوم! تدافع عن فكرتك مُشْهِرًا في وجهي أقراص درء الأرق الوردية، والتي لا أستطيع الاستغناء عنها، تتهمني بأنني أنا أيضا أرغب به، فقط يمنعني جبني من التمني فأكتفي بسويعات قليلة، أتحرر فيها مني.
‎من بين دموعي أخبرك أني أكرهه، يرفض جسدي أن يستكين لآنيه هلعًا من ديمومته، لذا لا يغمض لي جفن، أكره الموت وأكره ما يقربني إليه، ثم أصرخ: وأكرهك لأنك لا تكرهه.

‎توليني ظهرك وتذعن للأصغر في محاولة لاستجداء الأعظم.
‎لا تنام إلا متدثرًا بشرشف أبيض كأنك تؤهلني للمشهد الأخير.
‎لكني أعلم أنك لا تريد أن يعفرك التراب كغرابٍ وحيد، فمثلك سيتقاسمه الصقور أو الحيتان، سيتنازعونك فيما بينهم كما تتنازعك رغباتك المتضاربة.
‎أمازحك: لن يعجبك أن تبتلعك الأرض وتسكن خلاياك أمعاء الدود، دود لزج يتغذى على أوراق شجرة أصبحت أنا زادها، دود قز يغزل فستانًا أبيض لصغيرة لن ننجبها.
‎تجيبني: سأعقد معك صفقة، إن أحرقتِ جسدي الصامت ونثرتِ رمادي فوق الجبل الوحيد في مدينتنا، أعدك أن تثور ذراتي حول مرقدك كل ليلة لأعزف لك أنشودة الموت الصاخب.
‎أومئ موافِقة، تقبل يدي، لأسحبك بعيدًا، بعيدًا و جدًا عن الجبل الوحيد في مدينتنا.

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

الجمعة.. توقيع رواية «عين عابد» لـ نهلة عبد السلام

ابتسام أبو الدهب تنظم دار «الفؤاد» للنشر والتوزيع، حفل توقيع رواية «عين عابد»، للكاتبة نهلة …

Send this to a friend