الرئيسية / إبداع / «البيضاء»

«البيضاء»

قصة: أحمد صلاح

Ahmed salah

كنت لا أراها إلا قليلا للغاية، تقريبا لا تخرج من بيتها إلا للضرورة القصوي، ولكن إذا خرجت، نثرت البهجة في أرجاء شارعنا، أم عبده، لا أحد منا رأى عبده، أو عرف أبو عبده، قد تكون كنيتها وفقط، ولكنها لا تظهر إلا في الأفراح والجنازات وإذا خرجت من بيتها تخرج للضرورة القصوي.

أم عبده، تلك المرأه اللحيمة جدا، البيضاء جدا، ذات النهد الضخم الذي تهدل حتي لامس فخذيها، قوامها مستدير وكأنها فقدت العظام، إذا مشت ترفع الساق وتحمل عليها كتل اللحم ثم تنقلها كثور يستعد للإنقضاض، ثم تنقل ثقلها ولحمها كله للساق الأخري وجسدها كله يهتز كعجين ينتظر أن يتخمر في ماجور ضخم

كانت دائما في بيتها أمام الفرن البلدي، تأتي بالهيش والقش، تشعل الفرن وتصنع الخبز المرحرح، وتضعه علي حصير في مدخل البيت حتي ينشف، والبيت بالطين اللبن، فقط غرفة وحوش يقبع الفرن بداخله، رصفت الحكومة الشارع بضع مرات فارتفع منسوب الشارع عن البيت، فصنعت درجة كسلم من جذع نخلة قديم.

 كنت صغيرا أذهب إليها أشتري الخبز المرحرح، أدخل من الباب ذو الضلفتين الخشبيتين الضخمتين للغاية، أو هكذا كان يخيل لي، وأنظر للمقبض الحديدي الضخم بخوف وكأنه رأس عفريت، أهبط جذع النخلة بحذر بعدما تعثرت من عليه مرة وسقطت متدحرجا، البيت شبه مظلم، سقف بالجريد، فتسلل الضوء يئن عبر الفتحات

تعطيني الخبز في الحقيبة البلاستيك، وتحذرني من السيارات المسرعة في الطريق، وألا اقف لألعب الكرة مع العيال، وأفر منها بالحقيبة إلى البيت لتعد أمي صحن الجبنة القريش وتقطع عليه الطماطم والخيار وبجانبة صحن العسل الأسود وأتناول افطاري

كنت كلما ذهبت إليها تقبلني وتحتضني في صدرها الضخم الذي كنت أغوص فيه صغيرا، وتختنق أنفاسي، ثم تسألني عن أبي وأمي وجدي، تجلسني أحيانا لتعطيني تفاحة خضراء أو تتركني أداعب قططها الصغيرة المنتشرة في أرجاء البيت

كانت أم عبده تشارك الشارع في الأفراح والمياتم، لم نكن نعرف سببا لرقصها في الزفات، ولولتها علي الميت في الجنازات، ولأن شارعنا كان ملئ بالشباب والفتيات، وتكثر الأفراح كثيرا، فكانت أم عبده دائما ما تأتي للعروس أو العريس منذ صباح الحنة، ترقص الرقصة الفلاحي، تربط وسطها الضخم بايشارب كبير تملكه، وتهز ردفيها بقوة وهي تصفق وتغني أغنيات فلاحي لها مدلول جنسي، وتضج النساء بالضحك وهن يصفقن، ويضحك الرجال وهم يدركون المعاني القبيحة في الأغنية، وتهمس ـ بالضرورة ـ إحدي صديقات العروس في أذنها، فتحمر وجنتى العروس خجلا، وتنظر لأم عبده، وتبتسم.

كنت صغيرا للغاية، عندما طلبت أمي أن أرافق عمتي عند أم عبده كل صباح، ولا أتركها، حتي ترجع من دارها، كانت عمتي الصغيرة قد تزوجت حديثا وسمعت أنها تحمل في احشائها جنينا، فرحت، فانا سألعب مع القطط المنتشرة في أرجاء بيتها، وأداعب الدجاج، وقد أسرق بيضه أو بيضتين في جيبي الصغير، استمتع بفقشهما وحدي دون أن يضربني أبي، وذهبت مع عمتي وطلبت أم عبده البيضاء أن أجلس بعيدا، وجلست وأنا أمني نفسي باللعب وسرقة البيض، وقالت لعمتي ان تجلس وتعطيني ظهرها

“تبصي في وشي وبس”

لم أفهم، فقط بدأت تضع الهيش وبقايا الجريد في الفرن، أشعلت النار التي بدأت تتأجج، وبدأ وجه أم عبده يحمر بشدة، وعمتي تنظر لها كالممسوسة، وتنجب عمتي بعد بضع شهور طفلة بها بعض بياض أم عبده.

كبرت وفهمت أن أم عبده كانت تقنع النساء بأن من تنظر إليها تأخذ بياضها، فكانت النساء تلجأن إليها حتى يأخذن بياضها، ولحمها الكثيف، وضحكت أمي وقالت

” كنا لسة جهلة”

وكبرت أم عبده للغاية، وبدأت تفقد حلاوتها، وأسنانها، بل تفقد لحمها المتهدل، ولا تجد من يرعاها، كان أبي يرسلني إليها بطبق طعام، ويوصيني أن اشتري ـ شكك ـ من عم عبد العزيز البقال ما تحتاجه، وهو سيحاسبه بعدين، كنت أجلس أنظر إليها وهي تضحك بصوت واهن متذبذب

” يا واد بتبصلي لية عاوز تجيب بت حلوة بيضاء”

” وماله يا خالة”

” يا واد ما ينفعش الشغلة دي للنسوان اللي بطنها شايله”

ونضحك، وتحكي لي، حكايات العز، وجري الشباب ورائها، حكايات وحكايات لم يتبق منها في ذاكرتي شئ، وسألتها عن عبده هذا، فقالت أن هذا أسمها، وهي لم تتزوج بالرغم أنها كانت في شبابها أجمل نساء داير الناحية كلها، ضحكت وهي تقول

” ما تشوفلي عريس .. ولا تتجوزني انت”

وقبلت رأسها ، قمت لاتركها فنادتني

” افتح الصندوق دا”

صندوق خشبي يشبه التابوت، عليه قفل ليس بالجديد، أخرجت من صدرها مفتاحه ومدت به يدها المعروقة

” اللي هتشوفه دلوقتي سر يطلع بعد ما أموت”

تجهمت ملامحي لدقيقة، في الظلام بدأت أفتح الصندوق، لأجده مليئا بالنقود، نقود من كل الفئات، ورق وفضة، مئات وخمسينات وعشرات، لدقيقة كاملة وقفت مشدوها، قالت:

” الأجل قرب.. وأنا يا بني خلاص كدة رجل جوة ورجل برة.. والصندوق دا نصيب كل نسوان البلد اللي حملوا وجم بصوا في وشي يتوحموا علي بياضي”

ضحكت وانا أتمتم بكلمات تقال في هذا الموقف، ولكنها اردفت بجد

” تصر كل الفلوس قد بعض.. كل صرة قد التانية.. تفوت علي بيت بيت فيه عيله اتولدت بيضا.. وتديها صرة”

اسقط في يدي.. ثروة ضخمة .. ووصية صعبة.. وامراءة عجوز.. وطبق لم تأكل منه شيئا.. وابتسامة خالية من الأسنان ..جلست علي الصندوق أفكر

” مالك ملخوم كدة .. يا واد الحكاية سهلة .. شوال قديم وتقصة، وتصر كل حتة بدوبارة.. وتحط فيها الفلوس بعدل ربنا”

تتحدث ببساطة وهي لا تعرف أن بلدتنا تضخمت، ونسائها أكثر من الهم علي القلب، وبناتها البيضاء كثيرات للغاية، ولن اعرف من التي بصت في وش ام عبده من التي لم تعرفها من الأساس، قلت

” مافيش حاجة اسهل يا أم عبده “

” ما توجعش قلبي .. الشوالات جنب الفرن”

ليومين كاملين لا أفعل سوي أن أقطع الأجولة وأجعلها مثل صرة صغيرة، أعد النقود وأضع في كل صرة جزء، ثم أضعهم في الصندوق مرة أخري، مليون جنيها كاملا، وبالطبع كان لابد أن أسالها عن مصدر هذه النقود الكثيرة للغاية فقالت ضاحكة

” من النسوان الهبل اللي فاكرين لما يبصولي هيجيبوا بنات بيضة”

 

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

«الصيفُ الحارق» قصة لـ «سفيان البوطي»

الصيفُ الحارق سفيان البوطي/ المغرب شهر أغسطس، شهر ساخن بكل التفاصيل. ” ممتد طويل، بالمْحَايِنْ …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend