الرئيسية / إبداع / «نفرين قدام»

«نفرين قدام»

قصة: محمد عبد الرازق

عصر «الفوطة» فانساب منها تيار الماء والصابون فوق الزجاج المتسخ بالأتربة وفضلات الطيور. دعك صفحة الزجاج بكل قوته محاولا إجلاء كل تلك القذارة التي تعيق رؤيته دوما، وأحيانا ماتثير اشمئزازه. عصر المنشفة ثانية حتى تأكد خلوها نهائيا من الماء, ثم جفف الزجاج بأكمله حتى التمع من نظافته. تحسس سطح الزجاج النظيف وهو مزهو بنفسه, وراقب انعكاس صورته بصلعته الخفيفة وبياض شعره الذي يحيطها، كرر ببطء تحسس سطح الزجاج بإصبعيه السبابة والوسطى ثم هبط بهما إلى سطح «الكبّوت» المنزلق بالتواء مرن حتى شارة السيارة التي تبين نوعها «تويوتا» ذي الدائرتين البيضاويتين والمتقاطعتين. لقد أفنى عمره بأكمله في هذه السيارة، حتى صارت جزءا من حياته، بل حياته كلها.
لا يذكر متى بدأت علاقته بها، لقد تفتح وعيه بين كراسيها وتشكلت أحلامه في كابينتها، كل ما يذكره أن أباه مسكه يوما وهو يدخن السجائر بعدما هرب من المدرسة فلطمه بقسوة وأخبره أنه مادام يدخن فلابد أن يكون على حسابه. لم يكن يحب التعليم، لربما إذا استمر في المدرسة لكان اليوم طبيبا أو مهندسا أو حتى محاميا، مثل أولئك الذين يركبون معه كل يوم، لكنه أفني حياته سائقا لسيارة أجرة تويتا، حفظ الطرقات بكل تفاصيلها، عدد الحفر وأماكنها، أشكال البيوت على جانبي الطريق وألوان نوافذها، حتى أشكال الناس أصبحت جزءا لا يتجزأ من أيامه، يقتل الوقت بمراقبتهم من وراء زجاج سيارته أو من خلال مرآتها حتى بات خبيرا فيهم وفي تصرفاتهم.
لفت انتباهه، وهو يمسح، صوت فتح باب الركاب الخلفي، رفع عينيه عن شارة السيارة فوجد ثلاثة شباب قد جلسوا في المقعد الأوسط, اثنان نحيفان وثالثهم بدين ذو نظرة سمجة. دفع البدين الباب بقوة فانغلق مصدرا صوت ارتطام مجلجل, لقد اعتاد على صوت إرتطام الباب حتى تعايش معه, في البداية كان ينزعج من تعامل الركاب معه بكل تلك الرعونة, ثم بدأ يتعود على صوت جريانه واندفاعه وارتطامه حتي صارت تلك الأصوات شبه موسيقى يومية لا تنفصل عن شكل الطرق المعتاد, بل وتشكل رأيه في كل راكب من كيفية تعامله مع الباب. كان يعتبر السيارة صديقة عمره التي تركت الدنيا كلها لأجله هو, لكن أحدا منهم لم يفهم ذلك أبدا.
أنهى مسح الزجاج وفتح باب الكابينة وأخرج علبة سجائره, أشعل سيجارة وهو يستند بكوعه فوق منفذ زجاج الباب, كان يتسائل عن تغيب مساعده الصبي «التباع», ألقى نظرة على كراسي السيارة التي لم يمتليء منها سوى مقعدها الأوسط, حاول أن ينادي علي وجهته حتى يجذب مزيدا من الركاب لكن حنجرته لم تخرج صوتا كأنها راحت في سبات عميق أو أصابها عطل ما بسبب الملل, لقد نادى على تلك الوجهة آلاف المرات حتى تشكلت جدران حنجرته من أحرفها بعدما تشققت كثيرا في بداية عمله كتباع, يذكر أنه كان يشرب الينسون أو الحلبة الساخنة في جرعة واحدة أو اثنتين حتى يداوي التهاب حنجرته فيقدر على النداء وجذب الركاب في الصباح التالي, في البداية كان ينادي بأعلى صوت وبكلمات واضحة المعالم والحروف ثم بدأ يفهم مايجذب آذان الركاب فبات ينغم ندائاته وينوعها بكلمات سريعة جدا, وحروف مبتورة حينا, أو ممطوطة أحيانا أخرى حتى أنه كان يطرب لنغماته بعض الأوقات فيندمج معها متناسيا الضوضاء والحر وتعب العمل معتقدا بذلك أنه يخفف عن نفسه ولو قليلا. رمى عقب السيجارة بعدما نفث آخر ماتبقى منها, كرر البحث بنظره بين سيارات الموقف كله عن الصبي لكنه لم ير له أي أثر وسط زجاج السيارات وضحكات السائقين وخطوات الركاب المسرعة والمتلاحقة, للحظة بدا له أن كل شيء معاد ومكرر بشكل لا يطيقه. ماهذا الملل!
ركب في مقعده خلف «الدريكسيون» ولم يقفل الباب, أخرج منديلا ومسح سطح المرآة المعلقة في مقدمة الكابينة. لمحها, فاتنة, تمشي بخطى بطيئة وتميل برأسها للخلف قليلا فيتطوح شعرها هائجا في كل الدنيا. فتحت باب الركاب وهمت أن تركب, صفر أحد الشباب الثلاثة فابتسمت له ابتسامة واسعة, عندها مد يده وفتح باب الكابينة المقابل وناداها “تعالي هنا أحسن”.
ركبت جنبه. كان متضايقا منها ومنهم ومن كل شيء, لم يكن ليسمح أن يتم التحرش بها, أو أن يستغفلونه في سيارته وهو الذي عاش عمره كله يرتب المقاعد والركاب بما يمليه عليه ضميره وأخلاقه, فيرص الرجال في مقاعد وحدهم, والفتيات وحدهن, ويستأذن حينا من أحد الشباب ليفرغ مكانه لمجموعة من الآنسات. كان يبر قسما أخذه على نفسه منذ أن جاءته ابنته يوما وهي تبكي لأن أحدهم تحسس ظهرها في المواصلات فأقسم في نفسه أن لا يعرض أي فتاة تركب سيارته لهذا الموقف أبدا.
لكنه لم يسلم من الفتية الثلاثة في المقعد الخلفي؛ “شايب وعايق” قالها أحدهم, رفع بصره يستطلع صورته في المرآة فغمز له البدين بطرف عينه اليمنى وهم يتضاحكون. لم يعر كلمتهم اهتماما كثيرا, فقد كان معتادا علي تلك التفاهات. رمى ببصره إلى مرآة الجنب عند الباب الذي تركب الحسناء بجواره, تعلق لثانيتين بانعكاس نهدها وتكوره, ترى هل يستهويها كما لمّح الشباب, يا ترى ماذا سيحصل لو نزلوا وتركوهما وحدهما؟ سيقود السيارة بأقصى سرعة حتي يخرج من الموقف والمدينة كلها, بل والعالم بأسره, حيث لايبقى سواهما فيخبرها أن نهديها كرتان من النعيم ويراقبها بهدوء وهي تخلع ملابسها كلها قطعة قطعة وتأمره أن يقترب, فيذهب مباشرة إليهما ويدفس رأسه في المجرى بينهما, فينهل حتى يرتوي ويتوه عن العالم فلا يعود له أبدا, سيغسل عن ذهنه أشكال الطرق والناس وأصوات المحركات وألوان مصابيح السيارات, وسيجلي عن بدنه تعب السنين من جلسة كرسي القيادة وكبس الفرامل وانتظار الدور واللف في الشوارع ليل نهار, سيدخل الجنة من بين نهديها؛ لكنه سرعان مانفض عن ذهنه تلك الخيالات وهو يؤنب نفسه عندما سمع صوت ضحكات الفتية الثلاثة من جديد والبدين ينظر إليه في المرآة ويهتف “أخذتها لنفسك.. العب”.
لم يحتمل أكثر, نزل ودار من أمام السيارة وهو يغلي, صفع باب الركاب بعنف وسحب البدين من ياقة قميصه وهو يصرخ “انزلوا”, نزل الشباب لكنهم لم يرحلوا وإنما التفوا حوله محاصرينه, هتف فيهم “أنتم عديمي التربية”, ضحك الفتية وصفعه أحد النحيفين على مؤخرته, استدار له ليلكمه لكنه فوجيء بصفعة من البدين أكلت خده الأيسر وهو يهتف “سائق نجس”.
لم يستطع أن يرفع نفسه من على الأرض, يتأمل سيارته, وأثر الصفعة ينهش وجهه. كانت الفتاة تراقبه من فوق زجاج شباك السيارة, نظر إليها, كانت صامتة, فقط تنظر إليه, أراد أن يخبرها شيئا لكنه لم يعرف, كانت الكلمات تائهة على لسانه والدوار يطوح رأسه, انحدر بعينيه إلى شارة السيارة “تويويتا” المرسومة بشريط لاصق على الباب أسفل نظراتها, تذكر أن الصبي لم يحضر بعد, لقد تأخر كثيرا, بدا كل شيء مكررا ومعادا آلاف المرات.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

«الصيفُ الحارق» قصة لـ «سفيان البوطي»

الصيفُ الحارق سفيان البوطي/ المغرب شهر أغسطس، شهر ساخن بكل التفاصيل. ” ممتد طويل، بالمْحَايِنْ …

تعليق واحد

  1. ما شاء الله حبيبي الي الامام وفي تقدم

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend