الرئيسية / إبداع / «فوق أسطح الخوف»

«فوق أسطح الخوف»

قصة: وسام مجدي

 

جَرَتْ مياه المانش مسرعةً بين مياه الأطلسي العتيق وجَرَتْ معها أنهار فرنسا كلها فارتفعت أبخرتها إلي عنان السماء وتكثفت سحبٌ لا يظللنا غيرها الأن ونحن متفرقون فوق أسطح  تلك المباني البيضاء بوسط باريس، يقف قوس النصر مخلداً ذكري قادته العسكريين الذين ضحوا بأنفسهم فداءاً للبلاد، من خلفه ينفتح الشانزليزيه عن أرقي المحال التجارية وأفخم المطاعم التي تزين هامات أبوابها الورود، يظل الشارع سائرا حتي ينتهي بحضارتنا المهداة ناصبةً نفسها وسط الشارع فترتفع مسلةٌ مصريةٌ تتحد قمتها الذهبية مع شمس تشرق وتغيب من أسفل تلك السحب السوداء، يا تُري كم من تلك الحضارة أُهدِي وكم قد سُلِب؟  كيف تتحول العلاقات من حروب ضروس إلي سلام أمن هكذا؟ تتجلي قرون مضت اتخذ فيها أحد القادة الفرنسيون الصليبَ شعاراً غير عابئٍ بقدسيةِ دينه فخاض بجيشه طين دمياط اللازب محاولا أن يخترق المنصورة لولا بسالة أهلها اللذين أسروا القائد ليرحل مجرراً أذيال الخيبة إلي فرنسا، ويحاول نابليون أن يحتل بنا الشرق كله، وتدخل في ثلاثي العدوان فتتسبب بنكسةٍ قتلت الفرحة سنوات وقتلت جدي فهاجر أبي بأخوته الصغار إلي المنصورة كي يريهم أثار الدمار الفائت وضغينة الحقد الجاري.

يقطع ذلك التاريخ عطر تلك المرأة الفرنسية الواقفة في بالكونها المغطي بالورود بالطابق الحادي والثلاثين تتحدي بجمالها غياب النور، لم يعد أمامي إلا أن أحصي تلك الطوابق من فرط الملل الذي يطوقني من كل ناحية حتي من ذلك البرج الحديدي الشاهق الذي يتناثر المحبون أسفله يتلقون رذاذ المطر ومداعبات الجو بنسماته الشتوية الباردة، ومللت أيضا تلك النوترادام البعيدة التي تضرب في القدم لتخلد أول كنيسة في باريس وتقف علي أطلالها، ليتك معي يا زكريا كي تصلي صلاتك المنشودة في هذه النوترادم، فهي لا تختلف عن نوتردام القدس التي تطمح إليها كثيرا.

لا يسلينا سوي إشاراتنا لبعضنا لبعض بتلك الأشعة الحمراء التي تخرج من أسلحتنا المرتكزة عند حافة كل بناية، نحملق في عدستها المقربة لنكشف عن أي حركات مريبة في المنطقة، كم أتمني أن تنتهي تلك المهمة! أن يخرج الرئيس من تلك القاعة ذات الباب القصير كي نرحل، كي أري

 “نور” مرةً أخري، كم أشتاق ليديها الطويلتين حول عنقي وقدميها القصيرتين حول خصري لأجوب بها جنبات البيت! كم أشتاق للبيت ولربة هذا البيت!

تضيق عيني اليمني خلف تلك العدسة الحمراء المكبرة يتعامد فيها خطٌ طولي علي أخر أفقي فيتركا مساحة ملم في الوسط كي يحددا الهدف، أعطي إشاراتي لزملائي المتفرقين فوق الأسطح تفيد بأني أود الأستراحة قليلا حتي لا تثبت عيني علي تلك الهيئة المرهقة… أخفض سلاحي الثقيل من فوق الحافة وأنزل معه قليلاً ليتواري لباسي الأسود عن سور البناية القصير… أخلع ذلك القناع الخانق ليتلقًي وجهي نسمات المحبين أسفل برج إيفل، تجوب الإستفهامات عقلي… لماذا لم يختر الرئيس وقتاً أخر غير ذلك الوقت المتوتر بعد أحداث الشهر الماضي؟ متي يأتي ذلك الموكب المهيب الأسود كي يقل رئيسنا للفندق ومنها للمطار؟ متي تنتهي الأزمة كي تهدأ بالة نسائنا في البيوت؟ متي نقضي علي الإرهاب؟تتلقًى استفهماتي صمت تلك الصحراء الجليدية الشاسعة فتأخذني لغفوةٍ لا أعرف حين استيقظت منها كم مرً من الوقت.

تنبهني إشارات حمراء سريعة ومضطربة ليست كالتي أرسلتها قبل غفوتي، هل خرج الرئيس من القاعة؟ أفتح عيني فزعاً وأعدل من رخوة جسدي كطائر يلملم جناحيه… ألملم سلاحي الثقيل الساكن فوق صدري وأثبته فوق الحافة ثانية وأعطي إشارات عودتي للحياة وإشارت أخري تسبهم واحدا واحد لقطعهم غفوتي… لم يجبني أحد… غيًر الجميع مواضعهم وتوجهت أشعتهم الحمراء إلي القاعة وما حولها… وضعت عيني فوق العدسة مرة أخري ودرت دورة سريعة بلغت 270 درجة… تجلت الإستعدادات علي باب القاعة القصير معلنة خروج الرئيسين  فحضرت السيارات الفرنسية السوداء ورفع العسكريان الواقفان علي جانبي الباب أسلحتهم الأثرية الفارغة تكبيرا للخارجين اللذين ربما يتأخرا لبعض الوقت تمويهاً.

 درتُ يساراً مرة أخرى حتي أتاكد من سلامة المكان فتجلت النوتردام حمراء من أسفل ذلك المنظار… يرتجف صليبها يمنة ويسرة خائفا من ذلك الشبح الأسود الذي يدق عليه بمطرقة كبيرة كأنه يحطم اللات أو هبل… تتفرق منارتيها المنتصبتين وتميل كل واحدة منهما في ناحية عكس الأخرى إلى الأرض… تتهشم تلك النوافذ الفسيفسائية الملونة وتتطاير جزيئاتها البلورية في الهواء لتصنع بهجةً في قلوب من فعلوها، قف عندك يا زكريا لا تأتي الأن!

أرفع المنظار من فوق عيني لعله كان فيلما قصيرا مسجلا عليه حركةً دون صوتاً أو لعله كان حُلماً أو سرابٍ بقيعة؛ولكنً الحمرة متوهجة والنار تضرب أرجاء الكنيسة من كل ناحية… أتدارك الموقف سريعا فأصوب أشعة منظاري الحمراء في عجلةٍ إلي زملائي لتتلقًاها ظهورهم بينما أعينهم مازالت تترقب خروج الرئيس من القاعة، ماذا عساي أن أفعل الأن؟ لابد أن الأحداث ستصل هنا ولابد أن هناك مئات من ذلك الشبح الأسود حولنا لا نراهم، أتحقق من النوتردام مرةً أخرى فَتَخُرُ أعمدتها هداً وتتسطح قبابها البيضاء فينغمسُ صليبها كغريق في بحر هائج…  من النوترادام إلي قوسِ النصر الذي يهبط هو الأخر فيردم قبور المحاربين القدامى ويفتت عظامهم فتصبح كالعهن المنفوش… تهتز مسلتنا المصرية و ترتعد يد فرعونها الذي يقمع الأعداء فوقها… تختفي روائح العطور الباريسية وتصل بدلا منها رائحة الباردود مختلطة بأنفاس أخيرة تُلفظْ هناك.

التفتً إلىً فجأة أحد زملائي بعد أن صوبت أشعة سلاحي الحمراء فوق باب القاعة الرئيسي كي ألفت انتباههم فأشرت له ناحية الفوضى العارمة هناك فأشار إشارة نهرٍ لم أعهدها بيننا من قبل، ماالذي حدث أثناء تلك الغفوة كي تتبدل الحياة هكذا؟ اللعنة على الأجهزة اللاسلكية التي تتعطل حين الضرورة، ماذا تعني هذه الإشارة؟ هل علموا بما حدث قبلي وينتظرون أمراً؟ ولماذا ضَخُمَ عظم “حسام” هكذا؟ ومتى كَبُرَ شعر “عماد” وارتخى؟ وما بال تلك اللحية التي تسقط أسفل قناع “كريم” وهي مذهًبَةٌ أو مُحنًاة؟ بين استفهام وأخر تَتَجلًى الإستعدادات على باب القاعة وتَتَجلًىحقائق فوق الأسطح، يُخرِجُ الذي ظننته “حسام” من جيبه رايةً سوداء نُقِشَ عليها ختم رسول الله… تعمل أجهزة اللاسلكي فجأة فأسمع “الله أكبر” بنبرةٍ غير التي عهدتها في مسجدنا الذي بناه أبي أسفل بيتنا وأسماه السلام.

أتيقن من الأمر فإذا بي وسط تنظيم الدولة ولكن هنا في فرنسا، واحدٌ منهم سيقنص رئيسنا وأخر سيقنص رئيس فرنسا والثالث سيرفع رايتهم المشؤومة، أما أنا فسأنتقم لكل من مات بالكنيسة وأسفل قوس النصر ولزملائي اللذين أرى أرواحهم تحلق الأن إلى عنان السماء مع أبخرة الأنهار… يَخَرُج الرئيسان من القاعة… ترتفع الأسلحة… تختلط التحية الفرنسية في الأسفل بالله وأكبر فوق الأسطح… حقا الله أكبر منهم… الله أكبر معي… أحمل قنبلةً في يساري وأرتكز بسلاحي بيميني… أقنص أحدهم وأدمر الأخَرَينْ… يهرع الحرس بالرئيسين إلى الموكب… أرفع يدي إلى أعلى ثم أرفع قناعي وأشير لمن بالأسفل إلى النوتردام.

 

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

«الصيفُ الحارق» قصة لـ «سفيان البوطي»

الصيفُ الحارق سفيان البوطي/ المغرب شهر أغسطس، شهر ساخن بكل التفاصيل. ” ممتد طويل، بالمْحَايِنْ …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend