الرئيسية / مقالات / عمر سامح يكتب: كائنات رقيقة

عمر سامح يكتب: كائنات رقيقة

بقلم: عمر سامح

 

Omar Sameh
Omar Sameh

أشاهد هذه الأيام عروض بانوراما الفيلم الأوروبى فى دورته العاشرة– فيلم على الأقل يومياً – و أتأمل وأتعجّب. أتأمل جماليات اللغة السينمائية  وقدرتها على الإيحاء المكثّف – بَل والأجمل: أن هذه اللغة نفسها متنوّعة و متعددة “اللهجات” (إن جاز لنا التعبير) بعدد كل صانع سينما جديد فى العالَم: أى بما يستحيل حصرُه من احتمالات التأثير والإدهاش.

أما العجب، فمصدرُه قدرة بعض هذه الأفلام على إلغاء مسافة البُعد الشاسعة “المفترضَة” – جغرافياً وثقافياً و مِزاجياً – بين مَصدَرِ الفيلم و مُستَقبِلِه – و كذلك الحياد المفترَض بين فريق عمل فيلم وجمهور لا يعرف بعضهما البعض سابقاً– إنما يتقاطعان (ربما للمرة الأولى و الأخيرة) فى المساحة الزمنية المخصصة لعرض الفيلم فقط.

فإذا بك مثلا حين تشاهد فيلماً اسمه “كائن رقيق”، لمخرج من أصول بيلاروسية أوكرانية (سيرجى لوزنيتسا) وممثلة تجِد استحالة فى تذكر اسمها بَل وصعوبة فى كتابته ونُطقِه (فاسيلينا ماكوفتسيفا)، لا تجد نفسك مستمتعاً بمشاهَدَة عظيمة فقط، لكن تجد ملامح بؤسِكَ المألوف قد تجسّدَت أمامك فى ملامح غير مألوفة (باستثناء أنها بائسة بالطبع)، وهَمّك الثقيل الذى تركتُه قبل أن تأتى وستخرج إليه بعد قليل، قد خرج من الشاشة وعبَر فراغ القاعة وتدحرج فى حِجرك بتصويبٍ دقيق.

الفيلم يتناول حكاية سيّدة شابة تسكن فى إحدى الضواحى الروسية النائية فى فترة زمنية معاصِرَة: أى واقع ما بعد تحلل الأمجاد أو الأوهام السوفيتية وتبخّرها، ليظهرَ جليّاً ما هو قابعٌ تحتها من واقعٍ مُزرٍ لمجتمعاتٍ فاسدة بالكامل ينخرها الصدأ ويأكلها العفن.

هذه الشابة الرقيقة– التى لا نسمعها تتكلم إلا نادراً لكن نرى فقط عينيها الحزينتَين وشفتَيها المضموتَين – تكافح أن تُوصِلَ طرداً لزوجها المحكوم عليه بالسجن فى تهمةٍ غامضة، بعد أن رُفِضَ الطرد وأعاده البريد إلى منزلها المتواضع، فقررت أن تقوم بهذه المهمة بنفسها.

إنها تعانى من سوء المعاملة، وتواجه القسوة والانتهاك وفساد البيروقراطية  فى كل خطوة خلال كِفاحِها الخَطِر: فى المواصلات العامة، وفى مركز الشُرطة الذى يعطيها تصريح الذهاب إلى السجن، ثم فى السجن نفسه – حين يُرفَض استلام الطرد بخشونة متعمّدة دون إبداء السبب – بَل يُرفضُ تساؤلها عن مكان زوجها نَفسِه أو مصيرِه أو معرفة تُهمَتِه.

فى طريقها لمقرّ السجن، يحدّثها سائق التاكسى عنه بإيجابية وإعجاب صادِقَين. إنه المكان الوحيد الذى يضمنُ عَيشاً منضبطاً آمناً، ويَقِى الناس شرور بعضهم، ويحقق العدالة بينهم. كل الناس فى دخيلتها تطمح أن تدخل السجن – يقول لها بحرارة.

بعد فشلها فى مهمتها، سرعان ماتتلقّفها امرأة قوّادة (بالتالى لها نفوذ فى دوائر الشُرطة والسلُطة) تدّعى مساعدتها وتضطر هى للقبول. لاحقاً تتمكن من مقابلة “رجُل المنطقة القذر” –الذى يصارحها بمدَى قذارته وقذارة الجميع. لا يساعدها لكنه لا يؤذيها، فقط  يدعوها أن تفعل أقل الأشياء سوءاً: أن تترك هذا المستنقع وتعود أدراجها وتنسى الموضوع.

لكنها لا تيأس، تلجأ لمكتب حقوق الإنسان – الذى يُعامَل موظّفيه بعداءٍ رهيبٍ من السكّان باعتبارهم عملاء للمؤامرة الخارجية – فتكتشف أن مشكلتها بالغة البساطة قياساً لفظاعاتٍ كثيرة مكدّسة فى ملفات ومبعثرة فى أوراق على أرضية الغرفة.

تتعاطف معها مسئولة المكان، لكن لا تقدّم لها أكثر من ذلك، وتكررعليها نصيحة المغادرة.

فى محطة القطار المتواضعة المكتظة، وحين يغلبها الإرهاق فتسقطُ فى النوم رغماً عنها، ترَى و نرَى معها تتمّة الواقع لكن فى سياق الحلم.

القوّادة تدعوها للاستيقاظ، تُخبرُها أن كل شىء جرى ترتيبه وعليهما التحرك الآن. تقودُها إلى عربة سحرية تجرها خيول، ينتظر فيها رجالٌ عسكريون داخلون فى صفقة القِوادة. تَصِلُ بهما العربة إلى طريق مهجور على حدود غابة كثيفة، تُفضى إلى قصرٍ فخمٍ يحفُّ الطريق إلى بوابته صفّان من الجنود. فى داخل القصر، يَطلبُ منها زبون المتعة أن ترتدى ثوباً أبيضاً جميلاً. ثم نراها وقد صففت شَعرها وصارت فى أحسن صورة، تفتح بوابة زجاجية لقاعة فسيحة وتتأمل ما يدور بداخلها.

فى صدر القاعة منصّة يقفُ وراءها شخصٌ نراه لأول مرة، مهندماً وحليقاً ومعتنياً بمظهره،يرتدى زياً عسكرياً .إنه يتحدث بتأثرٍ بالغٍ عن قيمة “هذا الوطن”، “هذه الرابطة الأبدية بيننا جميعاً”، “تلك الآمال فى المستقبَل”، “حتمية الحبّ والإخلاص والتكاتف” ثم يعطى الكلمة بالتتابع وبأدبٍ جمّ للحاضرين – الذين هُم نفس الأشخاص (أو كل ممثلّى الأدوار المختلفة) الذين شاهدناهم منذ البداية: موظفة استقبال السجن، الرجُل القذر، القوّادة، العاهرة، زميلة العمل، موظفة حقوق الإنسان –  لكن يجمعهم سياق وانسجام تامٌ واحد هذه المرة: حفل عشاء فخم على شرف مدير السجن.

فى ختام المداخلات – التى تتناغمُ كلّها فى بلاغةٍ وفصاحةٍ مع ما قالَه صاحب الدعوة – يُعلن الرجُل القرار الرسمى المنتظَر  اتساقاً مع كل المبادىء التى اتفق عليها الحاضرون: السماح لصاحبة الطلَب بمقابلة زوجِها.

فى خارج القصر، يقف الجَمعُ كلّه ملوّحاً للسيّدة بملامح منشرحة ومحبّة طفولية وهى تخطو ببطءٍ على السجادة الحمراء فى اتجاه سيارة ترحيلات رابضة فى سكون، ما أن تصبحَ داخلها حتى تهجمُ عليها عصبةٌ من الجنود، يقيّدونها ويتناوبون اغتصابها بوحشيّة.

تستيقظ من الحلم، على هزة من يَدِ القوادة، التى تهمس لها برِفق أن كل شىء جرى ترتيبه وعليهما التحرك الآن. تخرجان من المحطّة إلى جوف الليل و ينتهى الفيلم.

حين خرجتُ أنا من جوف القاعة إلى ظلام الليل، كنتُ أفكّر أننا – مُعظم البشَر – نتّصفُ وجودياً بما وصفَ به الفيلمُ بطلَتَه (التى عرفناها ولم نعرف اسمها):

كائنات رقيقة فى عالمٍ غليظ.

وفكّرتُ أن ذلك أمرٌ سىءٌ و مؤسف ومثيرٌ للحُزن. إلا أننى حين حاولتُ تخيّلِ الوضعِ معكوساً – وجدتنى أعود بذهنى بسرعة و بلا تردد إلى الوضع الواقعى، وباقتناعٍ كاملٍ أن البديل الخيالى – أن نكون كائنات غليظة فى عالمٍ رقيق – أكثر سوءاً وإثارة للأسف والحزن بكثيرٍ جداً.

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

ياسين أحمد سعيد يكتب: مرة واحد صعيدي واقعي.. في عيد الحب

بسم الله الرحمن الرحيم إلى ياسين ذو السبعة عشرة صيفًا، هيه يا صاح، أفتقدك بحق، …

Send this to a friend