الرئيسية / دراسات نقدية / د.بوزيد الغلى يكتب: هل ينبغ المثقف داخل المؤسسة العسكرية؟

د.بوزيد الغلى يكتب: هل ينبغ المثقف داخل المؤسسة العسكرية؟

هل ينبغ المثقف داخل المؤسسة العسكرية ؟

على هامش رواية الكاتب l’Ecrivain

د. بوزيد الغلى

ينبع السؤال عن إمكان نبوغ « كاتب أو مثقف» داخل المؤسسة العسكرية من المفارقة ذاتها التي تنشأ من تضاد « على مستوى التصور» بين حامل السلاح وحامل القلم، ذلك أن التوهم باستحالة نبوغ كاتب في بيئة عسكرية منشؤه،في المقام الأول، تنافي مهمة الجندي مع رسالة الكاتب، فذاك يتهيأ كي يكتسب مهارات وكفايات القتال في الميدان، بينما يتنكب هذا رائحة البارود مؤثرا مقارعة الورق بالقلم. ولئن كتب بعض المتقدمين مناظرة بين السيف والقلم ، فإن زمان الرواية جاد بحصيلة سيرة كاتب تمرد على صنعة العسكر التي احترفها دون أن يهواها، ولم تسلم ذاكرته من جرح غائر لم يبرأ مع مرور الوقت إلا بالبوح بما كان، أملا في اجتراح أبدع مما كان.
لقد استعاد الكاتب محمد مول السهول السهول في سيرته الذاتية الكاتبl’Ecrivain الصادرة بالفرنسية باسمه المعروف المستعار ياسمينة خضرا كل لحظات الإخفاق والنجاح التي تخللت مسيرته من اليوم الذي قاده والده إلى مدرسة عسكرية تلقى فيها تعليمه إلى حين حصوله على البكالوريا، حيث سترتطم رغبته في الانتماء لمجال الصحافة والأدب مع رغبة والده في استمراره في تكوينه العسكري معتبرا أي تراجع أو تنكب عن هذا الطريق تلويثا لسمعته في الوحل، فهل انتصرت روح الكاتب التي سكنته منذ حداثة سنه على إرادة جرّه للجندية؟ أم انكسرت أحلامه على إرادة أسرته الفولاذية؟

المدرسة العسكرية: صرامة والتزام حديدي

يبسط الكاتب ذكرياته عن فترة انضمامه لمدرسة الصغار العسكرية ENCR، حيث استوصى به والده خيرا مدير المدرسة العسكرية الذي ينظر للولد وريثا لسيرة أبيه العسكرية، غير أن النظام الداخلي للمؤسسة الذي يلزم التلاميذ بالالتزام التام بتنفيذ تعليمات مدربيهم moniteurs في القسم الداخلي بكل مرافقه (مطعم،مرقد، فضاءات رياضية)، وكذا معلميهم داخل حجرات الدراسة، جعله يشعر بشيء من الضيق والضنك قبل أن يتكيف مع الأوضاع الصعبة، ويُنشئ صداقات مع الصغار تخفف ضغط البعاد والشعور بالاغتراب الذي لا تخفف وطأته سوى العطل التي يقضيها في دفء عائلته التي انصرم حبلها بعد حادث الطلاق الذي قلب الأمور رأساً على عقب، وزاده باعتبارهالابن البكر ضغثا على إبالة، حيث سيصف بكثير من الشعور بالضيم والألم قلبَ والده ظهر المجن لأمه وإخوانه إثر زواجه من امرأة أخرى، وتقلب العائلة بين ضيق المنازل المستأجرة وكنف الخال الذي وفر لهم سقف بيت متواضع يقيهم القر والحر…
ورغم ضيق الحال، فإن الطفل وأقرانه تمكنوا من اجتياز كل المراحل بنجاح حتى صاروا ذِكر كل لسان باعتبارهم صفوة الصفوة الذين ينجحون بنسبة 100%. وليس سرا أن الانضباط الحديدي الذي تفرضه قوانين المدرسة العسكرية، لم تكبح طموح الطفل الذي بدأت سيماء نبوغه الأدبي تلوح في الأفق، فقد أدى اتهامه بخرق النظام داخل المدرسة إلى تعرضه مرتين لعقوبة الحبس داخل أسوراها والحرمان من مغادرتها في فترات الراحة، الأمر الذي استغله الطفل النهم المولع بقراءة الكتب في التهام كثير من المؤلفات باللغتين العربية والفرنسية. تلك القراءة التي استدعت تدخل أستاذته الروسية التي تأثر تأثرا بالغا إثر وفاتها في حادث سير، إذ اقتادته قيد حياتها إلى مكتبة المؤسسة، وحددت له العناوين التي يجدر به أن يقرأها .
وسعيا من إدارة المدرسة لامتصاص طاقته الفائقة وتوجيهها إيجابيا، أوكلت إليه تحت إشراف أحد المسرحيين (سليمان بنعيسى) تشكيل فرقة مسرحية لم يتردد في السير بها قدما إلى الأمام أداء وتمثيلا ثم إنتاجاً، إذ نال نص مسرحي كتبه تحت عنوان: المنحرف le Délinquant إطراء وإعجاب الجميع بعد عرضه على الخشبة، غير أن شن التلاميذ إضراباذات ليلة، أدى إلى اتهامه بالضلوع في الحادث رغم نفيه الحضور لحظة اندلاعه، حيث وضعته الإدارة في غرفة بمثابة سجن داخل المدرسة، وجاءه من يحدثه عن الأفكار الثورية والتمرد وتطلع المثقفين مثله للتغيير، غير أنه اكتشف بذكائه مقالب ضيفه الثقيل، فخاطبه خطاباً بليغا يثبت براءته من كل التهم من جهة، ونأيه بنفسه عن اللعب بالنار التي يستدرجه إليها الضيف الذي غادر إلى غير رجعة …

الكاتب الذي نبغ داخل الثكنة

تثبت سيرة الكاتب إمكان نبوغ مثقف داخل المؤسسة العسكرية، فرغم صرامة أنظمة تدريب العسكر، فإن ياسمينة خضرا انكب على قراءة كتب الأدب بما صقل موهبته، وأنتج منه أديبا يكتب الشعر والنصوص المسرحية فضلا عن القصص بالفرنسية في سن مبكرة، ورغم أنه عاش انشطاراً حقيقيا بين ولوج الأكاديمية العسكرية بعد الحصول على البكالوريا أو الانتماء للصحافة وعالم الثقافة والأدب أسوة بالرجل الذي انوشمت تجربته في ذاكرته الغضة (سليمان بنعيسى)،فإنه ظل يطرح الأسئلة المُرة من قبيل :
ما تصنع المؤسسة العسكرية بأديب لن تنفعها مادة دماغه الرمادية في قيادة المعارك والانتصار فيها؟
ألا تثير المواهب مخاوف السلطة وحساسيتها تجاه المثقفين، وفي مصائر مفدي زكرياء وكاتب ياسين خير دليل على التحقير ونكران الجميلكما يقول الكاتب على لسان ضيفه الثقيل في غرفة الاحتجاز؟
أليس الجيش مقبرة للفن والآداب ؟ إذلا يمكن أن نكتب ونبدع في ظل السيف المسلط على الرقبة !
لكن، في مقابل هذه الأسئلة التي يهجس بها الكاتب، تدفع أسرته المصرة على استمراره في الجيش بكون الثقافة لا تؤمن الخبز، وكم من أديب لا يتمكن من كسب قوته بقلمه !بل إن والده يؤكد له احتضان الجيش لكثير من المهندسين والمفكرين، ومن ثم، فإن نبوغ أديب بين صفوفه يعد امتيازا وعامل تفضيل ، ويمكن للمتميزين الذين تربط آباءهم علاقات متميزة مع السلطة والأجهزة أن يشتغل داخل أقسام ذات صلة بالمهام الديبلوماسية كالملحقين العسكريين بالسفارات…
كل هذه الدفوع لم تقنع الكاتب الماكث ذاهلا بين عرض أبيه غير المغري، وحلمه الناعم المحفوف بالمخاطر مادام يعرف أن كثيرا ممن غادروا الجيش، واختاروا العمل في وظائف مدنية اتهموا بعصيان الأوامر désertion، ومثلوا أمام المحاكم العسكرية .

_____________________

 

ابن الوردي، مناظرة السيف والقلم، جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، أحمد الهاشمي، المكتبة التجارية الكبرى1969.
Yasmina Khadra, L’écrivain, édition Julliard,Paris, 2001,p.248
P.232
P.272
P.275

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend