مقالات

د. بوزيد الغلى يكتب: على تخوم  السرد المكتنز في رواية «ابن القبطية»

بقلم: د.بوزيد الغلى – المغرب

للرواية بما هي نص منفتح على أجناسٍ أخرى و آفاق توقعاتٍ وإمكانات تجريبٍ ، خصوصيةٌ تجعلها محط اختلاف الأنظار قراءة و تلقياً وتحليلا ونقداً،  ولستُ أجنح إلى مصادرةٍ على المطلوب، إن قلت إن رواية “ابن القبطية” بما حملته من مياسم التجريب ومكامن  “تداخل المجالات المعرفية ” interdisciplinary / interdisciplinaire، نصٌّ أشبه بنسيج متداخل متماسك خاطته بإحكام يد ماهرة في حشر المتناقضات والأضداد بما يجعلها منتجة ومثرية للنقاش الذي ينطلق من سطح الواقع العاجّ والضاجّ بصراع الثنائيات (منذر و جورج نموذجا)  التي يحاول وليد علاء الدين  تذويب الفرقة المصطنعة بينها؛ بما يطرحه من صور  التعايش بين القبطية  وزوجها المسلم حسين، وصنيع  أم حسن  التي حملت الصبي غير المسلم “يعقوب” إلى المسجد الكبير عند صلاة الجمعة التماسا للشفاء  في طقس تشفعي شعبي..

وبصرف النظر عما حبل  به  النص من مادة تنتمي إلى مجالات الطب النفسي والعرفان الصوفي والثقافة الشعبية والنصوص المقدسة (الأديان الثلاث على وجه الخصوص) والفن (الرقص و الموسيقى..)، فإننا آثرنا أن ننظر إليه من كوة النقد الثقافي متوكئين على منسأة مفهوم  “السرد المكتنز” الذي عمد الناقد أيمن بكر إلى تأثيله تأثيلا لا يدع مجالات للبس، وذلك بما عضده ونضده به من تطبيقات أنارت حدود المفهوم وآفاقه، ومهدت لنا اقتناص نماذج لاشتغال السرد المكتنز في هذا النص المنفتح على احتمالات متعددة للتأويل.

نماذج من السرد المكتنز في “ابن القبطية”

يضع  الناقد أيمن بكر مفهوم السرد المكتنز “ضمن  عمليات التفاعل بين النص و القارئ، إذ إنه مفهوم يشير إلى ناتج مجموعة من العمليات التي تحدث في وعي المتلقي بناء على إحالة نصية قصيرة نسبيا قياسا بالسرد الذي ينتج عنها (…)، (و) السرد المكتنز، إذن، هو ناتج إحالة عملية السرد إلى القارئ بوصفه مبدعاً (…)، (و) يفترض أن  يكون المتلقي والنص كلاهما ينتميان إلى  ثقافة واحدة، وأن يكون القارئ على الأقل مستوعبا المفردات والمفاهيم الثقافية التي أنتج النص داخلها، وأن يكون مستوعبا التضمينات و الإحالات المحتملة في هذه المفاهيم، أو على الأقل معظمها”، وتلك شروط آنست، كمتلق، أن أجد منها جذوة أهتدي بها  إلى الكامن والمكتنز من السرد بين حشايا تضمنيات وإحالات ذات حمولة ثقافية لا تخطئها العين في نص “ابن القبطية” بدءاً من عنوانه، بدءاً بعرس البغل كما سماه يوسف، و انتهاء بحلم يوسف و أهزوجة أمل ليلة حلمها .

“ابن القبطية”  مفتاحاً للسرد المكتنز:

أثار  المركب الإضافي “ابن القبطية” في ذهني كقارئ، أطيافاً من السرد المكتنز المخبوء بين ثنايا مرويات تاريخ المسلمين بعد فتح مصر، إذ استحضرت حادثتين رسبتا في الذاكرة، تتعلق أولاهما بقصة القبطي الذي ضربه بالسوط ابن الوالي عمرو بن العاص، و تتصل  الثانية بقصة زواج عمرو بن العاص نفسه من قبطية  كما شاهدنا في سلسلة عمرو بن العاص  ضمن الدراما الرمضانية، وإذا كان الناقد أيمن بكر يشدد على أن “تركيب العناصر السردية (في السرد المكتنز الذي يحدث في مخيلة القارئ)، أمر فردي يتصل بما تحتويه مخيلة كل قارئ عن السرد المكتنز المعين، وطرائق التركيب الخاصة بكل قارئ لما تحتويه مخيلته”.

وإذا كان نص ابن القبطية يسترجع مع السارد الذي تيقظت ذاكرته ذكريات من ماضي زواج القبطية من حسين والد يوسف المتخبط في انجراحاته النفسية التي أوقعته في متاهات مرض الفصام، فإن بوسعي كقارئ أن أعيد تشكيل مشهد زواج مسلم من قبطية أحبها بناء على ما تبقى من مشاهد فيلم “عمرو بن العاص”، مع استكمال كل عناصر السرد من أحداث وفضاء ومخطط زمني..

عرس منصور / عرس بغل!

في فصل “هواجس ليلة الدخلة”، تطالعنا تخيلات يوسف عن العريس منصور ، غريمه الذي خطف منه نوّارة لياليه و أميرة أحلامه “أمل”:

“تصورت البغل، وقد انفرطت كرشه أمامه بعد أن رباط حزامه، رأيت أمل، وقد تراجعت فزعاً أمام كتلة اللحم النافرة التي كانت مستترة قبل دقائق في بذلة العرس الفاخرة، تخيلوا ملامح وجهها، وقد كساها تساؤل ضخم عن الكيفية التي سوف يجتازان بها هذا العائق الكبير”

“كانت أسنان البغل تلمع بصورة زائدة، فكرت، وأنا أشد على يديه (شدّ حيلك ) أن أسأله بم طليت أسنانك، ولكنني خفت (..)، وخشيت ألا أتمكن من السيطرة على ضحكي المكتوم”   .

مفتاح السرد المكتنز هنا، هو هذه السخرية الطافحة التي ينطوي عليها تشبيه منصور بالبغل، وعرسه تبعا لذلك، هو عرس بغل، وهو تشبيه لاذع يثير في المخيلة صورة  الحاج كيان في رواية “عرس بغل” للطاهر وطار ، وقبل أن ندلف إلى تحليل و إعادة تركيب السرد المكتنز الذي قد تولدّ لديّ كمتلقٍ يحمل رواسب من “أعراس العضل و الإكراه”، أود طرح السؤال عن سر كامن في تشبيه ثقافتنا العريس غير المرغوب بالبغل، ففي قصة هند لما طلقها الحجاج،  واستنكحها  بعده ولي نعمته (الخليفة)، نقرأ تشبيها لاذعاً له بالبغل:

 و ما هند إلا مهرة عربية … سليلة أفراس تحللها بغل

فان ولدت مهراً فلله درها… و إن  ولدت بغلا فقد جاد به البغل

ولقد أضافت الدراما التلفزيونية، في  مشهد إلقاء الطلاق على هند، أنها تعمدت أن تنكي جرح الحجاج، فذكرته بقصة تطليق معاوية لامرأة عبرت عن تعاستها بالتطليق خلافا لهند التي قالت بعد أن خاطبها قائلا “كنت، فبنت”،: ما أتعسني حين كنت، وما أسعدني حين بِنت”،  وتفيدنا هذه الإضافة في استدرار السرد المكتنز الكامن في تعبير “أمل” عن الألم الذي مزق  كيانها، وقد استيقنت أن يوسف ليس لها، كما أنها ليست له، “أبكي روحي التي مزقها يقين، بأنك –يا يوسف- لم تعد لي، ولم أعد لك”.

و لا ينتابني شك في أن عبارة “لم تعد لي، ولم أعد لك”، تخبئ تحت سطحها سردا من السرود الكبيرة التي تسكن الوعي العام بتعبير الدكتور أيمن بكر، فالأسرة والمجتمع، ظلا إلى عهد قريب، هما صانعا قرار الزواج، خاصة في الأرياف، حيث تلازم  كل طرف غصة الارتباط بمن لا يهوى كما عبر عن ذلك الأعشى بقوله:

عُـلّـقْـتُـهَـا عَـرَضـاً ، وَعُـلِّـقَـتْ رَجُــلاً/// غَـيـرِي، وَعُـلِّقَ أُخـرَى غَيرَهَا الرَّجُل

وَعُـلِّـقَـتْـنِـي أُخَـيْــرَى مَـا تُــلائِـمُــنِـي/// فَـــاجــتَـمَـعَ الـحُــبّ حُــبّ كُــلُّــهُ تَــبِل

 وقد لا نبعد النجعة باحثين بين سطور ابن القبطية عن قصة تناسب تركيب السرد المكتنز

الذي ينقدح في ذهن القارئ كلما مرّ بالعبارة السابقة التي تختزل قصة ألم البِعاد القسري، و الزواج الذي ينتج “حبا كله تبل” كما قال الأعشى، ويستنزل السؤال: ” هل يستحق منصور أمل لمجرد أنه ليس ابن القبطية”؛  ففي حكاية زواج أم يوسف القبطية من حسين المسلم رغم معارضة أم حسين و قبول أبيه، بل إصراره، ما يغنينا عن تصور الأحداث والشخصيات، فهي مبسوطة، في الرواية، مثل حكاية داخل الحكاية، وكما قد يتولد السرد المكتنز في مخيلة المتلقي عندما يقرأ: هو لك، وأنت له  !، رغم ممانعة الجدة، قد يجول في خلده سرد مكتنز آخر، ينثال عند الاستماع إلى يوسف، وهو  يستعيد بل  يستعيذ ب :” تميمة الغول” التي لقنتها إياه  أمل:

يا ستار، يا ستار.

نط الغول على باب الدار..

لف ودار في عيونه شرار..

قمنا عليه كويناه بالنار..

شافنا كتار .. فك وطار …

يا ستار .. ياستار….

نط الغول على باب الدار

ولست أزعم الإحاطة، في هذا المقام،  بكل ممكنات السرد المكتنز الذي يحتمل أن يتولد في مخيلة قارئ “ابن القبطية”، فثمة سرود كبرى تكمن تحت سطح الكلام عن اليهود، ومتى صاروا يهودا؟، كما ثمة سرد مكتنز حد الامتلاء في كل التضمنيات ومواطن التنصيص، خاصة المتعلق منها  بمولانا جلال الدين الرومي.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى