الرئيسية / إبداع / «عمال المدينة» قصة وسام مجدي

«عمال المدينة» قصة وسام مجدي

قصة: وسام مجدي

أستيقظ صباحاً علي أصواتهم التي لا تكاد تخلو من نومٍ عميق أرادوا أن يكملوه بل أن يستغرقوا فيه من شدة التعب والويلات التي يلاقونها في يومهم هذا من دهرهم هذا؛ ولكنهم يجلدون ولا يسبونه إيمانا به وبخالقه، يغالبون في أصواتهم إتساع أفواههم لتستقبل صقيع الجو الذي أمطره الندى منذ قليل والذي يجعلهم يبدأون يوما جديدا فيه من النشاط ما فيه في بدايته ومن الجوع والهم والكسل ما فيه عند منتصفه ومن الأمل ما فيه قبل نهايته ومن الفرحة ما فيه عند أخره، أفتح نافذتي وعلي مرمى ليس بعيد من بصري أطل عليهم لأجدهم يلتفون بما استطاعوا أن يلفوا به أنفسهم حول أجسادهم، يتابعون السير في عجلة من الوصول إلي أقرب مأوى أو ظلة تأويهم من البرد القارص والسيول الجارفة التي أتت مع هذا الموسم البغيض؛ ولكنهم لا يقفون طويلا فساعة العذاب شرفت علي البدء وأسواط الحواشي تنتظر المتكاسلين منهم وغير المتكاسلين.
ما زالوا يواصلون السير يحيطون بأيديهم صدورهم وينتهون بأكفهم أسفل إبطهم خشية إختراق البرودة صدورهم الضعيفة، يشدون بأسنانهم ليصنعوا هواءاً ساخناً يدفئون به أيديهم وأجسادهم، تحمل السيدات بين أيديهن رضع كقطع اللحم الطازجة في لفات صغيرة تتشبث بأثداء أمهاتها، الأطفال مقطورات صغيرة تتعلق في جلابيبهن تسمع منهم همهمة بكاء خافت، الرجال- في جفاء- لا يعبئون لابنسائهم ولا بمقطوراتهم التي تهمهم ولا رضعهم المتشبثة، تلمح في وجوههم غربة لا يجوز أن تكون عند الرجال، الأقدام عارية تصلبت فتشققت فتجمدت فلا يألم الجسد لما تلاقيه، رقبة غليظة تحمل رأساً تجعدت ملامحها رغم الضعف.
جميعا.. أجسادهم ضعيفة أتي عليها صقيع الصباح في الشتاء وعرق الظهيرة في الصيف، تحجرت وتصلبت ولكنها حوت بداخلها مشاعر من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، حزن يفيض فيغمر الوجه بملامح تنتفض لرؤيتها.. لا زالوا يعانون السير في طريق تَرِبْ طويل أبى أن يثبت غباره فوقه فيتناثر في الهواء القارص نحو أعينهم المتطلعة للمدي المبهم يترقرق فيها الدمع.. تلوح في الأفق معالم المدينة ويتخلل الأمل ثنايا القلوب بالوصول والإنتهاء من هذه المشقة وهذا العناء؛ ولكنه في ذات الوقت الهم يملأ الوجوه لما في هذا اليوم وهذه المدينة.
يقف مليك – في الأربعينيات من عمره – وقد إمتطى جوادا أحمرا بلون بدلته التي هو فيها وقبعته التي فوق رأسه وعينيه التي زاد إحمرارها من فرط الشراب وأرق الظلم الذي ينتابه ليلاً، الشارب طويل معقوف، الوجه ينم عن ثراء فاحش وخبرة التسخير، جله لا ينم خيرا يمسك بسياطين غير سكين يغمده في جورب بجانبه، الحاشية من حوله تلمع سياطهم رغم برودة الجو وغياب النور.
مازلت أقف في نافذتي أساير لحظة الوصول، تلك اللحظة الفارقة في يومهم والتي من خلالها يعرفون شكله الذي دائماً ما يكون أقرص من بردهم في أجسادهم وأوعر من طريقهم في مشيهم وأغمر من سيول الطرق الجارفة، وأكثر حمرةً ودماً من وجه مليك، يصلون فيهرع إليهم الحواشي بسياطهم يسلبون ما أحضروا من إفطارهم القليل، يدفعونهم بالسياط إلي العمل، يبدأون عملا لا يعرفون مهيته ولا أهميته ولكنهم يحسون داخل مليك والحواشي ما يحسونه في طعامهم في نهاية يومهم وفي نومهم في أكواخهم بعد كدهم وقحطهم.
أذكر حين كنت نائبا لمليك مسئولا عن تلك العربات الفارهة ذات خيول العالية التي تأتي في نهاية اليوم لتحصد ما صنعنا، كنت رافضاً كل ما يقوم به من أعمال التسخير غير عابئ بجبروته الذي تحكي عنه كل المدن المجاورة، رافضاً تلك اللقيمات التي يلقيها للعمال بعد العمل، لم يكن يجرؤ أحد من الحواشي حينها أن تطال يده العمال، كنت المدافع عنهم بحكم نفوذ أبي في أحدى المدن المجاورة، كنت كذلك حتي حانت لحظة التقاعد بعد أن سحبتني هذه الآلات الحادة أسفلها ذات يوم لتمحو أثر نصفي السفلي من حينها وأنا لا أرى النور ولا يعرف أحدٌ شيئاً عني فأنا في غربتي ووحشتي هذه أكمل ليلتي حتي صباحي لأرى المؤنس الوحيد لي… عمال المدينة.
تغير مفاجئ في حراراة الجو.. تصعد شمسٌ عنان السماء فتكسو أشعتها أفق المدينة، يثبت التراب أرضا، شئ من الأمل يغدو وجوه العمال، نشاط في منتصف اليوم على غير العادة، تعدو الآلات ويحاول العمال أن يلحقوها، يكف الرضع عن الصراخ و يتحدث الأطفال بصوت عال دون همهمة، تظهر على مليــــــك اضطرابات كنت أراها عندما كنت أوبخه فلا يستطيع أن يردني، يحاول الحواشي أن يتداركوا لحظة الإنتشاء هذه ولكن يشتتهم صراخ أحد العمال.. إنه مشهدي منذ سبع سنوات أسفل تلك الآلة اللعينة التي طالما وبًخت مليكا علي عطلها، الصراخ يزداد ويزيد الألم في نصف ساقي المتبقي وكأنه يحدث الأن فيها.. يهرع الجميع إليه.. ينتهز الحواشي الفرصة.. تقرع السياط المساعدين والمتعاطفين.. الجلد مستمر علي كل صغير وكبير، رضيع يكتم عن الصراخ فجأة.. أمه ثكلي تنوح.. لا يسمعها أحد.. تهرول إلي زوجها الذي أُفْحِمَ قرعاً.. يستدعي مليك العربات التي اضطربت خيولها وسط الضجيج فيطيح “غراء” أحد خيولي الأصيلة بمليك مهرولا نحوي.. يقف أسفل النافذة ويتلقاني فوق ظهره.. تتناثر السبائك علي الأرض.. الحواشي إلي الذهب.. العمال نحو مليك.. يصــــرخ.. فلا يسمعه من الحواشي أحد.. يزداد صراخه.. فلا يبالون.. يعلو ويختنق.. يرى الآلات سريعة.. يرى جسده فيهـــــــــــــــــا.. أشـــــــــــــــــــــــلاء.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

«الصيفُ الحارق» قصة لـ «سفيان البوطي»

الصيفُ الحارق سفيان البوطي/ المغرب شهر أغسطس، شهر ساخن بكل التفاصيل. ” ممتد طويل، بالمْحَايِنْ …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend