الرئيسية / أبيض وأسود / الطريق إلى «سواكن».. يوميات ضابط كان هناك

الطريق إلى «سواكن».. يوميات ضابط كان هناك

ترجمة وإعداد- الفاضل أبوعاقلة – السودان

“سواكن 1885: مخطوطة لحملة هذا العام”، هو عنوان الكتاب الذي يسرد يوميات الضابط البريطاني غامبير باري (1853 – 1936) خلال رحلته إلى السودان عام 1885، ضمن الحملة البريطانية المرسلة لمواجهة القوات السودانية بقيادة الزعيم الديني محمد أحمد المهدي، الذي ثار ضد الحكم التركي/ المصري، وأنهى وجوده باستيلائه على العاصمة الخرطوم وقتل الحاكم الإنجليزي الجنرال شارلس غوردن. صدر الكتاب في العام 1885، ويضم أحد عشر فصلًا.
ومع أن الكاتب شدد منذ البداية على أنه ليس أديبًا، بقوله: “ذهبت إلى سواكن أحملُ سيفًا وليس قلمًا”؛ إلا أن الكتاب جاء غنيًا بالتفاصيل والوصف الدقيق للأحداث والأماكن. حيث استهله باستعراض رحلة الإبحار من الساحل البريطاني وصولًا إلى ميناء سواكن شرقي السودان، وحرص في البداية على وصف الجو العام في بريطانيا آنذاك نتيجة الأحداث التي وقعت في السودان، وكان طرفًا فيها عدد من الضباط الإنجليز العاملين في خدمة الدولة الخديوية. يقول: “في تلك الأيام المظلمة، نحو نهاية شهر يناير/ كانون الثاني، وصلت أنباء إلى إنجلترا، تفيد بأن جهود جنودنا على النيل قد أخفقت بسبب الخيانة التي حدثت في الخرطوم. ولعدة أيام، بتنا نتلقى تقارير متضاربة فيما يتعلق بالوضع الحقيقي. فيقال تارةً إن غوردن نجا من المجزرة الجماعية وانطلق نحو خط الاستواء، وتارةً أخرى يقال إنه كان يدافع عن نفسه في كنيسة، ثم سقط بعد ذلك”.

جهز نفسك لسواكن!

وجدت الحكومة البريطانية نفسها مدفوعة إلى إرسال المزيد من القوات إلى السودان، ولعبت الصحافة في ذلك الوقت دورًا في حشد الرأي العام في هذا الاتجاه. وكان غامبير يتوق إلى أن يكون واحدًا من “المحظوظين” الذين سيسافرون ضمن هذه البعثات، يقول: “كنت أسير في الشارع أفكر في أولئك المحظوظين الذين سيبحرون في الأسبوع المقبل، متمنيًا، مثل أي جندي آخر، أن أتمكن من الحصول على مكان بينهم بطريقة أو بأخرى”.
في هذه اللحظة جاءه صبي التلغراف ببرقية من القائد العام ليستعد للمضي ًإلى سواكن، وتأمره: “قدِّم نفسك غدًا صباحًا قبل كل شيء”.

في غضون أيام وجد باري نفسه وسط الجنود على متن السفينة الذاهبة بهم إلى أرض لم يروها من قبل. وهي تجربة أفرد لها مساحة كبيرة في الكتاب، وصف فيها حياة الجنود ومشاعرهم، وكيف يقضون الرحلة بين التدرب على السلاح والترفيه.

الطريق الكئيبة بعد بورسعيد!

أسهب الكاتب في رصد التغيرات التي كانت تعتري مشاعر الجنود وتسجيل معنوياتهم وفقًا للتغيرات الطبوغرافية والبيئية التي يمرون بها في رحلتهم الطويلة. ففي أعقاب مغادرتهم ميناء بورسعيد مثلًا، كتب معبرًا عن استيائهم من “الطريق الكئيب” على طول القناة إلى السويس: “استخدمتُ عبارة “الطريق الكئيب” لأن هذه الرحلة ستكون مرهقة جدًا؛ فالسرعة تقتصر على خمسة أميال في الساعة، مع تجنب التوقف المستمر، وخطر الاصطدام، والتوقف الإلزامي لفترة الليل بعد الساعة السادسة مساءً”. كما أنهم لم يكونوا محظوظين جدًا- على حد تعبيره- لأنهم وبمجرد وصولهم إلى المحطة الأولى، التي تبعد سبعة أميال من بورسعيد، علقت السفينة التي أمامهم ولم يتمكنوا من انتشالها مرةً أخرى بالرغم من الجر والسحب. يقول: “لم يكن هناك من شيء لفعله حيال ذلك، أخذنا رجالنا إلى الشاطئ في فرقٍ مكونة ٍمن عشرين رجلًا، وقمنا بتدريبهم على إطلاق النار على بعض الأهداف المحددة على أشكالٍ من صناديق البسكويت القديمة. وقد أبقانا ذلك منشغلين حتى حلول الظلام، عندما عدنا إلى متن السفينة أملًا في حظ أوفر في اليوم التالي”.

الملاحة السيئة في قناة السويس

ويتحدث الضابط بتفاصيل أكثر عن الظروف السيئة للملاحة في قناة السويس في تلك الأيام وتكاليفها الباهظة، وانعكاس ذلك على تكلفة إرسال الحملة إلى السودان. ثم يتوقف عند “بحيرة المنزلة”، التي مرت بها السفينة بعد اجتياز قناة السويس، لافتًا إلى أنها “بحيرة سيربونيان القديمة، حيث بدأ الطاعون العظيم في القرن الخامس قبل الميلاد، الذي بعد ذلك عصف بأثينا، ومن المفترض أيضًا أنه كان المنشأ لجميع الأوبئة التي اجتاحت آسيا الصغرى بعد ذلك وعبرت إلى أوروبا في العصور الوسطى”.
وعندما تمر السفينة بمحطة القنطرة، التي تمتد مباشرةً من القاهرة إلى القدس، يسجل الضابط ملاحظاته حول “العدد القليل من أكواخ القصب والطين المحاذية للعبّارة”، ويتحدث عن “الجمل” الذي يرونه لأول مرة لكنه “سوف يكون صديقنا في المستقبل”.
الإبحار البطيء للسفينة تحت أشعة الشمس الحارقة، دفعهم إلى التوقف تمامًا عن العمل في منتصف النهار، وتأدية العروض العسكرية إما في وقت مبكر أو متأخر. ويضيف: “أما بقية الوقت فكنا نقضيه في دراسة الخرائط وقراءة الكتب عن السودان. تم تزويدنا بأربع أو خمس خرائط لسواكن والمناطق المحيطة بها، وأيضًا الطريق إلى بربر. كل هذه كانت قد طُبعت على قماشٍ أبيض، كما حصلنا جميعًا على بعض المفردات الإنجليزية العربية، وتقرير عن المقاطعات المصرية في السودان والبحر الأحمر وخط الاستواء، صادر عن إدارة الاستخبارات. كانت المفردات العربية بالنسبة إلينا متعة لا غاية لها، وكانت قهقهات الضحك تُسمع عالية أثناء تعلم النطق، حيث بُذلت جهود مستمرة لمحاولة تعلم نطق بعض الكلمات غير القابلة للنطق”.


ويستكمل الضابط وصف مسار الرحلة: “قبيل غروب الشمس وصلنا إلى بحيرة التمساح، ورأينا إطلالة الإسماعيلية، لكننا لم نتوقف هنا، بل تابعنا عبر البحيرة إلى القناة مرة أخرى، حيث رسونا لقضاء الليل بين الضفاف العالية في جو خانق. وفي صباح اليوم التالي، وتحديدًا في السابعة صباحًا، كنا ندخل البحيرات المُرّة، أو مياه مراح، وسُررنا أن ندخل في هذه المساحات الواسعة من المياه، حيث أصبح باستطاعتنا تسريع وتيرتنا قليلًا. حظينا بإطلالة جميلة من “جبل جنيفة”، الذي يمتد على طول الجانب الغربي من البحيرات وخمسة أميال إلى الداخل. أي تقريبًا مسافة عشرين ميلًا أو أكثر خلال هذه البحيرات. ومن ثم تدخل إلى الجزء الأخير من القناة مرةً أخرى قبل مشهد طويل من جبل النجاة، أو جبل عتاقة، على السفح الذي تقع فيه مدينة السويس. الجبل الذي يفترض أن الإسرائيليين عبروا البحر الأحمر من قاعدته. كنا خارج القناة قبل الساعة الثالثة مساءً، وفي مرسى ميناء السويس قبل الساعة الرابعة عصرًا (الرابع من مارس)”.


ويصف ميناء السويس في ذلك الزمن بقوله: “ميناء السويس متصل بالمدينة ببرزخ ضيق يبلغ طوله ميلين تقريبًا، ويمتد على طوله خط سكة الحديد. وقد تحولت مساحة مفتوحة كبيرة مجاورة للرصيف الرئيس إلى مستودع للجمال، التي تم جمعها من جميع أنحاء مصر، وجُلبت إلى هنا ليتم وسمها استعدادًا لإرسالها إلى سواكن. لم يكن لدينا وقت كافٍ للذهاب إلى الشاطئ، تمكنّا فقط من الحصول على رسائلنا الأولى من إنجلترا قبل أن نعود مرة أخرى. عندما كنا في الميناء جاءت ثلاث وسائل نقل أخرى، ولما ابتعدنا مرة أخرى في الساعة السابعة، بدأ الجنود على متن السفينة يهتفون بحماس، وأُرسلت القذائف، وأُشعلت المصابيح الزرقاء، وعزفت الأبواق موسيقى “أدفانس” و”تشارج”. بالطبع كنا جميعًا نهتف مرددين حتى بحت أصواتنا وصارت كالنعيق”.

لم تكن الرحلة سلسة تمامًا، إذ اعترتها صعوبات أخرى بجانب تغيرات الطقس والملل وتأثير الترقب والقلق على اتزان المسافرين، يصف الضابط جوانب من هذه الصعوبات: “كنا أول سفينة تغادر إنجلترا، وكنا حريصين جدًا على أن نكون أول من يصل إلى سواكن؛ لذلك فقد كانت خيبة أملنا كبيرة جدًا عندما اكتشفنا فجأةً، أننا نسير نحو الموت البطيء، وأن ثمة خطأ ما في محركاتنا. في صباح اليوم التالي تم إصلاح العطل، وعلى الرغم من أننا فقدنا قليلًا من حماسنا الذي كان لدينا في البداية، إلا أننا لا زلنا متقدمين عن السفن الأخرى. بدأنا جميعًا نشعر بالحرارة الشديدة، وما إن تهب بعض من نسمات الرياح خلفنا في منتصف النهار حتى نتوق لاستنشاق القليل من الهواء. عندما وصلنا إلى خليج السويس، كان الساحل يمتد معنا طوال الوقت. كان وعرًا، وكانت الجبال تبدو عارية تماما ًوجرداء، وليس هناك ما يدل على وجود شيء من الخضرة في أي مكان. اليوم التالي كان جافًا، ولكن الرياح لا تزال وراءنا. دائمًا ما يكون الجفاف أكثر أو أقل في البحر الأحمر، ومن المرجح أن تهب رياح قوية إما للأعلى أو للأسفل. كان المد عاليًا بما فيه الكفاية لجعل البعض منا يشعر بعدم الارتياح. كنا قد فقدنا مشهد الساحل منذ مغادرتنا خليج السويس، ولكن مع غروب الشمس وسط ضبابِ مساء يوم السادس من مارس، لاحت لنا بعض الجبال العظيمة. عندها، علمنا أن نهاية رحلتنا تقترب، وأننا في صباح اليوم التالي سنودع حياة الراحة في السفن. سنصبح قبالة سواكن”.

الشعور بالغربة

نال الطريق إلى سواكن، وصفاً تفسيرياً من الكاتب، إذ يخبرنا أنه لتعبر الشعاب المرجانية المؤدية إلى سواكن، فهناك ثلاثة ممرات مختلفة: “الممر الشمالي هو أقصر الطرق للسفن القادمة من السويس، وهو كذلك أخطر الممرات الثلاثة ويبلغ طوله تسعين ميلاً. أما الممر الجنوبي فهو بطبيعة الحال أكثر الطرق مباشرةً للسفن القادمة من الهند، وهو أقصر إلى حد ما، حيث لا يبلغ طوله سوى ستين ميلاً. في حين أن الممر الأوسط هو أقصر الطرق وأيسرها، حيث يبلغ طوله ثلاثين ميلاً ويعد ملائمًا للقادمين من جهتي الشرق والغرب”.
يستطرد الكاتب ليخبرنا عن دخولهم إلى الميناء قائلاً: “عندما سلكنا الممر الأخير كان قائدنا شأنه فى ذلك شأن معظم الناس، يشعر بالغربة في المكان، حيث كان الجو صباحاً حار جدًا، وكان الهواء مفعماً بالضباب الساخن، لذلك لم نكن نرى اليابسة حتى نصير بالقرب منها إلى حد ما، ومن ثم لأميال وأميال في الصحراء ظهر أمامنا امتداد من الجبال الشاهقة.
كلما اقتربنا يصبح بإمكاننا رؤية مخيمات الجنودعلى بُعد حوالى أربعة أميال، على اليمين واليسار”.


بعد الوصول إلى المدينة، يعطينا الضابط باري، وصفاً عاماً لميناء السودان ومنفذه على البحر الأحمر في ذلك الوقت: “تأسست سواكن كميناء رئيس للسودان المصري ومحافظات النيل، إلا أنها كانت تخضع سابقًا لتركيا، ولكن في عام 1865 تم بيع الميناء لمصر. يعتمد السكان فى إمدادات المياه على بئرين أو ثلاث آبار على بُعد ميل واحد من المدينة، وكذلك على مياه الأمطار، التي يتم جَمعها خلال الموسم، لكنها ليست جيدة لاحتوائها على كمية كبيرة من الملح. قُرب نهاية موسم الجفاف، عندما يصبح الماء نادراً جداً، فإنه يتحول إلى قوام سميك ويصبح لونه بنياً داكناً.
في أوائل الخريف، يكاد المناخ يكون قاتلاً بالنسبة للأوروبيين، حيث يُعاني السكان الأصليون أنفسهم إلى حد كبير من المرض، وأكثر الشكاوى انتشارًا بينهم هي أمراض الدوسنتاريا والحمى المعوية.
وتُضيف البُحيرات الضحلة والمُستنقعات الرطبة التي يصنعها المد والجزر، معضلات أخرى لصحة السكان، إذ تُترك هذه البحيرات مُعرضة لأشعة الشمس الحارقة، كما أنها مُمتلئة بالقذارة، ورائحتها كريهة بسبب الطين المتخمر في الحرارة”.

محرقةً بريَّة جافة

في العموم، يرى باري أن البلدة بأسرها تعتبر “محرقةً بريَّة جافة بدون أي غطاء نباتي باستثناء شجيرات مُتيبسة في الصحراء”. يقول: “أؤكد أن هذا المكان هو الأكثر سخونةً بين جميع الأماكن التي رأيتها من قبل، السماء مثل صفيحة نحاسية كبيرة مصقولة فوقنا، بأشعة شمس حارقة تلهب الرمال القاحلة”.
في سواكن، اطلع الضابط باري على بعض التقارير خلال الأشهر العشرة التي سبقت وصوله؛ لقد فقدوا ألفاً وأربعمائة رجل من الكتيبة.
ويعود الكاتب ليفصِّل مرة أخرى في الأمراض المتوطنة التي أضرت بالجنود: “أكثر الأمراض انتشاراً هو الحُمى المَعوية، والحُمى المُتقطعة، والحُمى المُستمره البسيطة (بما في ذلك حُمى التيفوئيد)، والدوسنتاريا والإسهال، والوهن بتأثير الشمس الحارقة على الرأس. ما دعاني للتضرع إلى الله بألا يعود الجندي الإنجليزي الذي يترك هذه الشواطئ إليها أبداً”.

وصف السكان المحليين في سواكن

وعن السكان المحليين في سواكن، يبذل الكاتب وصفاً على شيء كبير من الدقة، لم يهمل فيه تفاصيل الملبس والزينة والعادات؛ يقول: “هناك عرب ينتمون إلى جميع القبائل المجاورة: هدندوة، فضلاب، بني عامر، بشارية، عبابدة. وهناك أيضاً عدد من الصوماليين. فهم من الطبقة الزنجية إلى حد ما، مجردين من ملابسهم باستثناء قطعة قماش يرتدونها لستر العورة. أما النساء فعلى الأقل يسترنْ بعض أجزاء أجسادهن فيغطين وجوههن بثوب أبيض رقيق، يلففنه حول أجسادهن ورؤوسهن، وهؤلاء في الأغلب هن المتزوجات. النساء أجسادهن بدينة في أغلبها، وجميعهن يرتدين الحُلي الذهبية على أنوفهن وآذانهن، ومن الواضح أن من يثقبن أنوفهن من أجل وضع هذه الحُلي لم يكن لديهن أي مخاوف بشأن تدمير الجمال”.
لفتت الطريقة السودانية في تصفيف الشعر انتباه الكاتب، حيث وصفها عند النساء والرجال: “شاهدت بعض النساء اللاتي يجعلن شعورهن في شكل عجيب، وهي طريقة التصفيف الأكثر شيوعاً (المُشَاط). أما رؤوس الرجال فكانت أكثر غرابة، إذ يسدلون الشعر المُجعَد لستّ أو ثماني بوصات على جانبي الرأس، أما الأولاد من العرب فيحلقون رؤوسهم باستثناء قطعة واحدة من الشعر، التي يسمح لها بالنمو طويلاً”.
قبل أن ينتبه إلى عادة الشلوخ التي انقرضت اليوم في أكثر السودان، لكنها في ذلك الوقت كانت مهمة كونها تحدد الانتماءات العرقية لمن يضعونها في أكثرها، وأحياناً توضع للزينة فقط، وهي جروح طولية أو عرضية بأشكال مختلفة توضع على كل خد مثل الوسم.

 

نقلا عن مجلة «تراث»

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

ياسين أحمد سعيد يكتب: مرة واحد صعيدي واقعي.. في عيد الحب

بسم الله الرحمن الرحيم إلى ياسين ذو السبعة عشرة صيفًا، هيه يا صاح، أفتقدك بحق، …

Send this to a friend