الرئيسية / إبداع / «ذاكرة فراقي».. قصة «وسام مجدي»

«ذاكرة فراقي».. قصة «وسام مجدي»

قصة: وسام مجدي

كانت كأي أنثى عرفتها من قبل إلى أن جاءتني تمشي على استحياء مبتغية زواجي منها، بعد رحلة حب منقطعة تفرقنا فيها السنون والأيام، كانت البداية أسفل هرم إحدي زوجات الملوك الثلاثة بالجيزة، يوماً لن أنساه فيه استطعت أن أحدثها لأول مرة بما يحدثني به قلبي، كانت الفرصة سانحة أكثر من أي وقت، سكنت السحب البيضاء شريحة السماء، وعاد ربيع المنطقة القديم إليها فزينت أزهار اللوتس قمم أعمدة المعابد العتيقة، ومدً قرص الشمس أجنحته الملونة يمينا ويسارا علي مداخلها وكأنه ريم للتو، كانت قد فارقت فَوْجَنا المتابع لأستاذنا يشرح الحضارة القديمة ويسهب في الوصف واختلت بنفسها ولاصقتْ جزعها بجزع شجرة خضراء نبتت في تلك الجبانة العريقة فكوًنا معاً أجمل طبيعة شهدتها عيني أثارت بداخلي جرأة دفعتني للوصول إليها؛ أرادت أن تبتعد قليلا فحاولت صعود درجات الهرم المغبرة بالآف السنين، ساعدتني رشاقتي فسبقتها بدرجة ومددت طول ذراعي  فغرق كف يدها بكف يدي كما تنساب المياه على شواطئ البحار البيضاء، استنشقنا معا حب الفرعون الأكبر لزوجاته، لعشقه لهن كي يشيد لهن تلك الأهرمات وليحفر لهن حجرات يخفيها عن أعين لصوص المقابر يعبأها بالذهب الخالص الآت من محاجر سيناء البعيدة لتشهد على عميق عشقه، تُشهدني هي  كل ذلك وتُشهدني علي أن أحبها هذا الحب.

 حٌمِلنَا بأثقال الحب فزادت كثافتنا لنهبط أسفل الهرم، تتشبث بيدي لتهبط شسعات أحجار الهرم التي غلبتها عوامل التعرية لألتلقاها في أخر درجة بين ذراعيً المشتاقة، نهبط أكثر لننسي كل الأحياء الزائرين والأموات القابعين بالجبانة، تضمر هيبات الفراعنة الكبار، وتطل ملكاتهن وأميراتهن من توابيت أُحْكِمَ غلقها في أزمان بعيدة، ألمس ذلك الخد الناعم وأعترف بحبي الساكن داخل قلبي.

 عُدُت من تلك الزيارة مشتاقاً للكتابة فأجزمت في مذكرة كتبتها أنها هي تلك التي بَحثت عنها في بحور الكتب وشطئان العشق القديمة فلم أجدها رغم كثرة ما قرأت عن الأحبة، لم أقتنع بأي منهن فلم تجن “ليلي” جنوني، ولم تلهمني “عبلة” لأكتب شعراً يهيم فيه أحبةَ العرب، ولم تحفر جوليت بداخلي عينيها الخضرواين، واليوم وجدتها.

استيقظت باكرا في اليوم التالي على غير عادتي، وكان كل شئ من حولي يضحك حتى وطأت قدماي أرض الكلية ولم أرها كما وعدتني،  انتقلتْ إلي كلية أخري دون علمي، فافترقنا، فرقتًنَا طرقات الجامعة الواسعة ومواعيد المحاضرات المكدسة حتى أنني ام أكد أراها،  فعدت وكتبت أنها ليست هي، كنت مخطئا.

بعد واحدةٍ من المحاضرات الدسمة وقفتُ وسط زملائي تائها فيما يقولون عن المحاضرة التي لم أنل منها إلا القليل فلم أعد ألق بالا إلا لأفكر فيها  ولأراها مرة أخري، سمعتُ  همساً  يناديني  من خلفي فتوقفت كل جوارحي عن العمل عدا أذناي التي شرعت تسمع لنبضات قلبي تسارع بعضها داخلي لعلها تظفر بسماع ذلك الهمس مرة أخري… تعالي الهمسُ ليصير صوتاً رقيقا عادت به جوراحي للعمل مرة أخري، استدرتُ لأجدها وقد تألقت كعادتها  رغم بساطة زوقها في ملابسها عن أقرانها… راحتْ نظرات الواقفين تخترقنا لتصنع منًا لوحة تشكيلية يدقق فيها الناظرين لعلهم يصلوا لعقل الفنان الباطني الذي أخرج هذه اللوحة للوجود، قَطَعُت  نظراتهم فضممتها إلي تلك اللوحة وخرجنا منها معا إلي ركنٍ يأوينا ويحمينا من تلك النظرات الحاسدة، جَلسَتْ تلملم أطراف ثيابها الفضفاضة بجانبها وطلبت مني الجلوس إليها فلم أتردد، أستجيبُ لقدراتِ القدر الذي جمعني بها مرة أخري…  ذَهبتْ في الحديث مترددة، تَعثًرَ لسانها في البداية، إلا أنها تمالكت فأكملت ما أثرت السكوت عنه أسفل الهرم من قبل، جاءت لتبعث روحي من جبانة الجيزة فأدخل حقولها الخضراء دون عقاب.

   – لن أجد مثلك ثانية.

 هكذا بررتْ في خجول أحمرت له وجنتيها فظلت ترسل عينيها بعيدا، عينان نُسِجتْ حولهما أساطير دفعتنا الحاسدة بنين وبنات، أذهب في قـــدٍ أختفت ملامحه أسفل عباءة فضفاضة تعبث بها كأنها تغزلها من جديد… تعدل من حجابها الوردي ليلائم أسيليها المشرقين… لينيرا لي ظلمات طرقاتي القادمة، ثغرٌ يحمل نغزة تنفرج فتشرق معها شمس الحياة، كادت تهم للقيام أثناء غفوتي ولكني أمسكت بها وأبحت بحبي مرة أخري، بما يناجيني قلبي ليلا منذ زيارتنا الأولي… هدأت تلك النبضات التي كانت تعدو خلفها بداخلي، وقمنا معا كطائرين خرجا من قفص أُحكم غلقه لفترات وظللنا نحلق في أفاق لم نكن ببالغيها إلا بشق الأنفس، كنًا كلما أسرعنا أبطئنا وكلما جدينا ضحكنا وكلما تجاذبنا تصالحنا… في أسبوع واحد تولدت بيننا مودة ورحمة لم تولد لزوجين منذ سنوات.

ومن جديد رحت أكتب أنها هي، وأجزم أنني لن أستطيع العيش بدونها، ذابت بداخلي مشاعر لم أذقها من قبل: فرحُ تدمع عيناي من شدة الفرح، مهموم تبتسم شفتاي لرؤياها، أصمت طويلا لأعلن حديثا لا أنهيه إلا عندما أشعر بملل الجميع من حولي، لا أفتأ أنام إلا وأستيقظت، لم أحس شتاءا أحسته أمي وأخوتي فلم أبرح نافذتي أرنو إلي ما تلألأ في السماء كما تتلألأ حينما أراها.

تعددت المقابلات بيننا ولم تعد تلك المساحات الواسعة  لتفرق بيننا لا بجداولها ولا مواعيدها، لكنً شبحان كانا يصٌرا علي ذلك الفراق، كانا معنا منذ المقابلة الأولي، وكانا يحطًا عندنا في كل مقابلة، تربيا معي منذ صغري وتعلمت منهما الكثير.. تعلمت منهما أنه ليس بمقدورنا أن نغير الأقدار، أن نخطف الأبصار إلينا رُغم أصحاب الأبصار، أن نختار من نشاء، أن نأكل ونلبس ما نشاء، عارضاني كثيرا، وضيًعا عليه الكثير حتي تململت منهما؛ أما هما فلا… كانا خلال هذا الأسبوع يقتربا يحملقا، يحقدا، ويحسدا وكلما طردتهما عاودا المجئ وكلما جاءا أضطربت، فتسألني… فأنسحب… أهرب ولا أجد مأوي إلا تلك العينين… أغدو فيهما وأروح حتي أشبع قلبي منهما… حتي كان أخر الأسبوع.

الجامعة كالصحراء الجرداء في وسط الشتاء، جلست في أضطرابي كعادتي… خوفٌ يشل ثقتي عن أن أرفع هامتي أمامها، رعشة المريض قبل الدواء، وفقر السائل عند الإعطاء، جلستْ في أستحيائها المعتاد مع مسحةٍ من الاستغراب للموعد…جلس شبحاني يرمقان… يُرغماني علي الحديث… يَبتزان حبي لها ويراهنا علي انعدام قدرتي في الحفاظ عليها لشخص أخر يسعدها، يبدو أنهما سينتصرا اليوم، وليس بمقدور أي منًا أن يطردهما… رحتُ أنطق :

  • لن أستطيع أن أكمل.

أطبق  صمتنا علي  المكان، وأزبلَت ورود الشجر وسقطت ثمارها جدباء، واختفي ربيع الجبانة القديم، و أطلق الخريف صافرة قدومه مبكرا… اعتلت الغيوم سحب السماء حتي اختفت الطيور من هول السقيع… ما زالتْ لا تعي من أين جاءت الصاعقة ولسان قلبها “كيف تأتي الخيانة علنا؟، كيف لنهر النيل العذب أن يصير ملحا أجاجا، مابال نسوة الفرعون الأن هل يسمعون أنًات  قلبي المقتول، وما بال الفرعون هل طعنهن كذلك من قبل؟ كيف تتحول هكذا؟ ولماذا؟ أعلم بحالك وأرضي به”.

 أعلنتْ رفضا رقيقا مثلها مسهلةً  كل الأمور… كل مناحي الحياة القادمة لكنها لا تعلم شئيا، لا تعلم أنهما إذا اجتمعا فرًقا، لا تعلم أن ثمن الدواء يمكن أن يكفي معيشتنا أنا وهي شهرا وأنني حتي لست قادرا علي شراءه، أعلنتُ صمتي الطويل فإنسحابي… فهروبي… ولكن عينيها لم تعد مأويً اليوم فرذاذ الدمع يتطاير والأحداق تأبي أن تمسكها…. فلجأت إلي ذلك الأسيل فوجدته مبتل، حاولت أن أبسم ثغرها إلا أنه أبي… “كيف لها أن تكون جميلة في فرحها وحزنها هكذا؟ سأفتقد كل قطعة حب تشكلت فيها”…  حاولتْ أن تقنعني مرة أخري فليست محتاجة إلي ذلك الجاه الذي أريده لها… لكنً شبحاي كانا أقوي، أطبقا علي كجبلين فتهشمت كل مشاعري… حمالاني من موضعي… أحسست بهمسها… بأناملها الرقيقة… ولكني لم ألتفت شاقاً عناني وسط أمطار غزيرة.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

«لن أتذكرك أبدا» قصة لـ «عادل عصمت»

لن أتذكرك أبدا قصة: عادل عصمت ماذا يحدث لو كان – هو- من يسير باتجاه …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend