الرئيسية / قرأتُ لك / منتصر أمين يكتب: «زهر الليمون»

منتصر أمين يكتب: «زهر الليمون»

بقلم: منتصر أمين

منتصر أمين

“أنا لا أنكش الماضي. هو الذي ينكش نفسه. هو الوحيد الذي يسكن معي هنا..”
بين “اليوم خميس وغدًا جمعة” قرأت رائعة الكاتب/ علاء الديب “زهر الليمون” الصادرة عن دار الشروق.. الرواية صغيرة الحجم تقع في 107 صفحة فقط، لكنها تحتوي على رحلة شيقة وشاقة قطعها “عبدالخالق المسيري” الشخصية المحورية في النص.. والرحلة هنا هى رحلة بحث واكتشاف، رحلة نحو الآخر، ورحلة نحو الذات.. رحلة فى الزمان والمكان، فى الماضى والمستقبل، فى المشاعر والأفكار، فى الحقيقى والخيالي..
“إنما الناس سطور كتبت لكن بماء..”
تدور أحداث الرواية حول زيارة “عبد الخالق المسيرى” إلى القاهرة، منطلقًا من مدينة السويس، التى استقر بها ـ موظفًا فى قصر الثقافة ـ قبل أربع سنوات، هربًا من ماضيه المخيف، محاولاً ترتيب علاقته به، وتكييف نفسه مع واقعه الذي يحياه.. فى هذه الزيارة، التى تستغرق خميس وجمعة، يمر “عبد الخالق” بمجموعة المواقف..
“لا يتحدى التراث القديم ولا يناقشه، لكن الأشياء تداخلت وفقد الكلام معناه. هو لا يصنع شيئًا لا يقوم بأي عمل، فلماذا يذكر هذه الأفكار القديمة؟..”
أولها حين يستيقظ في غرفته ثم يتجه إلى محطة السفر بالسويس، ليلتقي صدفة مع زميله الذي يعمل في الخليج “مصطفى الكردى” برفقة أسرته.. ثم الوصول إلى القاهرة وتحديدًا منطقة وسط البلد، التى استقبلها واستقبلته بحميمية شديدة..
“لا يريد شيئًا من كل هذه الأشياء التي يتكلمون عنها. عليهم أن يتعلموا ألا يتكلموا في أشياء لا تخصهم. مالهم هم ومال البلد، مالهم ومال الناس. لم لا يتكلمون فقط عن نقودهم ودولاراتهم..”
يحط رحاله بعد ذلك فى بار الأمراء، يجلس منفردًا إلى أن يلتقى برفاقه القدامى.. ينتهى هذا اللقاء بمشاجرة عنيفة بينه وبين أحد الرفاق.. يخرج على إثرها “المسيرى” مع رفيق آخر “فتحي” بـ “هيئة جيش مهزوم”، متجهين إلى منزل الأخير، ليقضى معه وقتًا، بحضور زوجته “فريال” المعادل في القصة للمرأة المصرية الأصيلة.. يغادرهما بعد حين، تاركًا صديقه فى حالة خلاف مع زوجته لرغبته في جمع المال وسفره للعمل بالكويت..
“تلك الرغبة الفاسدة، المفسدة في السفر بحثًا عن المال. من زرعها، وكيف تنمو هكذا في كل مكان. من الذي سيبقى إذن؟ أين البيت؟ أين الوطن؟.”
يجلس بعدها وحيدًا على مقهى تغير حاله، و “صار كازينو”.. يقع فى حضن الجبل، بالقرب من شارع صلاح سالم.. ثم يفضل التوجه إلى حي الحسين؛ ليشترى الجرائد، كعادته فيما مضى.. هناك يصادف صديقه الرسام “حمدى عبد المجيد”، ومعه ثلاثة من الأجانب.. يرافقهم بعدها إلى شقة “حمدى”، حيث يمكث حتى مطلع فجر الجمعة..
يذهب بعدها إلى منزل عائلته في الدقي، يلتقى بأفرادها (أمه المريضة الراقدة، أخيه سعيد، وزوجته قدرية، وابنهما طارق المسيرى).. يعود بعدها “المسيري” إلى ميدان التحرير، ويجلس على أول مقهى يعرفه، ثم يتجه إلى ورشة صديقه الحميم “أحمد صالح” بالأزهر، يودعه “المسيري” بقلق على قلبه المعتل، عائدًا إلى السويس.. وتنتهى الرحلة لحظة استلقائه على السرير، وقد وضع يديه تحت رأسه، وعيناه مفتوحتان، تحدقان فى السقف..
“منذ مدة لم أعد أتذوق اللون الأخضر، لم أعد أذكر أن في حياتي ألوانًا.. إنني أتردد في خط لوني قصير: يبدأ بالأبيض ويمر بالرمادي، ينتهي عند الأسود. أين ذهبت باقي الألوان؟. ”
الرواية كما وضح مما سبق اعتمدت على مسار دائري (بدأ البطل رحلته من حجرته، وإليها إنتهى).. إمتلأت صفحاتها بالشجن والحزن على ما فات، والألم على ما وصلنا إليه.. لا أعلم سببًا لذلك الانطباع الذي لازمني طوال القراءة بأن هذه رواية حديثة تناقش مشاكلنا الحالية!!.. اللغة مميزة للغاية، تتميز بالتكثيف بصورة تقارب أسلوب القصة القصيرة، بإيقاعها المشحون بالتوتر والسرعة.. ويمثل الزمن في هذه الرواية إيقاعًا ممتدًا من بدايتها لنهايتها.. ارتجاعات متناثرة، غير متسلسلة زمنيًّا، إلى الماضى بذكرياته وأحداثه وشخوصه وأماكنه.. تأخذ هذه الارتجاعات شكل التقاطعات المشهدية، كمشاهد السينما.. وتتوزع تلك التقاطعات على كل فصول الرواية لتشكل بذلك إيقاعًا يحكم الرواية حتى نهايتها.. ولا أجد ما أختم به حديثي سوى هذا الاقتباس البديع:
“الشجاعة تنزوي في الأركان، والحياة الشريفة أصبحت تحتاج إلى أنبياء.”
#منتصر_أمين

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend