الرئيسية / أبيض وأسود / ميلاد فليفل يكتب: نجم «الحرفوش والزعيم»
الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم

ميلاد فليفل يكتب: نجم «الحرفوش والزعيم»

بقلم: ميلاد فليفل

 

القدر، إما أن يدفعك إلي الاكتئاب التام، أو السخرية الدائمة. الخيار الثاني، كان من نصيب أحمد فؤاد نجم، وحينما سأله صحفي، “عمرك إكتئبت قبل كدا”، أجاب علي الفور، وبتلقائية شديدة، “وأكتئب ليه؟ شايفني عضو في نادي الجزيرة”، هذا هو نجم الذي كان هلفوتاً غير طبيعي، وحرفوشاً إستثنائياً.

بالرغم من ضآلة بدنه، ونحوله جسده، وعيشة الفقراء والمهمشين التي نهجها طيلة حياته، إلا أنه كان شوكة في حلق ثلاث رؤساء تعاقبوا علي مصر، وصوته أمسي يسبب أرق دائم للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وأرتيكاريا للسادات، وعقبة كبيرة في وجه مبارك.

منذ ولادته لم تكن حياته سوي مأساة متجسدة في صورة إنسان، فماتت أخته التؤام أثناء الولادة، ليخرج نجم فيجد نفسه متهما بجريمة قتل من قبل أن يولد، وبعد ميلاده يسميه والده أحمد فؤاد -اسما مركبا- تيمناً بملك مصر أنذاك، الملك أحمد فؤاد الأول. ويرحل والده في سنوات طفولته المبكرة، وهو ابن خمس سنوات، ويتركه متعطشا لحنان ورعاية، كطفل يتيم، فقير ابن فقير، وتمر الأيام كعادتها، ثقيلة، ورتيبة، ومحزنة، وغير متوقعة أيضاً، ويثقل حمل الطفل علي أسرته، فتقرر إرساله إلي ملجأ للأيتام بالزقازيق، ليصاب بالوحدة والصمت التام، فينهش الاكتئاب جسده، بعد فشله في عنبر صنع الأحذية، فيتنقل بين العنابر، ويقضي العام بعد العام متلقيا لمعاملة قاسية ومهينة، مع ذلك، بدأت روحه تتطلع إلي الموسيقي والطرب، ويستهويه الغناء والشعر، معه في ذلك طفل آخر، إسمه عبد الحليم شبانة، هذا الطفل الذي سيجعل منه القدر فيما بعد علامة فارقة في وجدان الفن المصري، وسيعرفه العالم لاحقا باسم، عبد الحليم حافظ.

قضي نجم من حياته عشر سنوات في الملجأ، بين عام 1936 حتي 1945، وهي نفس الفتره التي يشاهد فيها العالم وقتها صعود راية الرايخ النازي، ومن ثم هزيمة هتلر وانتحاره، يصف نجم شعوره في مذاكراته، بإنه حمل لهتلر حب غير مبرر، ثم معقبا فيقول:”لحد دلوقتي مش فاهم إيه سبب حبي لهتلر، يمكن لأني وقتها كنت أحب أي حد يدي الانجليز بالجزمة “. بعد خروجه من الملجأ، التحق للعمل باحدي التفاتيش الزراعية، التابعة للملك أحمد فؤاد، ليصبح أحمد فؤاد الشاعر، أجيرا عند أحمد فؤاد الملك، ولكن سوء الحظ ظل يلازمه إلي أن تم رفده من عمله، والتحق للعمل بأحد معسكرات الانجليز، في هذه الفترة، بدأ عقله الحائر والمتعطش يبحث عن إجابات عدة، ويكبر بداخله إحساسه الدفين بالظلم، في ظل الاحتلال الأجنبي، والفروق الاجتماعية الكبيرة بين الطبقات، من دون سبب مقنع. وقتها فوجئ المصريون بنداء من النحاس باشا، لترك العمل بمعسكرات الانجليز، للضغط عليهم للجلاء، كان بالطبع نجم هو أول من لبي النداء، وترك عمله فورا، وأدهشه، إذ أنه قد قرأ إسمه في جرائد المساء، كأول عامل وطني يستجيب لنداء النحاس، واستقبله وزير الأوقاف في الليلة ذاتها، بحفاوة بالغة تليق ببطل قومي آنذاك، ووعده بتوفير فرصة عمل له بالسكة الحديد، وهكذا تعاقبت الأيام علي نجم، هنيئة، بكل ما فيها من جوع وشقاء وفقر وعذاب، ومثل أى شاب، تطلع نجم للزواج، فلم يجد أمامه سوي فقر راسخ، هذا ما دفعه لتزوير بعض المستندات، جعلته يقضي ثلاثة سنوات من حياته في السجن، وكما أن الظروف العصيبه تصنع الأشخاص العظماء، فإن سنوات السجن صنعت من نجم فناناً، وكانت بمثابة ميلاده الشعري.

في السجن، تعرف علي سمير قلادة غطاس، ضابط السجن الذي كانت له ميول أدبية، وبعض المحاو لات لكتابة القصة القصيرة، أعجبته موهبة نجم، وكان علي حد تعبيره، “دايما كان فاتحلي مكتبه وقلبه وجيبه أحيانا”، وفي السجن تعرف نجم أيضا علي محمود أمين سليمان، الذي دخل إلي السجن ومن ثم نشأت علاقة آثمة بين زوجته ومحاميه، هذه العلاقة التي دفعت المحامي لتسويف قضيته وإطالة أمدها، وخرج محمود أمين يريد الانتقام وقُتل أثناء محاولاته للثأر، هذه القصه سيسجلها قلم نجيب محفوظ الفريد باسم اللص والكلاب.

حَزن نجم لوفاة صديقة الثائر لشرفه، وكتب بعض القصائد التي جمعها سمير غطاس -ضابط السجن- وطبعها علي حسابه وأرسلها إلي مسابقة الكتاب، وتمر الأيام سعيدة، علي الرغم من رتابتها، إلي ليلة الافراج عن نجم، ويأتيه غطاس، مغتبطاً، وسعيداً، ومهنئاً، “مبروك يا نجم”، برد نجم،”إنت عرفت الخبر؟ طبعا أنا هخرج بكرة”. يجيب الضابط،”أنا مش قصدي الافراج، مبروك ديوانك فاز بالجايزة، سهير القلماوي بنفسها كتبت لك المقدمة، إنت دلوقت حطيت رجلك علي بداية الطريق الصحيح”.

هكذا خرج نجم الهلفوت، ليجد نفسه ظاهره تتحدث عنها أوساط الأدباء والمثقفين، بعدما نال ديوانه الأول نجاحا غير مسبوق.

ملحوظة: كتب نجم في مقدمة مذكراته إهداء لبناته جاء فيه، “إلي بناتي، عفاف ونوارة وزينب، يمكن متلاقوش في حياة أبوكم شئ تتعاجبوا بيه، لكن أكييد مش هتلاقوا في حياة أبوكم، شئ تخجلوا منه، هو ده اعتقادي اللي دفعت عنه ودفعت تمنه بمنتهي الرضا .

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضاً

«طرف الحبل» نص لـ «أمينة حسن»

نص: أمينة حسن             يمكنك أن تتدلى من أقصي طرف …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend