الرئيسية / أبيض وأسود / هند جعفر تكتب: صبري موسى..السيد من حقل الأدب

هند جعفر تكتب: صبري موسى..السيد من حقل الأدب

بقلم: هند جعفر

الكتابة عن “صبري موسى” مثل القراءة له؛ فعل اشتباكي في المقام الأول، على الرغم من هدوء صاحب المداد الذي يقترب من التصوف. إن لم يكن “موسى” هو راهب عالم الأدب العربي؛ فمن هو الراهب إذن؟!
أذكر جيدًا أنني افتتحت أسفار “موسى” بقراءة درة أعماله الروائية القليلة: “فساد الأمكنة”. كان الراسخون في الأدب يتحدثون أمامي عن “فساد الأمكنة” بشغف يماثل آخر رأيته في أعين من تحدثوا عن “موسم الهجرة إلى الشمال” لـ “الطيب صالح”، و”مدن الملح” لـ “منيف”. هو شغف الحديث عن رواية شبه مكتملة، رواية كفت ووفت، لا تحتاج لإشادة ولا لجوائز، لا تحتاج حتى لتقييمات قرائها. وهل يجرؤ أحدهم على تقييم “الجبل السحري” لـ “توماس مان” أو “الأمير الصغير” لـ “أنطوان دو سانت أكزوبيري”؟
لا أنكر أن قراءة “فساد الأمكنة” قد وشمت روحي بندبة لم تنمح لأسابيع بعدها. تكرر الأمر مع “السيد من حقل السبانخ” وتكرر مرة ثالثة – وإن كان أقل وطأة – مع “حادث النصف متر”. في المرات الثلاث كنت أقرأ بمعاناة تليق بأبطال مآسي إغريقية نسجها “موسى” – بحرفة دون ابتذال – بين سطور رواياته؛ فوصلت تلك المعاناة للقارئ كاملة، وهو ما عمد إليه بلا مباشرة ولا تصريح. تجلى هذا في عدم طرحه إجابة شافية عن تساؤلات وجودية طرحها في الأعمال الثلاثة.
جاءت “فساد الأمكنة” وليدة منحة تفرغ لمدة عامين من وزارة الثقافة. بدأ في كتابتها بعد عام واحد من الهزيمة العسكرية. لا أعلم إن كان المناخ العام وقتها في أواخر الستينات هو ما جعل “موسى” يصور بطله مسكونًا بالهزيمة مستسلمًا لها، أم إنها مجرد مفارقة زمنية؟ خاصة وأن فعل الهزيمة الصرف كان سابقا في “حادث النصف متر” 1962 ولاحقا في “السيد من حقل السبانخ” 1982.
“نيكولا”، بطل “فساد الأمكنة”، أوديبي النزعة بامتياز، ملعونًا ذاق مرارة خطيئته ليولد بعدها متطهرًا بفعل الموت، وكغالبية أبطال “موسى” – حتى في مجموعاته القصصية – يدور مثلهم باستمرار في فلك الخطيئة والندم ومن ثم التطهر. تلحف “نيكولا” بجبل “الدرهيب” مناجيًا كل تلك الوحشة التي نسجتها حوله صحراء “صبري موسى”، التي لم تشبه غيرها من صحارٍ أخرى أبدعتها قرائح كثير من كتاب العرب، فضَّل أغلبهم الاقتيات على هبات الفولكلور الشعبي الخاص بكل جغرافيا صحراوية تناولوها. صحراء جاءت مترفعة كصاحبها، موحشة تحمل في باطنها رقة لا تخفى على أعين متتبعٍ لدروبها، جمع فيها الشتيتين؛ فجاء “نيكولا” بطلا تراجيديًا متجهًا إلى الهاوية بمحض اختياره متشبثًا بالموت مدفوعًا إليه. وعلى الجانب الآخر جاءت الجغرافيا والحيز المكاني مشرقيين بامتياز، يتمسكان بتراث الأسلاف بلا جعجعة فارغة. كل هذا صاغه “موسى” في وحدة سردية يغبطه عليها من عافت نفسه القوالب السردية المستهلكة.
أما “هومو”، بطل “السيد من حقل السبانخ”، فهو “بروميثيوس” الزمن القادم؛ عرف ثم عانى، عاش حرا فمات جوعًا. كان هذا هو الثمن.
عندما طرحت فكرة تنفيذ ملف صحفي عن صبري موسى، تحمس لها رئيس تحرير جريدة القاهرة السابق، الكاتب الصحفي سيد محمود، لسبب – أُلغز علي في حينها – صاغه في عبارة موجزة مفادها أننا نعيش زمن حبكات “صبري موسى”. ظلت الجملة عصية على الفهم إلى أن قرأت “السيد من حقل السبانخ” قراءة متأنية، وقتها أدركت أن “هومو” خرج من حيز خيال “موسى”، ليتجسد بأبعاد حقيقية في واقعنا المعاصر.
وللحق، فإنني عند الإعداد للملف، توقعت أن يُنشد الجميع ترانيم “فساد الأمكنة”، ولكن هناك من اختار “حادث النصف متر” وهناك من تحيز لسيد حقل السبانخ. وكنت أنوي الكتابة عن سينما “صبري موسى”، وخاصة تجربة “البوسطجي”، التي قال عنها “سامي السلاموني”، في مقال له عام 1983: “إنها التجربة العالمية التي اتسمت بالبراعة والعمق في آن واحد، والتي كان جديرًا بها دفع صاحبها للاستمرار بقوة في مجال كتابة السيناريو، ولكن ما حدث بعدها أنه ظل مُقلا إلى أن توقف تمامًا”. ولكني أعدت تأمل كلام “السلاموني”، الذي قاله قبل 34 عاما، ولم أجد سوى ردٍ واحدٍ، جعلني أعدل عن فكرة الكتابة عن تجربة السيد السينمائية: “من الطبيعي أن يُخلص الرجل للأدب، مفضلاً الكتابة الروائية؛ فالسيد أولاً وأخيرًا من حقل الأدب”.

 

من أرشيف جريدة القاهرة

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضاً

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend