الرئيسية / إبداع / «الذاكرة في وضع الطيران».. قصة لـ «أحمد أبو دياب»

«الذاكرة في وضع الطيران».. قصة لـ «أحمد أبو دياب»

  قصة: أحمد أبو دياب

مشى بحذر بين صفوف الناس المتراصة في الخيمة الواسعة، قرر أن يدخل قبل العرض بفترة من الباب المخصوص لدخول المتفرجين كنوع من التغيير، أو ربما هي حاجة خفية مُلحّة دفعته لذلك، فكّر أنه يحتاج أن يمشي مسافة أطول على الأرض قبل صعوده للأعلى، لاعب السيرك البهلوان الذي يقدم اللعبة الخطيرة؛ المشي على الحبل المعلق في الهواء.

لم يصله إلا قليل من التحيات والبسمات خلال دخوله ومروره على الجمهور في المكان، رغم أنه بعد دقائق سيخطف الأنظار جميعًا.

جلس على طرف إحدى المدرجات الإسمنتية النصف دائرية، تأمل الوسط المحيط كأنه لا يعرفه جيدّا، ربما انشغاله بالتعلق في الهواء أنساه الأرض.

كأن المكان بتصميمه وهيئته مسرح كبير، الفرق أن ما يقدمه هو وزملائه حقيقة، لا تمثيل مثلما يُقدم على المسارح، وطبعًا النهاية مختلفة، الناس ينسونه هو بمجرد نزوله من على الحبل، ويتذكرون الممثلين!

ممثلو المسرح يتفاخرون بصعوبة عملهم، وتميزهم عن صنّاع السينما، أنهم أصحاب اللقطة الواحدة، لا إعادة للمشهد، الجمهور أمامهم والمخرج من خلفهم، لا مفر من التمثيل الجيد، هؤلاء المساكين لا يعرفون ما إحساسه إذا كان الجمهور تحته، والموت حوله من كل الجهات، الغلطة تكلفه أكثر من الاستياء الذي قد يبديه المتفرجون لممثل أخفق أو تخاذل عن دوره، هو ستستاء الحياة كلها منه إذا أخطأ.

أنزل أفكاره من رأسه بحرص، ترك الخيمة من حيث أتى، ثم التف حولها ودخل من باب اللاعبين، تلفت حوله، بدأ يغادر الأرض بفكره ونظره، حتى لا تتشبث بها الأقدام.

زعق المُقدم في الناس، مُعلنًا عن الفقرة الواعرة والعرض الذي يحبس الأنفاس، انصرف الجميع عما كانوا فيه ودققوا لأعلى؛ في الحبل الواصل ما بين جهتين في الهواء.

سُلَّم طويل يُفضي إلى الحبل الذي سيمشيه، ارتقى برتابة السُلَّم المحجوب، وجهز نفسه للخطوة الأولى في النور، على الحبل أمام الجمهور.

بدأ الصفير والتصفيق والنداءات وضج المكان، انسابت دقات طبول خفيفة زادتِ الأعصاب توترًا وألهبتِ الحضور، مَدَّ رجله وبدأ يقطع الحبل بابتسامة ألقاها في نظرة للجمهور، عاد ببصره للحبل بعد أن لمح سيدة تجلس هي وأطفالها مع الجالسين، مشى وعاود النظرة، أول مرة يسترعي انتباهه شيء عدا تركيزه في الوصول لآخر الحبل، دقق أكثر في خطواته، كأنه طفل يتعلم المشي ويترنح على حبل مفروش على الأرض، نظر للجهة المقابلة، لم يجد أمه تتنظر بأيديها الممدودة كما كانت تداعبه طفلًا، سقط الطفل من ذاكرته بعد أن عطّلها، ليرتطم بالأسفل من دون ضجيج، الناس منشغلون عنه به، وهو يكاد يصل إلى الناحية الثانية فقط لينجو بعُمره لا ليفوز بقبلة وحضن.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

«لن أتذكرك أبدا» قصة لـ «عادل عصمت»

لن أتذكرك أبدا قصة: عادل عصمت ماذا يحدث لو كان – هو- من يسير باتجاه …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend