الرئيسية / ترجمة / أحمد أبو الخير يكتب: طه حسين الفرنسي

أحمد أبو الخير يكتب: طه حسين الفرنسي

بقلم: أحمد أبو الخير

Ahmed Abo Elkheir

طه حسين. عميد الأدب العربي، مُجدد التاريخ، جَرس التنبيه لمستقبل الثقافة، صاحب أبو العلاء المعري، رفيقه. الناقد، القاص، الروائي. أخلع على الرجل ما شئت من الألقاب، فهو مُستحقها. العميد، الإسم الذي لم ولن يخفت بريقه مهما توالت الأيام، سيظل مُنجزًا فريدًا من نوعه في تاريخ الفكر والثقافة لا في الداخل فقط – أي مصر والوطن العربي – بل العالم أجمع.
حقًا، العالم كُله. وليس هذا نوع من التجاوز الغير مقبول، أو الإطراء الفائق للحد، وإنما تقرير حتمي لمكانة الرجل الذي ملأ السمع والبصر، الدليل :
التقارير الأخيرة التي أخرجتها الأكاديمية السويدية، فيها كان إسم العميد يتردد لسنوات طِوالِ على قائمة المُرشحين للفوز بنوبل، وكاد مرة – كما قالت التحليلات – أن يظفر بها، لولا النزاعات الطاحنة في مصر، والحروب التي كانت تخوضها ضد بعض الدول ومطامعها داخل الحدود الإقليمية، والأجندات الدولية المُغلِبة لفريق على آخر.

* * *

طِيلة حياته، كان يشتبك في مساجلات أدبية، وهذه النزاعات – المُرتدية ثياب الفكر – لا تزال تتردد في الأرجاء بعد مماته، مثل السوس الناخر في الخشب، يُريد أن يقوض بناء الجهل، ويفتح الآفاق للعقل البشري أمام تراثه القديم، ومنجزات الغرب، فيربط بين هذا وذلك ليُجدد ثقافته. العميد يضرب بمعول في أرض الثقافة، حرثها حيًا، ويقلب طينتها ميتًا.

الصبغة الفرنسية هي سمة أساسية في حياته، تعليمه، زوجته، ثم جُزء من روحه المبثوثة داخل مقالات كتبها بالفرنسية، منها جزء جمعها وترجمها د/ عبد الرشيد محمودي، ونُشِرت أول ما نشرت في أواخر التسعينات عن دار الهلال تحت عنوان “من الشاطيء الآخر”.
ولكن الشخصيات الثورية في حياتها تخلف ورائها مُنجزات متنوعة، لا تُدرك كُلها مرة أخرى، فها هم ورثة العميد يخرجون أوراق له مكتوبة بالفرنسية لم تٌنشر من ذي قبل، فيحققها ويترجمها عبد الرشيد أيضًا لتصدر عن المركز القومي للترجمة تحت عنوان ” أوراق مجهولة … مخطوطات طه حسين الفرنسية “، داخل طبعة تحمل اللغتين العربية والفرنسية.

* * *

أما لم يحمل الكِتاب اللغتين؟ فهذا؛ لأن عبد الرشيد يقول – كما أوجز في مقدمته –أنّه رأي فعل ذلك، حتى يحفظ النصوص من الشتات وبالتالي – أيضًا – يُتيح للباحثين كافة المواد المتاحة بين أيديهم، وهنالك سبب آخر أن يُتيحها للإطلاع على العالم أجمع ولا يكون الأمر مقتصرًا علينا – نحن العرب – في الإستئثار بما كتبه.
فكر طه حسين عالمي، غير محدود بمنطق الزمان والمكان.
النظرة على المقالات والمحاضرات داخل هذه الأوراق المجهولة – المكتوب معظمها على الآلة الكاتبة والآخر على ورق عادي، وكلاً منهما مُحمل بتصويبات وتعديلات عديدة- تُخبرنا بعالمية فكره، ونظرته الثاقبة في استشفاف المستقبل وما قد يحتاجه يومًا ما.

مقالة مشكلة الشرق – مثلاً – يتحدث فيها عن مشاكل المنطقة، التي سترى أنّ بعضًا منها لا يزال حاضرًا، سواء فعليًا، أو مُتخذًا قناعات أخرى، وأن المعضلات التي فتكت بالدول بعد الحرب العالمية الثانية ليست حكرًا على هذه الدول الكبيرة، وإنما نحن هنا نرزح تحت وطأة مشاكل تفتك بنا، من أكبرها مشكلة فلسطين الحاضرة دومًا. مشكلة شمال أفريقيا، فلقد كانت ذيول الإستعمار الفرنسي والإنجليزي لا تزال ممسكة بتلابيب بعض الدول، وتعمل على فرد أجنحتها علي أرضها.

الفكر التاريخي، النظرة المدققة على الأحداث ظهرت في الرسالة التي أرسلها إلى وزير تركي، يُحدثه فيها عمّا فعله الإستعمار العثماني لمصر، وأنّه قد جَلب نوع من الخراب العقلي والخواء الفكري علينا، بعكس الفترة السابقة له، ثم يخرج من خصوصية النظرة إلى رأي شمولي يطبقه على التاريخ المصري بأكلمه فيقول :
“… أن هناك ظاهرة ثابتة في تاريخ مصر، وهي أن من المستحيل بالنسبةِ لها أن تُنتج شيئًا مهمًا في حياة العقل إذا لم تتمتع بإستقلال فِعلي بدرجة أو بأخرى”.

الحادثة الشهيرة بسبب كتابه “في الشعر الجاهلي” والتي بسببها كاد أن يدخل السجن لولا حنكة وكيل النيابة الذي حفظ القضية، الحادثة في حد ذاتها كانت تطبيق فعلي وحقيقي على نظرية عند العميد، من موائمة الفكر الغربي وإستخدامه في دراسة أحوال الشرق ومنجزات التراث القديم، وفي هذه الأوراق المجهولة داخل إحدى المقالات يُحاول الربط – وهو رَبط يحتاج إلى جهد عقلي كبير – بين المعتزلة المعروف أنّهم يقولون بأن صفات الله لا تنفصل عن ذاته، أصل كُل شيء هو الله، وهو السبب في وجودها، لذا هو واجب وقديم، وبين الفيلسوف الألماني ليبنتز، المُتبع لفلسفة ” المونادات ” أي الذرات الحقيقة المكونة للأشياء، وهي عبارة عن ذرات روحية ليست مادية، وأخذ يحاول الربط بين الفرقة وفكر الفيلسوف، ليترك لك – عزيزي القاريء أو الباحث والمفكر- البراح للتفكير وإعمال العقل والجري وراء مقالته، فالبحث فيقول :
” وهل من قبيل المصادفة البحتة وجود هذا التشابه، وأكاد أقول هذا التماثل الكامل بين المذهبين؟ أم أن المعتزلة أثروا على ليبنتز من خلال الفلسفة المدرسية؟
ذلك سؤال لا أسمح لنفسي بأن أجيب عنه. ويكفيني أنني طرحته.”

الأوراق الأخرى لا تقل أهمية كذلك، فمنها التوصيات التي أقرها بسبب مشروع اليونسكو لترجمة الروائع، توصيات يُمكن إستخدام بعضها حاليًا للخروج من وطأة تكرار الترجمات، تحسين بعضها، ترجمة البعض الآخر الجيد، الغير مُلتفت إليه ومنظور ناحيته.

* * *

طه حسين لم يترك الصدفة أن تسير وراء منجزاته، ولم يؤمن بالجبرية المجتمعية التي من الممكن أن تفرض عليه أنماط في الكتابة معينة ومحددة، ، وأنّ إعتقاده كان يتمحور حول :
” .. وأنا لا أؤمن بحتمية التاريخ. بل أعتقد على عكس ذلك أن الإنسان سيد حياته ومسيطر على مصيره إلى حد ما”

 

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

ياسين أحمد سعيد يكتب: مرة واحد صعيدي واقعي.. في عيد الحب

بسم الله الرحمن الرحيم إلى ياسين ذو السبعة عشرة صيفًا، هيه يا صاح، أفتقدك بحق، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Send this to a friend