الرئيسية / إبداع / «صاحب المعطف».. قصة لـ «سيد جمال»

«صاحب المعطف».. قصة لـ «سيد جمال»

قصة: سيد جمال

 

لم يكن نائماً من الأساس، انتفض من فراشه في منتصف الليل،  لم يعد يحتمل هذه الرغبة التي تملأ صدره، و تعتصر حلْقه. “هل أنا الوحيد الذى أشعر بهذا الاحساس، أم أنه تسرب إلى آخرين”، قال هذه الكلمات لنفسه بصوت مرتفع قبل أن  يرتدى معطفه القديم، خرج من المنزل  مسرعاً؛ فهم ينتظرونه على أي حال.

عندما وصل إلى الحوض؛ اسم المكان الذى تتجمع فيه القرية كل يوم، في منتصف الليل،  لاحتفالهم بقدوم صاحب المعطف،  بعد 9 سنوات من البحث المستمر عن (الرضيع)، وقف أمام الرضيع بمعطفه القديم، الذى صار مبجلاً، لا لشيء إلا أنه كان يرتديه في رحلة بحثه، ورفع يديه وضياء الشعل النارية على وجهه، والكل صامتون، ينتظرون كلماته التي ترشدهم  في حياتهم الأبدية.

تلك القرية لا يوجد بها أطفال منذ زمن بعيد، فلا حاجه للأطفال بعد التطور  الذى أنجزوه، الكل خالدون،  لم يعد أحد يموت  لأسباب طبيعية،   لقد تطورت ممارسه الجنس لتصبح  أداة للمتعة، منفصلة تماماً عن الانجاب، انشغلوا بالتكنولوجيا، لكن العبث يطال أي شيء، حدثت كارثة على الأرض أطاحت بكل التقدم، لم يبق إلا بشر خالدون، ورغبات لا توفى.

لم يكن اسمه صاحب المعطف، هو في الحقيقة لم يهتم باسمه كثيرا، لكنهم يدعونه هكذا الآن، منذ عشر سنوات لم يكن هناك حوض، أو رضيع، أو حتى صاحب معطف، لكن الكل كان يرغب في طفل، لذا قرر أن يبحث عنه ويأتي به, عندما توصلوا للخلود، لم يهرب بعضهم في مناطق أخرى من الموت، إنما تقبلوه تماماً، وكان هذا سبب امتلاكهم للأطفال في ظل هذا العصر.

ذهب إليهم، وظل يبحث هناك عن طفل، وكلما أتى إلى صاحب طفل (أب)، يطلب منه الطفل، فهو يريد أن يأخذه ويرجع إلى قريته، رفضوا جميعا، وقالوا:”لماذا لا تأتى بطفلك؟!  أي إنسان يستطيع أن يأتي بطفله”.

كلمات بالنسبة له من لغة أخرى، يسمع الصوت ولا يفهم المعنى، ظل على هذا الحال طوال التسع سنوات، يبحث من مكان إلى مكان، يترجى، يتذلل، يعده البعض  بطفل  مقابل بعض الأعمال التي يجب عليه أن يؤديها, فعل كل ذلك، لكن لا فائدة، قرر قتل نفسه إن لم يحصل على طفل .

“ها هو طفلي،  لكن تذكر أنه ابنى، سترى ملامحي على وجهه، أنا لا أعلم ما فائدته لك، أو لأى من قومك, أريد منك وعد قبل أخذه”.هكذا قال (الأب) لصاحب المعطف.

أجاب صاحب المعطف:

 “أي شيء”.

الأب:

“أن تحفظه وترعاه، وأن وتراه أغلى ما في الوجود”.

صاحب المعطف:

“لو تعلم مدى شوقي أنا وقريتي، لما أوصيتني”.

 عند لمسه للطفل، شعر أنه لم يكن حيا قبل ذلك، لم يستطيع أن يصف هذا الشعور، لكنه يعلم جيدا أنه سيقايض أي شيء في الحياة  للحفاظ على هذا الاحساس.

بدأت رحلة العودة، ما أخذ منه سنوات للبحث سينطوي أمامه في إسبوع, اشترى سله من الخوص، ووضع الطفل فوق رأسه، هكذا وعد الأب. منذ اليوم الأول والطفل يصرخ فوق رأسه، وهو لا يعلم ماذا يريد, ربما هذه طبيعة الطفل،  هكذا ظن، بُعد السنين أنساهم كل شيء, صراخ رضيع وسعادة غامرة، أخيراً بعد هذا العناء، هناك طفل فوق رأسي.

صار بينه وبين القرية مسافة يوم واحد، انقطع الصوت تدريجياً, لا يعلم لماذا بدأ ولماذا انتهى، رغم انزعاجه من الصراخ شعر بالوحدة عند سكوته, في اليوم التالي، في منتصف الليل، على أعتاب القرية، كان الطفل قطعة لحم هامدة، لا صوت ولا حركه.

ساعات قليله وانتشر خبر  الوصول, لم يتعرفوا عليه عند الوهلة الأولى؛ مشقة الرحلة  غيرت ملامحه،  لكن معطفه لم يتغير كثيراً، فلقبوه بصاحب المعطف، لا أحد يعلم  ماهية الطفل،  أرادوا  أن يروه, يلمسوه، لكنه منعهم.”الحوض أعلى مكان في القرية فليكن هذا مكانه”، بهذه العبارة هتف أحدهم، فاستحسن صاحب المعطف ذلك الرأي،  وضعوه على ما يشبه قاعدة التمثال في مركز دائرة  كبيرة، وعلى محيطها  بنوا تسعة أعمدة، وأسموه “الرضيع”، وظلوا يزورنه كل يوم، وصار صاحب المعطف هو المتحكم في الحوض، وكل ما يخص شؤن الرضيع.

 رائحه الحوض تغيرت خلال أيام قليلة،  علموا أنها رائحه الرضيع، لم تكن رائحه فقط، وإنما اللون أيضا تغير،  سألوا صاحب المعطف عن هذا التغير، كيف له أن يتغير، وبهذه السرعة, كيف لنا أن نرغب في شيء يصدر مثل هذه الروائح، وضعوا عليه أفضل الروائح عندهم، وأكثر الألوان شهرة ومحبة إلى قلوبهم، ولكن الرائحة لم تختفى، احتدم الجدل، لابد من إزاله مصدر هذه الرائحة، لا أحد يجرؤ على التخلص من الرضيع،  كيف ذلك وهو سبب بقاء الكثيرين على الحياة،  انقسموا إلى ثلاثة فرق، الأولى: ترى أن الطفل جميل، بكل ما يخرجه من روائح، فنحن لا نعلم ما هيئة الطفل من الأساس، فلابد أن نبقي عليه كما هو، “الحفاظ عليه”، هذه وصية الأب نصاً على أي حال. الثانية: تقول، نحن لم نرغب بشيء كريه ويأنفه أي إنسان،  كالذي أمامنا (الرضيع)، الحياة أصحبت قاسية، لا داعى أن نزيدها قبحا،  لنتخلص من الطفل تماماً، فلا فائدة من وجوده حتى لو كان طيب الرائحة،  نحن لم نرى الأب، ولا نرى أي سبب حقيقي للإبقاء على هذا الشيء خبيث الرائحة. الثالثة: أرادت أن تبقي على الطفل ولكن بالصورة التي في خيالهم، “لماذا لا نحسّن منه،  كل شيء في الوجود يحتاج إلى من يرعاه، ويقوم على شئونه، هذا مقصد  الوعد الذى قطعه علينا الأب، أن نرعاه ونعامله كأغلى شيء في الوجود”.

بدأت عمليه التوضيح، أو كهذا اسمُها، الا إنها في الحقيقة، عمليه إزاله أعضاء الطفل الداخلية، كل ما لمسه العفن، وكل ما يتحلل، تخلصوا منه، لعدة سنوات لم تتوقف  تلك  العملية، إلى أن صار “الرضيع” جلد مسبوغ بألوان عده، وبقايا عظام، وحشوا من القطن الفاخر بداخله،  تحول إلى  دمية مشوهه،  والكل يرى فيها الأمل، والحب، والسلام، حتى الحياة، لقد رأوا الحياه في بقايا طفل ميت.

لقد حدث كل هذا  بموافقة صاحب المعطف، وصار الاجتماع للقرية في منتصف كل ليلة على ضياء الشعل النارية بالحوض. يأتي صاحب المعطف بوجهه المحمّل بالخطوط والمعاناة، يحكى  عن رحلته، عن الأب،  يسرد  لهم كل شيء, إلا أنه لم يقل حقيقة ما حدث؛ أن من يُنجبن ليسوا قلة، وأن الأب لم يهبه ابنه كما حكي، ولكنه سرقه من أبيه. غير أن أياً من هذا لم يزعجه.  ما  يؤرقه  ويزعجه حقاً، أن صراخ الطفل لم يسكت من تلقاه نفسه، وإنما هو من أسكته، أراد جثة حتى يحكى  لهم قصة!

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

«لن أتذكرك أبدا» قصة لـ «عادل عصمت»

لن أتذكرك أبدا قصة: عادل عصمت ماذا يحدث لو كان – هو- من يسير باتجاه …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend