الرئيسية / شباك / سينما / «القضية 23» فيلم متميز أفلت من «رقابة» الحملة الشعبية لمقاطعة إسرائيل في مصر

«القضية 23» فيلم متميز أفلت من «رقابة» الحملة الشعبية لمقاطعة إسرائيل في مصر

سعاد أبو غازي

كنت أبحث عن معلومات عن فيلم «الصدمة» للمخرج اللبناني-الفرنسي زياد دويري، الذي كان واحد من أهم الأسباب لدعوات مقاطعة فيلمه «القضية 23» حين بدأ عرضه في القاهرة، وجدت كاتبة لبنانية في جريدة الأخبار تقول “أجبرت نفسي على مشاهدة فيلم الصدمة..” توقفت هنا، لماذا يجبر أي إنسان نفسه على مشاهدة عمل لديه قناعة مسبقة برفضه كلية؟! لم أفهم، إذا كان اتخاذ المواقف عملية سهلة، وحادة وقاطعة بين الأبيض والأسود، وإذا كانت المعلومات المتوفرة عن «الصدمة» الذي أخرجه زياد دويري وعُرض لأول مرة عام 2012، تقول إنه تم تصوير بعض مشاهده في إسرائيل، وشارك فيه طاقم من ممثلين وفنيين إسرائليين، وبالطبع دويري سعى للتصوير هناك وأقام في إسرائيل وأنفق أموالا وأشرك إسرائيليين، وإن مكتب مقاطعة إسرائيل التابع للجامعة العربية طالب الدول الأعضاء بمنع عرضه في الصالات المحلية. وهذه أسباب “كافية” لمقاطعة الفيلم ووصف مخرجه بالمطبع مع إسرائيل، فلماذا نشاهد الفيلم إذن؟!، هل من باب الفضول أم للبحث عن أدلة تؤيد وجهة نظر مسبقة أن الفيلم “مسيء للفلسطينيين والعرب وللقضية الفلسطينية، ويهدف لتشويه التاريخ وإدانة الضحايا”؟! لا إجابات!

في مصر قبل عرض الفيلم في زاوية بداية من 31 يناير، كنا كمشاهدين محتملين لفيلم “القضية 23” أمام إشكالية من نوع آخر، المخرج لبناني، الفيلم سبق وعُرض في مهرجان «الجونة» وحصل على إشادة ومعها جائزة نجمة الجونة الفضية لأفضل فيلم روائي طويل في المسابقة الرسمية- لم يتحدث أحد وقتها عن دعوات للمنع، الفيلم مرشح للفوز بجائزة الأوسكار كأحسن فيلم أجنبي، يتناول حادثة بين لبناني مسيحي وفلسطيني، وتتصاعد الأحداث لتتحول لقضية رأي عام. عند العرض العام فقط ظهرت دعوات لمنع الفيلم وسحبه، لماذا لم نسمع بذلك من قبل، لماذا لم يتم دعوة إدارة “الجونة” لسحب الفيلم من المهرجان؟ لا إجابات أيضا!

شاهدت الفيلم في أيام عرضه الأخيرة في سينما زاوية بوسط البلد، وبالطبع كنت متابعة لدعوات المقاطعة والبيانات المتبادلة بين سينما زاوية والحملة الشعبية لمقاطعة إسرائيل في مصر، والتي انتهت بأن الفيلم مستمر في العرض.

نحن أمام فيلم ساحر، لا يفلت منه انتباه المشاهد على مدار ساعتين، لا يمكن التعامل أبدا بخفة مع أي مستوى من مستويات الصراع التي يطرحها، بداية من الحادثة الصغيرة التي فجرت كل شيء فيما بعد، لبناني مسيحي يلقي بعض من الماء على رجل يقف في الشارع-تبين بعد ذلك إنه فلسطيني، يقود فريق من أجل إزالة المخالفات، الرجل يقرر إصلاح “المزراب” الذي يسرب المياه على المارة، صاحب المنزل يرفض بعنف ويكسر ماسورة الصرف، مما يدفع الفلسطيني إلى سب الرجل بلفظ يعني إنه “قواد”!

كل الوساطات بين الرجلين فشلت، وانتهت إلى سباب وضرب أوصل الرجلين لمحكمة، رفضت الدعوى ولم تقر بأن الأدلة المتوفرة عن الصراع من البداية كافية لإدانة الفلسطيني. اللبناني يثور ويتهم القاضي بالفساد، والصراع يأخذ منحنى متصاعد بعد ظهور “محامي كبير” يريد الدفاع بدون مقابل عن “طوني” في قضيته ضد الفلسطيني “ياسر”، الذي تقنعه محامية-تبين فيما بعد إنه ابنة المحامي الكبير- بالدفاع عنه وتمثيله أمام القضاء. الصراع بدأ ولن ينتهي، وواقعة المزراب تدفع بالحرب الأهلية اللبنانية إلى الواجهة مجددا.

في واحد من بيانات الحملة الشعبية لمقاطعة إسرائيل هناك جملة وصفت المخرج زياد دويري بأنه “..مخرج مطبع اشتهر عنه دعمه لإسرائيل، وتسفيه الشعب الفلسطيني ونضاله..”، فكرت كثيرا في تلك الجملة بعد مشاهدة الفيلم، وتأمل تركيبة شخصية الفلسطيني “ياسر سلامة” التي أداها الممثل الفلسطيني كامل الباشا، والتي حاز عنها على جائزة أفضل ممثل من مهرجان البندقية السينمائي 2017، إذا سلمنا إن دويري دأب على تسفيه الشعب الفلسطيني، لماذا يشارك ممثل فلسطيني مخضرم في تسفيه شعبه بأداء هذا الدور، ولماذا يؤديه بإتقان يدفع به لنيل جائزة مرموقة مُنحت لأول مرة لممثل عربي؟!

لم أر فيلم “الصدمة” لكني شاهدت “القضية 23″، ورسم شخصية اللاجئ الفلسطيني “ياسر سلامة” بداية من هيئته وسمته وصفاته نهاية بمواقفه وميله للتسامح وهدوئه ولحظات صمته، لدرجة رفضه أن يدافع عن نفسه أمام المحكمة، وأدان نفسه وقال إنه “مذنب” حتى لا يكرر ما قاله له “طوني” بأن “الشعب الفلسطيني وسخ وانتهازي ومكروه” وأضاف “ياريت شارون كان أبادكم عن بكرة أبيكم”، وكلها جمل كانت تكفي وتزيد لكي تجعل من “طوني” مكان “ياسر” في قفص الإتهام، لكنه رفض أن يتحدث، واعتبر نفسه مذنبا لأنه ضربه وكسر له ضلعه نتيجة لقسوته ووقاحته. رسم الشخصية بهذا الشكل -في رأيي- تحية كبيرة للفلسطينيين، فرغم ما يتعرضوا له يجدوا أنفسهم ميالين للتسامح والتغاضي والتفهم، ولو استسلموا لغضبهم في ساعة لا يتنصلون من نتيجة ما فعلوا ويتحملوا مسؤوليتهم عنه، دون إلقاء اللوم على الآخرين. شخصية “ياسر” في الفيلم كانت محل تعاطف الجميع واحترامهم، كانوا يتحدثوا عن “دقته وحبه لعمله واجتهاده فيه”، رئيسه في العمل قال له إنه “زلمة محترم” لا يستحق ما يتعرض له. لم يتحول إلى “جلاد” ويحاول أن يمارس سادية على الآخرين لأنه لاجىء مظلوم ومطرود من أرضه. في نهاية الفيلم، ذهب “ياسر” إلى ورشة “طوني” استفزه فضربه الأخير بنفس الطريقة، لكن “ياسر” لم يذهب للمحكمة يشتكي “طوني” لأنه ضربه. ربما فعل ذلك لكي يقتص “طوني” لنفسه ويرتاح!

حاول زياد دويري تقديم الرواية المسيحية للحرب الأهلية في لبنان، ربما أراد من خلال تلك الرواية تقديم رسالة “عريضة”:”أنه ليس من حق أحد أن يحتكر المعاناة وحده”، وإنه ليس هناك ضحية وجلاد أبديين، ربما تتبدل الأدوار، طالما لم تتغير الظروف، أو لم يتم إنصاف الضحية والقصاص لها من الجلاد، وربما أيضا إن الضحية حين تحاول ممارسة دور الجلاد، لا تستطيع أن تنتقم من جلادها نفسه بل من آخرين لم يرتكبوا جرما بحقها، لمجرد أنهم ينتمون بشكل أو بآخر لجلادها القديم، أو يشبهونه في ملامحه، أو يتحدثون بلهجته.

فـ”طوني” الشخصية التي أداها عادل كرم، لبناني مسيحي، من قرية صغيرة أسمها “الدمور” قريبة للغاية من بيروت، تعرضت أثناء الحرب الأهلية اللبنانية لهجوم من مسلحين فلسطينيين، أبادوا القرية، والمحظوظين فروا في ظروف رهيبة. لم يتم التحقيق في تلك الواقعة في حينها ولا بعد إنتهاء الحرب، وبقيت جراح ما حدث في قلوب من عاشوها وحدهم. ولم يركز دويري كذلك على أن ما حدث في “الدامور” كان في إطار حربا أهليا، كل الأطراف شاركت أو حاولت إبادة كل الأطراف، يعني أن مذبحة حدثت ردا على مذبحة آخرى وهكذا، لا شيء في الحرب الأهلية يحدث في فراغ!

عرف “طوني” أن “ياسر” فلسطيني من لهجته، فألقى بالمياه عليه متعمدا، وتمادى في خصومته معه لدرجة دفعته للتمني بأن شارون كان أباد كل الفلسطينيين عن بكرة أبيهم، يردد مع “بشير الجميل” في خطاباته، بأن على الفلسطينيين الرحيل من لبنان، لأي مكان إلا أن “يبقوا هنا”، يحمل بين ضلوعه مرارة ما حدث له ولعائلته في الماضي، وينتظر أي فرصة للتنفيس عن كراهيته وغضبه ضد أي فلسطيني مهما كان، لا يرى أن الفلسطيني واللبناني “أخوة” ويرفض تدخل رئيس الجمهورية اللبناني، ويخرج غاضبا من المقابلة، راغبا في الاستمرار في صراعه مع “ياسر سلامه”، وهو في حقيقة الأمر، صراع يعيشه من نفسه الممتلئة بالكراهية والشعور بالاضطهاد. انتهى الفيلم بأن “ياسر سلامة” غير مذنب في القضية التي حولها “محامي كبير” والإعلام لقضية “رأي عام”، وأصبحت في لحظة ما في الفيلم لا تمت لـ “طوني” و”ياسر” بل لكل لبناني في مواجهة كل فلسطيني في لبنان!

شارك زياد دويري وأخرج فيلما جيدا للغاية، يستحق الإشادة، والترشح عن لبنان لنيل جائزة الأوسكار كأحسن فيلم أجنبي، ويستحق كامل الباشا جائزة أحسن ممثل، ونحن نستحق أن نرى فيلما جيدا، ويكون لدينا الحرية في أن نشاهده أو نقاطعه، إذا رأي البعض منا إن دويري مطبعا يستحق العقاب، أخرج فيلما صور بعضا من مشاهده في إسرائيل وأشرك طاقم إسرائيلي، لكننا لا نستحق أن يمارس أحد علينا وصاية من أي نوع، فيمنع ويسمح. كان يمكن للحملة الشعبية لمقاطعة إسرائيل أن تقول رأيها-في حينه عندما عُرض الفيلم في مهرجان الجونة، في زياد دويري واعماله الفنية، لكن ليس من حقها أن تسعى لمنع فيلم لم يصوره في إسرائيل، وليس فيه طاقم إسرائيلي، ولا يسفه الشعب الفلسطيني -كما قيل في واحد من البيانات المنشورة، ويعرض لقضية إنسانية من وجهة نظر طائفة بعينها، تحتمل أكثر من تأويل وتفسير، وكل مشاهد سيخرج من مشاهدتها بوجهة نظر خاصة، ربما تتعارض تماما مع يقين القائمين على الحملة الشعبية لمقاطعة إسرائيل في مصر!

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضاً

جويس منصور وأحمد راسم.. شعراء مصريين ثائرين كتبوا بالفرنسية فذهبوا في سُحُب النسيان

بقلم: محسن البلاسي الظل المحمول حياة فاترةٌ في عين الشائخين مؤلمةٌ في عين الموتى ومحتلـّو …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend