مقالات

مروة سمير تكتب: «الوصايا».. ماذا يبقى منا؟

بقلم: مروة سمير

“إن عرفت ما هو السديم، تركتك”
هكذا تبدأ الحكاية، رحلة بحث عن أصل الحياة، الحياة الحقيقية التي تبقى حتى لو اختفى الاسم.. حتى لو كنا جميعًا مجرد سديم.. ضباب يتجمع ثم يتبدد كأنه لم يكن.
في رواية «الوصايا» للأديب المبدع «عادل عصمت»، الصادرة عن «الكتب خان» للنشر والتوزع، تعيش قصة عائلة آل سليم في بناء روائي محكم، بداية من “الكارثة” التي بددت الأرض في ثلاثينات القرن العشرين، فضاعت الآمال والطموح، ثم محاولة بناء كل شيء من جديد، من خلال الشيخ عبد الرحمن الذي بات مسئول فجأة عن كوم لحم بموت أبيه وأخيه، فتخلى عن حلمه بالدراسة في الأزهر، ليتنقل يقيس الأراضي ويخط الخرائط لتأسيس حياة جديدة آمنة لأسرته وأولاد أخيه.
تدور الأحداث في إحدى قرى طنطا، بوصف فائق الروعة، ترى البيوت الطينية.. والأراضي المزروعة، تشعر بكَد المزارعين وهموهم، تشغلك فاعلية المبيدات، وتترقب المحصول ووهج زهرات القطن الأبيض، يدب في قلبك الذعر وأنت ترى الدود يسكن أرضك ويتسلق حذاءك ساخرا منك.
يغشى الغضب بصيرتك.. تؤذي أقرب الناس إليك.. لتدرك أن العمى الذي خشيت منه طوال عمرك كان يسكنك بالفعل ويعميك عن الجوهر.
“اترك ما أقوله لك يسكنك، حتى يعود إليك من النسيان، ذات يوم، كأنه كلامك”
الحديث عن جمال ودقة رسم الشخصيات يطول؛ بداية من الشيخ عبد الرحمن بكل صلابته وشموخه، وروحه الشفيفة المتعلقة بالموتى والأحلام.
بحزنه الشفاف في حب الست كوثر.. تلك المشاعر التي وصفت بمنتهى العمق والرقي، فتحب حب الشيخ لها.. وتأسى لأجله ولأجل ست الكل.. كوثر.
علي سليم.. من الشخصيات المبهرة في العمل، كدت أبكي في نهاية قصته، مزيج من الكرامة والأصالة.. والنقاء الفطري الذي كان سببا في هلاك روحه، عند اصطدامها بقبح المادة.
نساء الدار في منتهى الإبداع، الست خديجة وبناتها وزوجات الأولاد، شخوص مليئة بالحياة والتفاصيل الريفية الحميمة.
نبية القوية.. تتعاطف معها ومع هزيمة فؤادها.
فاطمة الأصيلة الرائعة، وعلاقتها الوطيدة والمميزة مع والدها الشيخ.
تظهر حرفية الكاتب عادل عصمت واضحة في تنوع الحوار والخواطر بين شخصية الجد الريفي الذي يحمل خبرة الحياة، وبين الحفيد الشاب.. الولد الساقط.. الذي تأتي أفكاره وخواطره أكثر مدنية وحداثة.
الحوار واللغة بشكل عام مناسبين جدًا لبيئة العمل بمصطلحات تحمل البساطة والعمق معًا، مما جعل السرد قويًا مكثفًا.
العمل ثري جدًا، أحداث كثيرة تلقي في ذهنك العديد من الخواطر والاسقاطات، منها هدم بيت الجدود وتعرية الجذور مع موجة الانفتاح في السبعينيات، الشعور بالتشتت والغربة.. ولعنة من لا اسم لهم.

“أنت نقطة سوف تمر مثلما يمر الزمن”
رواية «الوصايا» عمل متفرد، أصيل، لا تملك إلا أن تقع في أسره، لأديب استثنائي جدًا، يمزج بساطة وحميمية الريف بعمق فلسفي أصيل في أعماله، عن حياتنا.. عن زوالنا.. عن الذي يبقى منا. وبروح مرهفة تطل عليك من بين السطور.. تضيء معاني جديدة في ذهنك.. تشغل قلبك قبل عقلك، تدرك أن الخلود الحقيقي هو خلود الروح لا الجسد..
وهذا قمة التخلي.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى