مقالات

شيرين سامي تكتب: «المشاعر الخلفية»

بقلم: شيرين سامي

هذه رواية فاضحة للطرق التي تفكر بها الفتيات في سن الشباب المبكر، عندما بدأت في قراءة رواية «المقاعد الخلفية» للكاتبة «نهلة كرم» الصادرة مؤخرا عن «الدار المصرية اللبنانية»، فجأة إستعدت كل مشاعر المراهقة والصبا، وهذه الحالة من التشتت والتخبط في المشاعر والعلاقات مع الأهل والأصدقاء، عبّرت المؤلفة عبر سطورها عن تجارب حياتية لفتيات وتأثير الماضي على علاقاتهن بالحاضر وذلك من خلال حكي ذاتي لبطلة لها ثلاث صديقات وعدة علاقات غير مكتملة، من خلال الحكي تناقش الرواية بأسلوب سلس وجذاب عدة قضايا إجتماعية عن حياة الطفلة والشابة في مصر وأثر الأسرة على نفسيتها وقراراتها. وعن العلاقات العاطفية والمخاوف والغيرة والتردد، لكن من منظور مختلف ومحترف.

لنهلة أسلوب حكّاء بإمتياز، تستطيع أن تبقي القارئ بدون نوم للصباح مثلما كانت تفعل بطلتها مع حبيبها. ظهر جمال أسلوبها من خلال القصص الصغيرة بين الأحداث والربط بين حكايا الماضي والحاضر في إطار ممتع تستطيع معه تجاوز الرتم البطيئ للأحداث المتكررة من قصص الإرتباط والفراق والعودة التي يليها إرتباط ثم فراق ثم عودة..إلخ. للحظة شعرت أنني في دائرة لا نهائية من الجذب والشد. الفكرة تبدو للوهلة الأولى تقليدية غير أنها شغلتني وجعلتني من فرط واقعيتها وقدرتها على إيصال المشاعر أشعر طوال قراءتها بالإضطراب الشديد لأنها أجبرتني أن أضع قدمي في حذاء البطلة ونقلت لي خوفها كاملًا. تألمت لها ورأيتها أمامي.

أكثر ما أعجبني في الرواية غير إلقاءها للضوء على دور الأسرة وأثرها على الأبناء وطريقتهم في إقامة العلاقات، هو الواقعية الشديدة التي نقلت بها المؤلفة الأحداث، العمق موجود إلى حد ما لكنه ليس المضمون الأساسي للرواية، إجادة نهلة على الكتابة عن أربع فتيات بأربعة وجوه، كل منا يحمل هذه الوجوه في مرحلة ما في حياته أو صادفهم حوله أو حتى داخله، هو ما جذبني للرواية، بالإضافة لأن الرؤية الفلسفية والعاطفية والخلفية السياسية للمجتمع في الرواية كانت معبرة تماما وتوثيق مهم لما يحاول الإعلام طمسه من حقائق إنسانية ومجتمعية.

شخصية سارة كانت قوية، نفاذة ونافذة طوال أحداث الرواية، ريهام باهتة إلى حد ما، آية كتبتها الكاتبة بشكل رائع، كذلك منّة التي شغلتني قصتها طوال الرواية، لكن الكاتبة ضنت على القارئ بالإفصاح عن مصير البطلات في النهاية. شخصية رامي أكثر شخصية أبدعت الكاتبة في التعبير عنها، نادرًا ما أقرأ شخصية ذكورية مكتوبة بقلم أنثوي بهذه الدقة، حتى أنني كنت أبتسم عند ردوده وردود أفعاله ولحظات الإقبال والضجر والتجاهل، التي نجحت الكاتبة في رصدها كأن من كتبها رجل.

ما أخذته على الرواية هو الإطالة غير المبررة بحكي الكثير من الأحداث الفرعية، وغير المؤثرة، أو تكرار نفس المشاعر بعدة طرق وأحيانًا بنفس الطريقة. وهو ما كان يمكن تجنبه ببعض التركيز والإختصار والإكتفاء بالرمزية. كما إستوقفتني بعض التعبيرات العامية المتكررة بدون علامات تنصيص مثل “تتمايص أو مياصة” أو التعبيرات الخاصة بالمصريين مثل “فلان في ماء البطيخ” أو “لو فعلت كذا سأكون حذاء”.

المقاعد الخلفية هي المشاعر الخلفية التي تخفيها البطلة وراء قناع من الشتت والرغبة في أن نكون مختلفين، لكنها في الحقيقة خليط من الخوف من المستقبل والتأثر بالماضي. نجحت الكاتبة من خلال نصها الفلسفي الرقيق في التعبير عن الفتيات في مقتبل الشباب، بدون أحلام ومشاعر حالمة، قصة طويلة من الحب والإرتباط والجنون بدون كلمة “بحبك” واحدة. تجربة فريدة وإجابة على سؤال طالما أرّق المرعوبين من التقليدية في العلاقات “ماذا لو عشنا الإرتباط كأننا عاشقين؟ هل سننجح؟”. رواية تحمل الكثير من عوامل الجذب، أحببتها وشعرت بالإمتنان الشديد لأنني عرفت كيف تفكّر الفتيات في هذا العمر، في هذا العصر.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى