مقالات

ياسين أحمد سعيد يكتب: مرة واحد صعيدي واقعي.. في عيد الحب

بسم الله الرحمن الرحيم

ياسين أحمد سعيد

إلى ياسين ذو السبعة عشرة صيفًا، هيه يا صاح، أفتقدك بحق، أحدثك الآن من المستقبل، بالتحديد بعد عشرة سنوات.
أكتب إليك هذه الرسالة، لأخبرك بعدد من التغييرات، التي ستطرأ عليك لاحقًا.
نعم، “ستتغير”.. ربما يعد هذا تمهيد جيد يهمك معرفته. أعلم أن غرورك كصعيدي مراهق، يجعلك تظن اقتصار سنة الكون في “التبدل” فقط على ما حولك، أما عقليتك ستبقى متصلبة ثابتة، بينما.. حسنٌ. لكم ستدرك أنك واهم يا صاح.
أتتصور مثلًا أنني سأدعى يومًا للكتابة كـ “صعيدي” عن “الـ.. لا أعرف كيف أقولها بجدية دون أن أضحك، أعني عما يدعونه “الحب”.

(1)

أولى التغييرات المؤسفة التي أود إخطارك بها، تخص زميلاتك في المدرسة، التي تظن –من وقت للآخر- أنك تميل إلى إحداهن.
أنا أحدثك الآن من سنة 2018م، وأؤكد لك أن دفعتكم بالكامل (علاوة على التي سبقتكم والتي تلتكم، و..، و.. )، لم تحتوى –إطلاقًا- على من تزوج رفيقته في الفصل.

(2)

من الأساطير التي سيطرت على عقول جيلكم:
÷أن كل رجل خلقت له امرأة واحدة هي من كشريكة حياة، عليه أن يبحث عنها بالتحديد، فإذا لم يجدها (أو وجدها ثم خسرها)، عليه أن يتوقع تعاسة أبدية حتى نهاية عمره×.
عندما ستكبر يا عزيزي ياسين، ستجد أن الحياة الواقعية يختلف عن المنطق الذي تروج دراما الأفلام الرومانسية/ الأغاني/ الأشعار، فعدد البشر يقدر بالمليارات، وبفرض أن كل مليون أنثى، يوجد بينهم واحدة فقط تستطيع التأقلم مع طباعك مهما كانت غرابة أطوارها، هذا يعني أن الكوكب يحفل بآلاف الاختيارات المناسبة، منهم العشرات في قريتك أو مدينتك وحدها.
بل في بعض الأحيان، ليس من الضروري أن تتعثر في شريك جيد، يكفي ألا يكون “سيئًا”، أعتقد أن هذا من رحمة الله بنا، وإلا لتحولت حياة 99% من البشر إلى جحيم.
كما أنني لم أضجر من وجود القصص الرومانسية، فكلنا في الخطوبة أو بداية الزواج، نلجأ إليها أحيانًا كعامل مساعد، لتفصيل الكلمات على اللحن كما يفعلون في بعض الأغاني، بمعنى:
مهما خرج رجل/ امرأة محبطًا تجربة من عاطفشية، سيدهشك مدى قدرته على القيام بـ (ريستارت)، والتعامل إلى المحطة التالية على أنه (الأول/ الأخير) في قصتك الحقيقية.

(3)

كنت تحلم بغد يماثل القصص التي تدمن قرائتها، في الواقع كل مراهق يتخيل منزله المستقبلي سيغدو مشابه لما تصوره الروايات الرومانسية، أما مسيرتك المهنية، فتتوقع بأن تكون في ملحمية سلسلة (رجل المستحيل)، علاوة على الكثير من الأسفار التي تؤهل لكتابة مرجع ينافس (حول العالم في 200 يوم).
بمجرد أن تتخرج من المدرسة الثانوية، ستتوقف عن مجرد تمني أي مما سبق.
سنتتبه إلى حقيقة أن:
-الاستقرار يختلف تمامًا عن السعادة، فعليك أن تختار. وأنا –مع خالص احترامي- على عكسك، انحزت إلى أسلوب حياة يتجنب (ارتداء جلباب أوسع مقاسًا/ الإعجاب بامرأة جميلة جدًا/ أو الدخول في شراكة مع جهات أكبر من مستواي).
الفارق بيني وبينك (بخلاف فارق العمر، وأن وجهي يتميز عنك بامتلاك شارب ولحية) أنني غدوت أكثر واقعية وتصالحًا جدًا مع ما هو داخلي/ حولي.
هل هو “النضج” كما يسمونه؟ أم فقر طموح؟ أم تراني –في الحقيقة- أتظاهر بالتشاؤم وخفض سقف التوقعات، لا لشيء إلا لأن ذلك غطاء أكثر أمنًا؟

(4)

كأي صعيدي
لا أستطيع قول: أحبك
وكلما قررت القفز علي التقاليد لأقولها
خرجت: كيف حالك؟
فاعذريني لأنني “كيف حالك جدًا”.

الشاعر “السيد العديسي”

(5)

السيد (ياسين 17)، هل تعلم أنك بعد تسعة أعوام، ستجد أن تحضر زفاف الكثير من أقرانك في المؤلف، (ابلغ صديقك الأقرب وائل بأنه صار والدًا في زمني، وأنه لم يسميه إياس كما كان ينتوي، بل عمر) أعتقد أن ذلك في حد ذاته يعد الدافع الأول للزواج، فمن السخف ذلك الإحساس الذي يشبه وجودك في قاعة مزدحمة، ينادى فيها على من حولك واحدًا تلو الآخر، حتى يخلو المكان تدريجيًا إلا منك.
ستبدأ –بدورك- في تفحص من حولك حتى يجد عقلك من يقرر عقلك أنها من مناسبة كشريكة حياة، تنوي أن تبادر في الموضوع بالطريقة الوحيدة التي تعرفها، كنت ستتجه إلى منزل والدها لو كانت من قريتك، لكن بما أنها تنتمي إلى الخارج، ستنتهز أقرب فرصة لقاء روتيني يجمعكما، وتخبرها بكلمتيك المختصرتين:
-فلانة، أتتزوجيني؟
ستظن أن هذه هي الطريقة “الصعيدية الدوغري”، إلا أصدقائك -الجنوبيون بدورهم- سيصعقون فور أن تستشيرهم في نيتك، سيحذرونك من فعل ذلك، قائلين:
-أيها الأخرق؟ أيوجد من يُقدم على مثل هذه البداية الصادمة؟ يجب أن تلمح لها أولًا.
-أ.. لـ.. ـمـ..ـح؟
هذه اللفظة لا يحتوي عليها قاموسي، الغريب أنني صعيدي، وهم كذلك.
جميعنا تربى في نفس البيئة، ومع ذلك تبدو طريقة تفكير كل منا –أحيانًا- مبهمة بالنسبة للآخر.
أنت الملوم في مسألة عدم معرفتي بذاك المصطلح، أعرف أنك استثمرت/ تستثمر وقتك في القراءة ومهووس بفكرة “الإلمام بمعلومات تفوق سنك”، أهنئك، ستحرز نجاحات مقبولة في هذا الصدد، إلا أنك عندما تصل إلى سني، ستدرك أن -في المقابل- دفعت ثمنًا غاليًا في صورة تفويت مهارات كان يحبذ تعلمها، أو على الأقل.. أن تعي من الأساس كونها “موجودة”؟
حسنٌ، لست متضايقًا منك، ربما لو عاد بي الزمن، سأكرر نفس اختيار نفس الأولويات.
كلا.. لم أقدم على تلك الخطوة العاطشفية التي حدثتك عنها.. والسبب أننا كنا في فصل الشتاء حينذاك..

(6)

لعلك لاحظت كلمة ÷السبعة عشر (صيفًا)× الموجودة في السطر الأول.
أعرف جيدًا أن التركيز ليس من صفاتك أبدًا، لكنني أثق بأنك توقفت عندها، يسعدني يا فتى، بأن أطمئنك على أنني لا زلت محافظًا على تمسكك باعتبار (الصيف) فصلك المفضل، أو على الأقل، تستطيع التأقلم معه أكثر بكثير من الشتاء.
في الواقع، أن من الأسوانيين القلائل الذي يقولون ذلك.
على الجانب الآخر، خلال العشرة سنوات السابقة، توصلت إلى حكمة مفادها أن:
-لا تتخذ قرارًا بالارتباط خلال الشتاء، إذ أن كل الحماقات العاطفية يسهل عليها أن تبدو حقيقية في ظل الوهن العام الذي تسببه أجواء البرد والمطر، لو أردت التأكد تمامًا من جدية شعورك.. انتظر حتى الصيف، فإذا صمدت رغم نفاد الصبر الذي يسببه قيظ الشمس ولزوجة العرق، فأعلم أن عزمك حقيقي 100%.

(7)

صحيح أننا ننشأ ونتزوج ونربي أولادنا كصعايدة، غير أن العولمة اللعينة نحجت في أن تكسب أرضًا لدى جيل الفيسبوك في جنوبنا السعيد، من بينها: طقوس الخطوبة.
تلك الفترة صارت تعني الانخراط في مكالمات هاتفية لمدة ساعات طويلة، بصوت خفيض أقرب إلى النحنحة، وتقديم هدايا في مناسبة تنتمي أساسًا إلى بلاد الفرنجة، مثل يوم 14 فبراير.
أرجوك يا عزيزي.. تمالك أعصابك.. أنا مثلك.. ثابت على المبدأ.. إلا أن الفرسان يتساقطون حولي واحدًا تلو الآخر.
حاولت أن أبرر بتصالحي المعتاد:
– ما هي إلا مرحلة، دعهم يتقمصون فيها ما يرونه في (الأفلام/ سفرياتهم إلى المدن)، وكالعادة سيعود الجميع بعد الزواج –بطبيعة الحال- إلى مرحلة أن “يعيشوا عيشة أهلهم”.
إلا أن صبري نفد عندما علمت بأمر “الدباديب”.
عدت –منذ فترة قريبة- من جلسة لم شمل لرفاق الثانوية القدامي، فعنفت كل واحد منهم ارتكب مثل هذه الفعلة الشنعاء، غير أن أحدهم برر ببساطة:
-كلنا كنا نستنكر بشدة مثلك يا ياسين، لكن.. صدقني.. وجدنا الموجة عالية.. فاضطررنا لمسايرة ما هو سائد.. أنت ذاتك عندما تخطب.. ستشتري دباديب.
-خسئت؟ هل تظن أصابعك مثل بعضها البعض؟ ها هو ذا رفيقنا (هـ)، يجلس بيننا، وقد خطب منذ أسابيع، اخبرهم يا (هـ) أن لن تفعلها مستقبلًا.
سكت (هـ)، لتنفرج شفتاه بابتسامة أعرفها جيدًا.
-لا أرجوك.. لا تقل أنك بالفعل أيضًا أأ…

(8)

في أحد الشتاءات التالية، سيقال لك:
-لقد التحقت بالتعليم المفتوح (كلية آداب- قسم صحافة)، أي أنك في المكان المناسب، كي تعثر على صحفية، فأنت صعيدي، ماذا تنتظر؟! أقله قد تحظى بمن تمنحك بعد موتك مرثاة خالدة؟
يشير المتحدث مازحًا إلى كتاب (الجنوبي) لـ (عبلة الرويني)، الذي ستعده النموذج الأكثر شفافية -من بين كل ما قرأت وعرفت- عن قصة ارتباط أحد أطرافها (صعيدي).
خصوصًا أن الزوج ليس أي صعيدي، بل شاعر عظيم، يكفيه من إنجازات أنه نجح في تلخيص مأساة سنواتك اللاحقة، بقولته الصادقة:
– فالجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون الذي لم يكنه.
يشتهي أن يلاقي اثنتين:
الحقيقة.. والأوجه الغائبة.
لكن جميع ما سبق، لن يعني السماح للمقربين منك بأن يستخدموا هذا النوع من الغمز، سيضيق صدرك -كالعادة-، لترد:
-يشغلني البحث عن الاستقرار في حياتي، وليس من يرثيني بعد ما مماتي.
سيسألك آخر بحذر:
-إلى متى تظل هكذا؟ أخبرني يا رجل.. ألا يضغطون عليك في المنزل كي تبدأ في الزواج؟
ستجيب بنفس سلاطة اللسان، التي أطمئنك أنك ستحافظ على بعضها، رغم تقدمك في العمر (10 أعوام):
-ماذا؟ ألمجرد أنني عشت بينهم لمدة 27 عامًا، سيظنون أن هذا سبب كافي لرفع الكلفة، من ثَم الإكثار من الحديث عن شئون ذاتية تلك؟!
عيد فلانتاين سعيد.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى