مقالات

مريم ساني تكتب: ما يحمله المستقبل

بقلم: مريم ساني

تنحني امرأة عجوز في صلاة الفجر للسجود، تضع جبهتها على الأرض وتتمتم دعاءً صادقاً لأحفادها بموفور الصحة والعمر المديد، على الجانب الاخر من الكوكب، في نفس التوقيت، تنحني امراة عجوز بعد تصفيقها ثلاث مرات لتلفت انتباه السماء، تتمتم صلاة صادقة لأحفادها بموفور الصحة والعمر المديد.. لنضع الغيبيات والايمان بها جانبا، ولننظر قليلا في أمنية السيدتين، الصحة والعمر المديد لأحفادهما، للسياسات والتصرفات الانسانية الكثيرة لعمله بشأن ضمان صحة أفضل، والرفع من معدل الحياة للافراد، في بدايات القرن الماضي ،لم يخل قسم في مدرسة ابتدائية من طفل أو اثنين يعانون شلل الاطفال، مرض سيضطرون لتحمل تبعاته طوال حياتهم، من الممكن أيضا العودة إلى رسوم بيانية تقارن متوسط أمد الحياة بين القرن التاسع عشر، العشرين والواحد والعشرين (وقبل ذلك إن أردتم)، التحسن الملحوظ يمكن عزوه لتغير اسلوب الحياة وتوفر وسائل النظافة والرعاية الصحية بشكل أعم وأكبر وجنوح الأمم لتسوية النزاعات بشكل أكثر سلمية مما سبق، لقد تحققت أماني جدات سابقات بموفور الصحة والعمر المديد لأحفادهن عبر الزمن.
غير اأن نظرة لتحديات هذه الألفية تنبئ أن على البشر بذل مجهود أكبر لتحقيق أماني جدات الحاضر، هناك مناخ يتحول بأسرع مما ظننا مع دلائل واضحة تتهم البشر بذلك، مصادر الطاقة التقليدية مهددة بالنضوب عاجلا أم آجلا، ويهدد الذكاء الاصطناعي ملايين الوظائف عبر العالم، لا داعي للحديث عن حماقات السياسيين و الاقتصاديين التي تلقي كل مرة، بأعداد هائلة تحت قسوة الفقر دوما والحرب أحيانا، كل هذا وسط تسارع تغير أسلوب الحياة مقارنة بالماضي، قد تتحدث جدات اليوم عن أربعين سنة متواصلة عشناها في ذات الظروف، بينما لن تتمكن جدات المستقبل من أن يخبرن أحفادهن أن كل عقد عشنه كان شبيها بالعقد الذي يليه..
توجد دوما مساحة للأمل: الطاقات المتجددة جواب جاهز لكل من يريد الخلاص من ارتهان الطاقات التقليدية لاقتصاده وبيئته: حتى ان البشر أنفسهم، من الممكن جدا أن يصبحوا مصدر طاقة (بعيدا عن خيال فيلم ماتريكس): في بعض محطات المترو حول العالم توجد امكانية القيام ببعض الحركات الرياضية المولدة للطاقة مقابل تذكرة ركوب، بعض السجون تشجع المساجين على القراءة وتوليد الكهرباء بواسطة الات رياضية مقابل تخفيض مدة العقوبة، لن يكون خيالا في المستقبل ان يتم تزويد ارضيات البيوت والملاعب والطرق بلوحات تستقبل دبيب اقدام البشر وحركة عجلات السيارات وتحولها لطاقة: ربما ملعب كرة السلة في الغد القريب سيعتمد على مولدات طاقة خاصة به للإيفاء بحاجياته من الكهرباء مصدرها قفزات اللاعبين الممتعة للمتفرجين، بينما يبدو ارتفاع منسوب مياه المحيط مأساة للكثير من الشعوب الساحلية؛ نستطيع الاستفادة منها بتحليتها، تقنيات الاستمطار الصناعي ستخفف من وطء الجفاف، ان شطح بنا الخيال سيتمكن البشر، من استجلاب جليد اقمار المشتري للإيفاء بحاجياتهم المائية، المجهودات المبذولة لتحقيق امكانية سفر للفضاء بتكلفة معقولة تبدو مشجعة، بالحيث عن مشاكل البلدان الساحلية, صار من الواجب التفكير بجدية في امكانية تصميم بيوت للسكن تحت مياه المحيط السطحية, سيكون الامر اشبه بزيارة كوكب اخر واستيطانه من ناحية اخرى، تقنيات الزراعة التي يتم تجريبها حاليا (من الطريف ان زارعي القنب الهندي داخل البيوت للإفلات من رقابة السلطات من روادها الاوائل) تنبئ عن تخصيص كل بيت لحائط يضع به رفوفا لزراعة احتياجات سكانه الاساسية، على المدن ان تطعم نفسها وعلى البوادي ان تلحق بركب المدن…
علمنا التاريخ ان الكوارث الاكثر اضرارا بالجنس البشري هي من صنع الجنس البشري نفسه، قد يبدو زلزال ما مدمرا وقاتلا لكن ضحايا الزلازل لم يكونوا يوما بعدد ضحايا الحروب ،نسبة كبيرة من ضحايا الزلازل (والاضرار الناجمة عنه) ايضا ناتجة عن قصور البشر في التعامل مع الموقف، نحن بحاجة لننضج اكثر كبشر في مواجهة اي تحد يقابلنا ، صور اطفال يعانون من وباء او مجاعة ما غالبا ما تكون مرتبطة بمنطقة تعاني اضطرابا سياسيا و دائرة مصالح مالية لاشخاص لايهتمون بمصائر السكان، ولا توجد كارثة انسانية لا يمكن تجنبها في الوقت الحالي، حيث فهمنا للأرض و الكون و تخطيطنا للمستقبل افضل بكثير مما كان عليه في بدايات القرن العشرين كمثال.
كل ما سبق، ليس سهلا، لا ارادة حقيقية نلمسها لتجاوز اي عقبة، في بلدان كبلدان الشرق الاوسط المسيسة بشدة والعازفة عن ممارسة السياسة بشدة اكبر (اسباب ذلك تستلزم كتبا وليس فقط مقالا لمبتدئة): مجرد اقناع فئات عريضة بتبني عادات اكثر صحية و اقناع رؤوس الاموال بتمويل ابحاث او توفير منتجات ترفع من مستوى معيشة الشعب ككل امور تصنف الى جانب الغول والعنقاء، يصعب علي شخصيا ان اقنع طفلا ان رمي النفايات في الاماكن العامة ليس تصرفا مسؤولا، وقس على ذلك…
للجدات الطيبات في سائر انحاء العالم و سائر الازمان كل المحبة، امنياتهن الصادقة هي بوصلة هذا التاريخ على كل حال.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى