إبداعترجمةقصة

«ورقة اللوتري»

ورقة اللوترى
بقلم: انطون تشيخوف
ترجمة: سماح ممدوح

كان السيد «إيفان ديمتريش» والسيدة «ميشا» زوجين يحسبان على الطبقة الوسطى للمجتمع، حيث أن دخلهما السنوى حوالى اثنا عشر الفا روبيل.
في ظاهر الأمر كان الزوجين يبدوان وكأنهما راضيين عن حالهما، حتى حدث لهم الحادث والذى هو بمثابة المحك المبيّن لمدى رضائهم هذا. كان يوم نشرت أرقام جائزة اليانصيب كالعادة في الصحيفة التى اعتاد السيد «ديمتريش» قرأتها بعد العشاء كل يوم. جلست السيدة «ميشا» والتى كانت من هؤلاء اللاهثون وراء تلك الجائزة، وتحت إلحاح منها اضطر السيد «إيفان» للبحث في جدول أرقام هذه الجائزة المنشورة في الجريدة أمامة وهو الذى لم يكن يوما مصدقا لهذه الجوائز.
مر السيد «إيفان» بأصبعة نزولا فوق عامود الأرقام وهو يتمتم بكلامات ساخرة من زوجتة صاحبة البطاقة، سأل السيد ايفان زوجتة عن الرقم المسلسل للبطاقة والذى كان”9,499 ورقم البطاقة 26 ”
وبينما السيد «ايفان» يبحث عن الرقم المنشود في شئ من الفتور، أو حتى على سبيل تأدية الواجب لزوجتة، فإذا بعينة تقع على الرقم المسلسل للبطاقة في السطر الثانى من العامود! يكاد لا يصدق عيناه من هول الصدمة، حتى أنه ترك الجريدة تقع على ركبتيه فلم تقوى يداه على حملها أكثر، واحس بأن أحدهم سكب دلوا من الماء البارد على رأسه، حتى أنه لم يكمل النظر إلى باقى أرقام البطاقة.
تلك القشعريرة اجتاحت كل أنملة في جسده، وذالك الخدر اللذيذ الذى سرى في أوصالة مع بعض الوخز في أمعاءة .
وصاح بصوتة المبحوح غير المصدق لما ترى عيناه:”ماشا….إن رقم البطاقة هنا 9,499 ”
نظرت لة الزوجة باحثة في وجهه عن تلك النظرة الدالة على ممازحة أو سخرية، لكنها ادركت أنه لم يكن يمزح. فنظرت إلى الجريدة المطوية فوق المائدة أمامه مبهوتة شاحبة وصاحت:”إنها أرقامنا بالفعل”
وبعدما راجعا مرة أخرى الرقم المسلسل للبطاقة، نظر الزوجين لبعضهما بتلك الابتسامة المشرقة كأبتسامة الاطفال، ذالك لان البطاقة التى يمتلكانها كان ترتيبها في الجوائز الثانى أي إنهم حصلا على جائزة قدرها 75,000 “خمس وسبعون ألف روبيل” وهو مالم يكن يمثل لهم الثروة فحسب إنما أيضا هو”الثروة والسلطة معا” .
خيم الصمت على الزوجين لفترة وهما محدقان ببعضهما، لم يكونا يفكران حاليا بالثروة أو ما سيفعلان بها أو حتى أين يمكنهما السفر مثلا، إنما كل ماكان يسيطر على أدمغتهم هو الرقمين الذهبيين رقم مسلسل البطاقة”9,499 ” والرقم الممثل لمبلغ الجائزة”75,000 ” .
بعد قليل أفاق الزوجين من الصدمة الأولى، وبدأت الأحلام تراودهما، أمسك السيد «إيفان» الجريدة وأخذ يزرع الغرفة طولاَ وعرضا عدة مرات. ثم قال:”أعلم أن هذه البطاقة ملك لك، لكن اتدرين ما أنا بفاعل إن كنت أنا مالكها؟ فهذه البطاقة لاتمثل فقط التغير للحياة إنما هى بمثابة النقلة لنا!. سوف اشترى أولا بيتا جديد بخمس وعشرون ألفا، وانفق عشرة آلاف على الأثاث الجديد، وتسديد بعض الديون القديمة وما إلى ذالك، أما الأربعين ألفا المتبقية سوف أضعها في حساب بنكى يسمح بصرف أرباحها”.
أضافت الزوجة مؤيدة :”نعم سيكون من الرائع شراء بيتا جديد، لكن لابد أن يكون في مكان ما فى،تولا أو اوريول ” فمثل ذالك البيت سيكون إستثمارا مربحا بالنسبة الينا”.
بدأ كلا الزوجين يسترسلا في أحلامهما عن رغد العيش الذى ستجئ به الثروة.
وازدحمت الأحلام الشاعرية في مخيلتهما. فأما عن السيد «ايفان» رأى نفسة وقد أصبح، أكثر ثراء، أكثر هدوء، وأوفر صحة.
تخيل نفسة وهو يحتسى شرابا صيفيا باردا وهو مستلقى على أحد الشطأن أو حتى في إحدى الحدائق الغناء تحت أشجار الليمون، رأى أيضا إنة أنجب طفلين (ولدا وبنتا) وتخيلهما بجواره وهما يتسليان ببناء القلاع على رمال الشاطئ المسترخى فيه، أو يصطادان الخنافس من الحديقة التى يفترش أسفل شجر الليمون فيها. ورأى أيضا إنه لاضير إن هو لم يذهب إلى العمل اليوم أوحتى لبضعة أيام، إنما سيسلى نفسة بالذهاب لقطف بعضا من نبات “عيش الغراب” أو حتى يقضى بعض الساعات في مشاهدة الصيادين وهم يرمون بشباكهم للصيد. وعند الغروب سوف يخضع لجلسة تدليك في حمامة والذى تغطيه السحب في السماء فقط، ليأتية بعدها مشروبه المفضل الشاى بالحليب. وفي المساء من الممكن أن يلتقى ببعض الجيران.
تخيل السيد «ايفان» الخريف بأمسياته المطيرة الباردة. ثم عاش خياله موسم الصيف في «سانت مارتن» وهو يمشى في الحديقة المطلة على النهر الملطف لحرارة الجو، كان يشرب الفودكا ويستزيد منها مع بعض المقبلات من عيش الغراب والخيار المخلل. وبعدها يتمدد على أريكة الحديقة ليطالع بعض مجلات الموضة والتى يستعملها أيضا كغطاء لوجهه حين يغط في النوم بعد قليل.
لكن صيف «سانت مارتن» يتبعة طقس غائم رطب كئيب، فالطقس هناك يكون مبللا بالمطر ليلا ونهار، كل شئ رطب ومبللا الليل، والخيل والكلاب، والطيور. حتى إن المرء لايستطيع الخروج من بيته مع كل هذه الرطوبة، مما يكون باعثا على الكآبة والإحباط.
عندها فكر في إنه لابد من السفر إلى مكان أدفأ من «سانت مارتن»:”لامفر من السفر خارج البلاد، ليكن مثلا السفر إلى جنوب فرنسا، أو إيطاليا ،أوحتى الى الهند….!”.
عبر السيد إيفان عن فكرته الأخيرة بصوت مسموع قليلا، مما جعل زوجتة ترد عليه
” لامفر من السفر خارج البلاد ، لكن أولا لابد من التحقق من رقم البطاقة فنحن لم ننظر سوا في الرقم المسلسل”
لكن السيد إيفان لم يستطيع كبح جماح أفكاره. وبدأت الأفكار تتصارع داخل رأسه لكن في جانب اّخر “ماذا لو سافرت هذه الزوجة معه؟ فهذه الزوجة لا يغيرها السفر، ولا تهتم بالرحلات ولاتعير إهتماما للمتعة اصلا…..!”
ارتعد السيد إيفان لهذه الفكرة وتصور زوجتة وهى جالسة في عربة القطار نادمة على كل مشترواتها التى ارتصت حولها فىي حقائب وسلال وطرود والتى انفقت فيها الكثير من الاموال، وهى تتذمر من القطار الذى أوجع رأسها.
أيضا فكر في إنها بخيلة سوف تحتسب كل مايصرفه، خاصة وهى مالكة البطاقة.. ثم إنها لو سافرت معه لن يستطيع التمتع بوقته، لأنها سوف تحبسه معها في غرفة الفندق المقيمين فيه ولن تسمح له بالخروج.
وفجأة رأى زوجتة وقد أصبحت مجرد عجوز تنبعث منها روائح الطبخ. في الوقت الذى مازال هو يافعا، ممتلئ بالصحة ومن الممكن له الزواج مرة أخرى.
أيضا تصارعت الأفكار تجاه عائلتها، والذى كان قبل الجائزة لايحمل لهم أية ضغينة، بالرغم من أن علاقتة بهم لم تكن قوية أو لم يكن يحبهم كثيرا. لكن بعد هذه الجائزة فكر في أنهم ما إن يسمعو بنبأ هذه الثروة التى هبطط عليهم من السماء سوف يحتالون على زوجتة كالشحاذين للفوز بنصيبهم من تلك الثروة، وإن لم تعطهم سوف يقذفونها بأقذع الألفاظ وينعتوها بأسوء الصفات.
“إنهم كالزواحف ”
“انها بخيلة ولاتعرف أي شيء عن الثراء” هكذا عبر عن زوجتة واهلها. قال هذا وهو يرمق زوجتة بنظرة كراهية وحقد، وأكمل
“سوف تدخر كل النقود ولن تعطينى سوى مئة روبيل”
لم تكن الزوجة وافكارها عن زوجها بأرقى من أفكاره هو عنها.
وربما فطنت هى إلى نواياه من خلال افصاح عيناه عن مكنون صدره. بالتالى لم تكن نظرتها إلية أقل حقد وكراهية
“من الرائع أن تحقق أحلام اليقظة على حساب الاّخرين لكنى لن أعطيك هذه الفرصة” هكذا دار الحوار في رأسها.
لابد وأن الزوج فطن إلى مايدور فى خلد زوجتة، فلقد فهمها لما رأء نظرتها له، حاقدة تشبة نظرته لها كارها.
لهذا قرر أن يهدم ويدمر أحلامها، فأمسك الجريدة وأخذ يتفحص الرقم مرة أخرى.
“نعم مسلسل البطاقة 9,499 لكن رقم البطاقة لم يكن 26 بل كان 46!! هكذا أعلنها متشفيا في زوجتة.
عندها أصبح السيد إيفان وكأنة اكتشف فجأة أن بيتة صغير ومظلم وسقفة منخفض. حتى إنه يضغط على أنفاسة.
وفجأة اكتشف أيضا أن العشاء الذى تناولة منذ قليل لم يكن يصلح للأكل وقد اثقل معدتة، وأن هذه الأمسية كانت طويلة وشاقة.
ايضا بدا عليه أنه اكتشف أن الغرفة التى يجلسون فيها غير نظيفة ممتلأة بالفتات والقشور
“إنه لخير للمرء أن يشنق نفسة على شجرة، بدل من جحيم العيش بهذا المكان” هكذا صاح وهو يغادر!!

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى