مقالات

أحمد سعيد نيجور يكتب: «المقاعد الخلفية»

بقلم: أحمد سعيد

“إلى من يخافون الارتباط، ولا يمكنهم البقاء وحيدين أيضًا”
تبدأ نهلة روايتها بهذه الجملة الافتتاحية، تهديها للحيارى، الذين لا يقفون على أرضٍ ثابتة، يحاربون أنفسهم، ويعانون بين الآمان واللا آمان.
قصة رئيسية تتفرع منها قصصٌ أخرى فرعية، تكمل بعضها البعض، وتؤثر بعضها في البعض.
لا أخفي أنني لم أركز في أسامي الصديقات، ولم أشعر ناحيتهم بالحميمية كما حدث مع البطلة “سارة”، فالكاتبة أظهرتهم جميعًا بوتيرة واحدة، ولم تمنح لأحداهن خصوصية، وأعتقد أنها أرادت أن تُظهر فقط حكاياتهم.
غاصت نهلة في نفسية “سارة” بشكلٍ مبهر، وكأنها تكمل مشروعها النفسي بعد “على فراش فرويد”، ولا أنكر أنني شعرت في كثيرٍ من الأحيان أن هذه الرواية امتدادٍ آخر لتلك الرواية.
أحببت سارة، وكرهتها، لا يمكنني أن أمنحها مشاعر إيجابية بشكلٍ كامل ولا أستطيع أن أقسو عليها سلبيًا بشكلٍ كامل.
أجمل ما في هذه الرواية أنها حقيقية بشكلٍ مخيف، موجعة. لا أنكر أنني توحدت حالتي كثيرًا مع “سارة” اقتربت مثلها، هربت أيضًا، وعاودت ذلك مراتٍ ومرات. كان من المنطقي إذًا أن تتوقف الذاكرة عند نقطة الأمل، أن تقف سارة عند جسر الخوف، ترقب المشهد من بعيدٍ ولا يمكنها الاجتياز، تفعل ذلك كل يومٍ.
الحوار جاء مربكًا في كثير من الأحيان، أحسنت في تفصيح العامية، لكنها في كثيرٍ من الأحيان أخرجت جملًا عامية وسط لغتها الفصيحة.
ابتسمت حينما رأيت ظلال “الموت يريد أن أقبل اعتذاره” المجموعة القصصية التي أحبها لنهلة، والتي أرى اكتمال نضج نهلة بها. من أنسنة الجمادات والخيال الغير محدود، والصور الشعرية.
“أنا أيضًا ظللت أفكر طوال الطريق في عم حسين وأشيائه، تخيلتها تخرج ليلًا من الأدراج ومن العلب، لتعوض السنوات التي لم تُستخدم بها، تحفظ الهواتف أرقام بعضها البعض، ترن في وقتٍ واحد وتلعب، تتوقف الساعات عن الحركة فجأة؛ لتستمتع بإيقاف زمن لعب الهواتف، بينما لا تستطيع الحقائب مشاركتها اللعب، فتبقى بثقلها في أماكنها، تنتظر ثيابًا تأخذها وتسافر بعيدًا، فكرت أن عم حسين يشاركهم اللعب ليلًا، أم أنه لا يضيع فرصة للحلم بها.”
“أخذت أقلب في الكتب الموضوعة على المكتب، فكرت لو أن الله يمنحنا القدرة على التحول في لحظة الحب إلى أشكالٍ أخرى، كأن نتحول إلى صفحات تُضاجع بعضها حين يغلق أحدهم الكتاب، وتبتعد كلما قرر أحد قراءة الكتاب، وعليه فإن أكثر الكتب قراءة ستبتعد صفحاتها مرارًا وتكرارًا خالقة الكثير من الشوق بين الصفحات باستمرار، بينما الكتب التي يعزف الناس عن قراءتها ستعيش معًا دومًا كزوجين، لا يجدان سبيلًا للهروب من الملل الزوجي الطويل ولا من اصفرار علاقتهما التي غلبت على لون الأوراق.”
هل نجلس على المقاعد الخلفية؟! ربما، ربما نحن سجناء هذه المقاعد، ننظر حولنا متلصصين، نشعر بالمتعة ونحن نرتقب حارسًا يداهمنا.. ونتبادل القبلات.
رواية مليئة بالعلاقات المجهدة، نجعلنا متسامحين مع الجميع، لا نحكم على العلاقات من الخارج، فإن دخلناها فقد نفعل نفس التصرفات التي كنا نستهجنها. دعوة للتسامح الذاتي أيضًا، ألا نقسو على أنفسنا، ولكن علينا مواجهة مخاوفنا، وأن نكسر مقاعدنا الخلفية التي قيدنا بها.

أحمد سعيد

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى