ترجمةمقالات

شيرين سامي تكتب: «صباح ومساء».. شي ما بيتنسى!

بقلم: شيرين سامي

 شي ما بيتنسى!

استعرت العنوان من أغنية فيروز “صباح ومسا”

 هذه رواية عن الفطام من الحياة، في مائة وأربعون صفحة من رواية «صباح ومسا» للروائي النرويجي «يون فوسه» الصادرة عن دار «الكرمة»، تمر حياة كاملة من لحظة الميلاد للحظة الموت، بهذه البساطة كُتب هذا العمل الأقرب لمسرحية شعرية ليخرج لنا من جراب السحر عملًا آخر زاخر بالمتعة، يأخذ من وقتك ساعات ويترك في نفسك هذا الإنطباع الذي يدوم للأبد من الدهشة.

 قراءة رواية لكاتب نرويجي لم تكن أبدًا في خططي للقراءة، ربما تحدث كل الأشياء الغريبة صدفة. أسلوب الكتابة في البداية كان أشبه بالمسرحية أو الشعر أو المسرحية الشعرية، نص متصل من حوار داخلي نبحر فيه عبر أفكار الكاتب عن الولادة، الحياة والموت، حوارات تبدو عادية لكنها تنغلق على أشياء عرفها الكاتب ولم يفصح عنها. تعتمد الرواية على حس القارئ وإحساسه وقدرته على التواصل الروحي.

 تنقسم الرواية إلى جزئين، الجزء الأول هو ولادة بطل الرواية “يوهانس” وما يحمله والده الصياد البسيط من مشاعر حيال هذه اللحظة العادية في تكررها، المميزة في فحواها، لحظة الميلاد، إحساسه بزوجته وطفله، وحتى القابلة العجوز التي تساعد الزوجة على الولادة، ربطه لحياته بهذه اللحظة بالماضي، بالحاضر في نسق شعري بسيط وموحي.  أما الجزء الثاني فهو اليوم الأخير في حياة “يوهانس”، العجوز، الطيب، العنيد. علاقته الدافئة مع زوجته الراحلة وعلاقته المؤثرة بصديق عمره “بيتر”، يظهر في النص عشق الكاتب للبحر والصيد والتفاصيل الصغيرة. تتضافر الأحداث اليومية مع إحساس يتضح تدريجيًا عن هذه الشعرة بين الأجساد والأرواح، البطل في هذا الجزء كانت روح البطل التي تفارقه بهذا التدريج المؤثر الساحر.

 تتكرر كلمة “نعم” في الرواية على نحو كبير، كما يتكرر تأكيد الجمل في كل حوار، كان هذا فخ ذكي من الكاتب الذي جعل من الحوارات أنغام رثاء، خالية من الجذب والشد المعتاد، نغمة واحدة رتيبة تبعث على الشعور أن ثمّة أمر غير عادي يحدث، إنها الوفاة، الروح في فطامها عن الجسد والحياة والناس.

 رواية خارقة للقوانين الروائية، حارب فيها الكاتب الإعتيادية وإبتكر شكل جديد من الكتابة البسيطة، المختزلة، المفعمة بالمشاعر. عمل ممتع وغير مألوف. جعلني في شوق لصدفة أخرى تجعلني أقرأ عمل بهذا الإختلاف. هذا العمل يستحق أيضًا الإشادة بترجمته البديعة التي أظنها شاقة لما في النص من غرابة وبساطة.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى