إبداعقصةمشاركات أدبية

«مجلس الغول».. قصة لـ «نداء الحلوجي»

قصة: نداء الحلوجي

 

في سنواته المبكرة، اعتقد “جلال” أن جده هو الغول بعينه، لَمَّا أدرك أن لقب عائلتهم هو . . “الغول”.
رافقه وقتها خوف منه، فكان يختبئ كلما رآه، ويهرب من بين يديه إذا أمسك به.
خوف لم ينتهِ إلا حين أفاض به لجدته في صباحٍ رأته يهرب فيه من جده، حكى بعد تردد أن جده الغول، وسيأكله، ضحكت واحتضنته، سألته أن كان جده يمتلك أنيابًا، أو يأكل أطفالًا، أو يمتلك عينًا واحدةً، هدأ وفكر:
“يعني سيدي غول طيب؟”
“سيدك غول طيب”.
وهذا ما آمن به، عمره كله، إلا في فترة قصيرة، كان في الخامسة ربما، حين أعطته أمه كراسًا، ودفعته أمامها إلى الكُتاب، ليقابل شيخًا كريهًا وأوراقًا خضراءً ، تحكي عن إله جبار، له جنةٌ ونار، تشكلت صورته في عقله، كصورة جده . . وتدريجيًا صار هو “جده”.
رأى الجحيم في عصاه الغليظة، التي طالته وأخوته مرات فكادت تكسر عظامهم، ونعيمه في جيبه الواسع، الذي يُخرج منه القروش والحلوى.

***

شهور قليلة ومات جده، أثناء سجوده في صلاةِ فجرٍ، فأعلن الكثير عن حسدهم له، حين قبضوا على يدي ابنه الوحيد.
جده، إلهه الأول، كُفن أمامه، ووضعوه في قبر لن يسعه واقفًا، وأحكموا إغلاقه. لم يعرف ما الموت ليفهم، فسأل . . أجابوا، فانفطر قلبه؛ جدته قالت: “راح للي خلقه”، وأمه: “ربنا افتكره”، فاستنكر وسأل: “هو مش جدي ربنا؟” فلطمته أمه مُستغفرةً.
لأيامٍ شعر بالهزيمة، وافترست الأسئلة فضوله، فأين هذا “الله”، وكيف ذهب إليه جده، وما هيئته، وكيف يعاقب وكيف يجزي. لم يكن هناك من يجيبه سوى عقله، الذي ارتاح لاعتقاده القديم، أن جده غولٌ طيب، وقد اختاره الله يوم مات ليصير صديقه.
وهكذا، رُسمت داخله صورةٍ، عن مجلسٍ، يرتاح فيه جده على جانبه الأيمن، في مقابلة الله، الذي يراه الآن كسحابة بيضاء مبهمة، يتسامران ومن حولهما دخان النارَجِيلة.

***

لم يغير حفظه للقراءن من تلك الصورة، حتى بلغ الثانية عشر، وأخبرته أمه الصارخة، أن أباه أيضًا مات، ذهب إلى الله، في حادث طريق، علم تفاصيله لاحقًا، وكيف دُهس أباه أسفل عجلات النقل الثقيل، فلم يتعرفوا إليه إلا من أوراق هويته. وقتها توقف عن رؤية الله في المجلس، فقط أبوه وجده، يدخنا النارجيلة.

***

كان قد جاوز الثلاثين، حين عاد لقريته، برأس مال صغير جناه في المدينة، ففتح مقهى صغير، أسماه “الغول”، يُقدم ما يخدم الأمزجة، سائلًا كان أو دخانًا أو حتى مسموعًا.
زوار ليله يفوقون نهاره، لِما عُرف عما يدور في الظلمة من خمر وحشيش، وراقصة بين الحين والآخر.

***

لعنته أمه حين عرفت، وتوعدته بجحيم الله، فصرخ أن آلهته قد ماتت، وأن إلههم بكتابه الأخضر، قد غادر المجلس، الذي ما زال، كل ليلة، يُقيم مثيله في مقهاه.
سمعته، فجنت، صرخت ولطمت، وندبت حظًا سلبها الزوج التقي، وأبقى لها الابن الكافر، ليذيقها الحرام، بعدما عاشت عفيفة الجوف رغم الزمن.

***

جلال لا يترك عقله للسطل، لكن ما حدث عكر صفوه، فلعبت سيجارة واحدة برأسه، الذي استنجد بالحشيش، ليغيب، كما استنجد جسده بعشيقته، فهلك.
قضى باقي ليلته، غائبًا، يحدق في ركن المقهى، يرى أمواتًا يدخنون النارجيلة، ويفتتون الحشيش فوق المعسل، وجده يترأسهم يضحك.
جلجلت ضحكة “جلال” لما رآهم، ونادي: “يا سيدي الغول”، فانتبه جده وعبس، واتجه نحوه ممسكًا بعصاه، ورفعها، لتنزل على رأس المسطول، مرة تلو الأخرى، وهو يصرخ: “يا كافر يا ابن الكلب”.

***

الزبائن أقسموا، أنه رغم سطلهم، ما زالوا يذكرون كيف وقف “جلال” فجأة، في منتصف المقهى، ونزل بعصاه، على رأسه، مرة تلو الأخرى، وهو يصرخ: “الرحمة يا سيدي الغول”.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى