ترجمةمقالات

من أين تأتيك الأفكار؟

ترجمة: سماح ممدوح

كثيرا ما يسأل المبدعين، من الكتاب بالتحديد، عن أفكارهم ومن أين أتوا بها. وعن ذلك يقول الروائى البريطانى (نيل جيمان):”كل أصحاب المهن يقعون في هذا الشَرك. الأطباء على سبيل المثال، دائما ما يُطلب منهم المشورة الطبية، المحامين يُسألون عن المعلومات القانونية، والحانوتى يسأل عن كيفية جعل مهنتة مثيرة، لكن الناس حينها يحاولون تغيير الموضوع سريعا. ويسأل الكاتب من أين تأتى بالأفكار.

في البداية كنت قد اعتدت إجابة الناس عن هذا السؤال إجابات ساخرة، فمثلا أقول”آتي بأفكاري من نادى فكرة الشهر، أو أقول آتى بأفكاري من متجر الأفكار الصغيرة بوجنور ريجسى، أو أقول آتى بالأفكار من كتاب قديم مغطى بالتراب، ومليئ بالأفكار أحتفظ به في قبو منزلى، أو حتى آتى بأفكاري من”بيت اتكينز”، (وهذا الأخير لا يعرفه الكثيرين ويحتاج مني تعريف) ف”بيت اتكينز” هو كاتب سيناريو، وروائي صديقي، وقد قررنا منذ زمن عندما سألنى نفس السؤال من أين آتى بأفكارى، قررت أن أقول انى استمدها منه هو شخصيا، ليرد علي بالمقابل بأنها كانت أفكارى أنا أولا، ومع الوقت، وجدنا أن هذا منطقى، نستمد الأفكار من بعضنا)
وبعدها مللت من الأجابات التى أصبحت أراها غير كوميدية. لكن هذه الأيام قررت أن أخبر الناس الحقيقة:
“أنا من أصنع أفكاري، أختلقها في رأسى”
لكن الناس لم تحب هذه الإجابة كثيرا، ولا أعرف لماذا. ينظرون إلي بعدم رضا، وكأنني أريد التخلص منهم سريعا. أو كما لو يكون سرا كبيرا، ولسبب معين خاص بي لا أخبرهم الاجابة الصحيحة وكيف أحصل على أفكارى.
بالتأكيد هذا غير صحيح، لأسباب، أولا: أنا نفسي لا أعلم من أين أتي بأفكاري، ما الذى يجعل الأفكار تخطر لي، أو إن كانت هذه الافكار ستأتى أو لا تأتى. ثانيا: أشك فى أن أي أحد يرغب في الاستماع لمحاضرة ثلاث ساعات تحكى عن عملية الابداع. ثالثا:إن الأفكار ليست مهمة إلى هذا الحد، حقيقة ليست كذلك، أي فكرة سواء كانت فكرة كتاب، أو فيلم أو قصة، أو مسلسل تلفزيونى.

كل كاتب واجه هذا الأمر، يأتى إليك الناس ليقولو إن لديهم فكرة. ودائما ماتكون أفكارهم متشابهة. ويخبرونك إن هذه الفكرة غير مسبوقة، فكرة قوية، وعندما تأتى لكتابتها، أو تحويلها رواية، تجدها عادية، (ربما حينها يمكنك كتابة هذه الفكرة او تحويللها رواية واقتسام المال مناصفة مع صاحب الفكرة).

أتعامل بعقلانية كبيرة مع هؤلاء الناس. وأخبرهم حقيقة إن لدي العديد من الافكار عن أشياء عدة تشبه فكرتهم. ثم أتمنى لهم التوفيق. الأفكار ليست فقط غير المسبوقة أو الصعبة، إنما هى كيان كامل.

خلق شخصيات يمكن أن يصدقها الناس، يفعلون أكثر أو أقل مما يحكيه الناس، لهو من أصعب الأشياء. وأصعب بكثير من هذا التصور البسيط لعملية الكتابة، التى يعتقدها الناس مجرد سرد كلمات بعد أخرى فقط، لكن العملية هى بناء ماتريد قوله بشكل يجعله مثيرا، وهذا ماسيجعله غير مسبوق.
لكن ما يزال الناس يريدون أن يعرفو كيف تأتيني الافكار. وفي حالتى، هناك من يريد أن يعرف ما إن كانت أفكارى تأتينى من أحلامي، والاجابة بالتأكيد لا، (منطق الحلم، غير منطق القصة)
ولناخذ مثلا، أخبر شخصا عن حلم رأيته مثل أن تقول، كنت في هذا المنزل، وأيضا رأيت مدرستى القديمة وكانت هناك ممرضة، وكانت تبدو كساحرة عجوز، ثم ذهبت بعيدا، وكان هناك ورقة شجرة ولم استطيع النظر اليها، وكنت أعرف أنى لو لمستها سيقع شيء رهيب) أحكى حلم هكذا وسترى كيف ستلمع العيون. لكن أنا إلى الان لم استطيع إعطاء إجابة مباشرة على هذا السؤال.

ابنتى “هولى”، ذات السبعة أعوام، أقنعتنى بالذهاب للتحدث إلى أصدقاءها في الفصل، وكانت المعلمة متحمسة جدا (فالأطفال كانو على وشك عمل كتابهم الخاص، أخيرا، وربما أجيء إلى الفصل وأحدثهم كيف يصبحون محترفين في الكتابة، واخبارهم الكثير من القصص، فهم يحبون القصص) وبالتالى ذهبت إليهم.
جلسو على الأرض، جلست على الكرسى، عيونهم معلقة تجاهى:
“عندما كنت في مثل عمركم، لم يكونو يريدون أن أحكي لهم عن الأشياء التى أفعلها. لكن اليوم، يعطوننى أموالهم لكى أحكى لهم، تحدثت اليهم لمدة عشرين دقيقة، ثم سمحت بالأسئلة.
في النهاية وقف أحدهم وسألنى:
من أين تاتيك الأفكار؟
عندها أدركت إنى مدين لهم بالاجابة، ليسوا كبارا كفاية لتميز الافضل. وهذا سؤال يبدو معقول، غير انه يسأل اسبوعيا.
وهذا ما اجبتهم به

“تأتيك الأفكار من أحلام اليقظة. تأتيك الافكار عندما تصاب بالسأم، فقط هناك فرق بين الكُتاّب، والناس العادين في ذلك، وهو أن الكُتاّب يلاحظون هذه الافكارعندما تأتى.
ستأتيك الفكرة عندما تسأل نفسك السؤال البسيط، السؤال الاهم، وهو” ماذا لو…؟”
(ماذا لو استيقظت في أحد الايام وقد نبت لك جناحين؟ ماذا لو وجدت أختك وقد تحولت إلى فأر؟ ماذا لو عرفت إن أحد معلميك، يخطط لأكل أحدكم في نهاية الفصل الدراسى لكنك لا تعرف كيف؟)
وهناك سؤال هام اخر،وهو، لو فقط…؟”
ماذا لو كان فقط دورك في الحياة، وكأنه دور في فيلم موسيقي هوليودي؟ ماذا لو فقط استطيع تصغير نفسى لأصبح بحجم زرار؟ لو فقط تقوم الاشباح بكتابة واجبى المنزلى؟”
وهناك اسئلة اخر مثل:، أنا اتساءل…
(أنا اتساءل ماذا تفعل عندما تكون بمفردها؟).
ماذا لو حدث هذا(ماذا يحدث لو بدأت التليفونات تتحدث إلى بعضها البعض من دون وسيط؟).
هل سيكون مثيرا لو( هل سيكون أمرا مثير لو حكم العالم بواسطة القطط؟).
هذه الاسئلة وكثيرا غيرها هى الأفكان، وبشكل أساسى، حيث تأتى الافكار. (بالنسبة لمسألة حكم العالم بواسطة القطط، كيف سيشعرون حينها؟).
الافكار لاتأتى بالحبكة، فالفكرة هى مجرد بداية الابداع، والحبكة عادة تأتى من تلقاء نفسها عندما يسأل المرء نفس الاسئلة حول نقطة البداية.
احيانا تكون الاسئلة عن شخصية مثل(هناك ولد يريد أن يعرف ماهو السحر) أحيانا اسئلة عن المكان مثل (هنالك قلعة في نهاية الزمان، وهو المكان الوحيد هناك…..) أحيانا تكون الأسئلة عن الصورة مثل (هناك امرأة تبين في الغرفة المظلمة المعبأة بأناس باهتى الملامح).
غالبا الافكار تاتى من شيئين متلازمين، ولا يأتيا إلا متلازمين، مثل( اذا عض ذئب أحدهم وتحول إلى ذئب أيضا، فماذا لو عض الذئب سمكة ذهبية؟ وماذا لو عض الذئب كرسي؟)
كل القصص هي عملية تخيل:
مهما كان ما تكتب، مهمتك أن تجعل الاشياء مقنعة، ومثيرة، وجديدة.
عندما يكون لديك فكرة، بعد كل ذالك وبدأت المشروع، فماذا بعد؟.
حسنا، حينها ابدء بالكتابة. ضع الكلمات واحدة تلو الاخرى حتى تنتهى. على أى حال.
أحيانا ينجح الأمر على هذا النحو. ولا تتخيل من الوهلة الاولى أنه ينجح دائما، فأحيانا لاتعمل الامور بهذه الطريقة، ولا تنجح، فترمى كل شيء وتبدء من جديد.
أتذكر منذ عدة أعوام مضت، كانت لدى فكرة عظيمة، قصة عن رجل الرمل، كانت الفكرة عن شيطان اعطى بعض الكّتاب والفنانين ومؤلفي الأغانى أفكارا تغير حياتهم مقابل جزء من حيواتهم، وأسميت القصة الجنس والبنفسج.
وبدت هذه قصة دقيقة، فقط حتى شرعت في كتابتها، اكتشفت انها تبدو كمحاولة الامساك برمال ناعمة كلما فكرت بإنى ملكت الفكرة أخيرا، أجدها تتسرب منى كما يتسرب ذالك الرمل الناعم من بين الاصابع ويختفى.
كتبت في الموعد
لقد بدأت هذه القصة مرتين الان، وما إن أصل إلى منتصف الطريق لنهاية القصة، حتى ينتهى الأمر عند هذا الحد، وأرى موت القصة على الشاشة أمامى.
رجل الرمل، هى قصة رعب كوميدى من نوع القصص المصور. لكن لم يسبق أن كتبت شيء تخللنى مثل هذه القصة. وأنا الان أوشكت على الاستسلام وعدم اكمالها.
الافكار التى ممكن أن أضعها على الوررق واكوّن منها قصص هي الشيء الذى يجعل منى كاتبا.
وهذا لا يعنى أنى أصحو مبكرا وأجلس في قطار مع أناس لا أعرفهم وأذهب إلى عمل أكرهه.
الجحيم بالنسبة للكاتب هو الورق الابيض، أو صفحة الشاشة الفارغة لا استطيع ملئها. وعلي ملئها بشخصيات لأناس ممكن أن نصدقهم، أو في قصة لم تحكى من قبل.
البدء في ملئ الصفحة البيضاء
كتبت فكرتى، فقد يأست،(اليأس، ربما هو شيء حقيقى آخر أستطيع أن أجيب به عندما أسأل من أين آتى بأفكارى ولا تعجبهم أيضا هذه الاجابة، اليأس والملل أيضا كلها اجابات حقيقية، وهى من الأشياء المهمة في الكتابة بجانب الافكار الاساسية، والقصص المحكمة الصياغة.
في النهاية ينصح نيل جيمان من يريد الاستزادة بمعرفة من أين تأتى الأفكار بقراءة كتابه الذى جمع فيه كل الاجابات عن هذا السؤال واسماه “ارض الاحلام”.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى