الرئيسية / إبداع / «التكبير الحتمي لداخليات نفوس القطط».. قصة لـ «أحمد أبو الخير»

«التكبير الحتمي لداخليات نفوس القطط».. قصة لـ «أحمد أبو الخير»

قصة: أحمد أبو الخير

Ahmed Abo Elkheir

أشبه ما يكونُ بِحَك فَورة الرأسِ أو الأنفِ إن كان باليد شحم أو حتى إزالة القشرة الخارجية من جُرح. الناس تتتابع، يحتكون بالأرض، فيؤدي ذلك إلى التعرية، وجعل الأرض تفرز ما بداخل بطنها، حيث تُنبت الزرع والشجر والبشر، وكانت السيدة التي سكنت وسط الميدان إحداهن.
حينما حاول أحد سكان العمارات القريبة من الميدان، الإقتراب منها، مَسَكها من أنامل رجلها – وكان الشيء الوحيد الذي مسكه-، نظرت له من عينيّ فنجان قهوة، قامت، حسرت الجلباب الفلاحي الملون، و النتيجة أنّه ظلَ أسبوعًا بالمستشفى يتعالج من جروحه المسببة من (المَره العَفِية)، وما حدث له من عشيرة القطط التي هبشت وجهه.
تقومُ، بعد أن تأخذ الشمس راحتها في الإستيقاظ، تمد كف جريد النخل عن اليمين فتأكل – الطعام يأتِ من الولد بائع المناديل، المقابل، إرضاعه كل ليلة-. تأكل، تُطعم القطط المُتقافزة حولها، وداخل حِجرها.
تبدأ العمل بمد اليد، وانتظار نقود الصباح والأعياد والمدارس والمواسم والنذور، وأن الفرج لا محالة قادم بعد إعطاءها نقود (أمر الإعطاء إجباري، مرة تأخر أحدهم، فلم يُستدل عَلى مكان جُثته، ولكن أسنانه صارت مشطًا تكحت به شعرها الذي بطول مسيرة يوم في الصحراء).
قبل نوم العصر، عند خروج الموظفين والمدارس، تقف، تسير في المقدمة، تهز وسطها، خلفها صف طويل من القطط، يستنشقون معها الهواء. يزدحم الطريق، يسب الناس، أُذُن أحدهم قطعته؛ لأنّه لعنها ولعن اليوم الذي ولدت فيه، بالرغم من أنّه كان بعيدًا عنها بحوالي خمس كيلومترات.
بعد المشي والنوم والراحة، تأكل مرة أخرى هي والحبايب، تمسد ظهورهم، تلعب معهم، فيلحسون شعرها، يتمسحون فيها، ثمّ تبدأ وصلة العمل مرة أخرى، فإنتظار نقود العِشاء.
الناس قامت فزعة. الصراخ عالِ كُسِر بسببه زجاج النوافذ. الصراخ المشتد لفتاة، لابد أنّها تغتصب علانية، تُسحل، وتُقطع أعضاءها حية (اضطر السكان لاستعمال سدادات أذن بحجم كرة قدم). فتاة وجدوها جوار السيدة ذات الجلباب التي انتهى أمرها.
فالقطط تتقافز حول السيدة، تنبش أظافرها، هذه تأكل يدها، الأخرى أصابع قدميها، البعض يأكل من البقايا العالقة بالعظام، وبعض القطط الأخرى تلحس بقايا الدماء الزرقاء المُتساقطة من فروة الرأس، حتى أتوا عليها، لم يبق إلا الأحشاء التي جذبت الكلاب.
طوعًا وفرحًا، انفض جمع الناس- لم يخبروا الشرطة و إنما حمدوا الله-، عَمدوا إلى رش رائحة لتحل محل المرأة العَفية، ولا يزال صراخ الفتاة صاحبة وجه بياض الحليب، قائم.

الفتاة أفرزتها الأرض اليوم، وكان صراخها نتيجة أن هذا المشهد وهذه السيدة أول ما رأت عينيها. خدّامة بنت خدامة من عيلة خدامين. لم تترك بيت أسيادها من يوم مولدها، تخدم الكبير والصغير، الحي، وتقرأ القرآن يوم الجمعة على الميت.
وكصورة حية روتينية منتقاة من إحدى كليشيهات الأفلام القديمة، كبرت قبل الأوان، فار جسدها. استفز شهوة ابن سيدها. حملت منه. سجنها في قبو الفيلا. التستر على الإختفاء بأنّها سرقت وهربت. يرمي لها الأكل كُل أربع أيام، تأكل، تُطعم الفئران من حولها ( مشروع لتسمينهم، فهي ستتغذى عليهم، هي شخصان في واحد).
بعد أنّ ولدّت نفسها، واشتد عودها هي وبنتها، ابتلعتها أرض القبو، لتُنبتها وسط الميدان، لأنّها ضرورية – من وجهة نظر ما – لمشهد الصراخ والعويل.
أثناء الإنبات كانت تُرضع ابنتها (حيث سُمِع وقتها من بعض الشباب صفارات استفزت العصافير في الأعشاش، والألسنة امتدت لتلحس الأرض من شِدة بياضها وبياض جسدها). انفلت الصغيرة من يدها، بعدما رأت ما رأت. البنت لا تزال جائعة، ثدي القطة التي تلحس الدم أمامها شهي، ممتليء بالحليب. أخذت تحبو بسرعة، وصلت، أخذت تمص، فتركتها القطة بعدما فطنت.
بعد الإنتهاء، والترك للكلاب، أخذت القطط تلتف حول الصغيرة، فيَلحسون شعرها، يَتمسحون فيها، الأم الفتاة ابتلعتها الأرض للأبد، بعد أن خرجت حنجرتها من كثرة الصراخ وأخذت تدحرج حتى نهاية الميدان، البنت الصغيرة أخذت تبكي، لا من القطط، ولا فقد أمها، وإنّما بسبب هذا الرجل الملتف في سرعة حول الميدان، حول إحدى القطط الصديقة.

فإحدى القطط لم تنل نصيبها الكافِ من لحم السيدة، ماذا تفعل؟. ليس أمامها إلا (الفرارجي). أخذت تتمسح له مرة، تستكين في الظل، تموء مرات، حتى رمى لها قَدم دجاجة مذبوحة للتو، خارج المحل، أمسكتها، تجري، فتفاجيء بأحدهم يجري خلفها.
( أحدهم – هذا – مُتخفي من يومين في شكل شجرة؛ لينعمَ من المحل بأي شيء). تجري وهو ورائها، حتى وصلا للميدان، يدوران حوله، وهو يقسم لها، يتوعد، بأنّه سيأخذ نصيبه التي اغتصبته منه. سيمسك بها. يأكلها، و يصنع من لحمها و شعرها أحسن شُربة.

المَشَاهِد كان يتابعها أحدهم، وهو يُدخن سيجارة، وينعم بفنجان قهوة، ولإضفاء جو مملوكي، كان يفرك بعض أعواد الريحان، فتكتسب يده رائحة عطرة.
قطع تتابع المشاهد وانسجامه، صوت زوجته من الداخل التي تكنس الشقة – للمرة الخامسة في ذلك اليوم-. صوتها الذي يندب حظ زواجها منه، وأنّه كان يومًا لا يعلم به إلا الله، يومًا مشئومًا، فهو رجل حالم، مثالي، لا هم له إلا نفسه، ويعتقد بأنّ العمل سيأتي راكعًا تحت قدميه، ثم وصلة الأسعار، والحياة التي صارت نارًا، و … و …، وبعد كل ذلك تطلب منه شراء قطة بدعوى، أن أصدقائها في النادي (الذي تدفع هي اشتراكه من حر مالها المتروك لها من أبيها)، و كل الجيران و الأصحاب و الأعداء عندهم قطط وهي لا .
ينظر لها، فيبتسم، ثم يختلس النظر فينظر للشارع، فيضحك، أخذ يحرك رأسه، ويداعب نظره بين المشهدين.
رمى السيجارة، ترك زوجته تعيد كلامها، جرى للميدان، القطة التي كان الرجل الشجرة يجري ورائها أخذها – الزوج طوله ثلاث أمتار، الجن الأزرق لا يقف في طريقه-، ثم أخذ قطتين من اللاتي لا يزال الدم يسيل من فمهم.
بينما لا يزال محافظًا على ضحكته، أعطى لها القطط الثلاث، وها هو ذا سيتركها وينزل القهوة، ليلعب عشرتين طاولة.

قبل أن يهم بالنزول، ويغلق باب الشقة الملعب، وقبل أن يأخذ المفاتيح المُعلقة، وجد أن القطط أخذت تلتفت حول زوجته، يلحسون شعرها، و يتمسحون فيها، وهي فرحة، مرحة بهم.
يغلق الباب، ويمضي مقهقهًا، مُسلمًا على كل من يراه، مُقبلاً كل من ظهر أمامه ( قَبّل عشر سيدات، و ثلاث كلاب، و عشر رجال إلى الآن).

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضاً

«الصيفُ الحارق» قصة لـ «سفيان البوطي»

الصيفُ الحارق سفيان البوطي/ المغرب شهر أغسطس، شهر ساخن بكل التفاصيل. ” ممتد طويل، بالمْحَايِنْ …

تعليق واحد

  1. أنا دماغي لفت يا ابا

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend