الرئيسية / شباك / سينما / سعاد أبو غازي تكتب: «النسور الصغيرة» تجربة جريئة لرواية «مأزق شخصي»

سعاد أبو غازي تكتب: «النسور الصغيرة» تجربة جريئة لرواية «مأزق شخصي»

بقلم: سعاد أبو غازي

عند مشاهدة فيلم “النسور الصغيرة” للمخرج محمد رشاد، من الصعب أن تُسكت صوتك الداخلي، الذي يجد فرصة ليثير من جديد خلافاتك ومواقفك مع والديك، ولومك الدائم لهما على تفاصيل صغيرة أو قضايا كبيرة، المهم في لحظة ما تدرك إنك لست وحدك، من يشعر بهذا الإضطراب في علاقته بوالديه. محمد رشاد صنع فيلما ليعبر عن مأزقه مع والده، لكن هناك أشخاص آخرون ربما يصمتون عن سرد ذلك للأبد.

“النسور الصغيرة” فيلم تسجيلي طويل، من إنتاج “هالة لطفي- شركة حصالة” عام 2016، حصل على أفضل فيلم تسجيلي طويل من مهرجان “مالمو” بالسويد عام 2017، وجائزة لجنة التحكيم بمهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، كما شارك في مسابقة المهر العربي للفيلم الطويل بمهرجان دبي السينمائي الدولي 2016.

يدور الفيلم في خطه الرئيسي حول المخرج نفسه محمد رشاد، ووالده رشاد أحمد، وهما من الأسكندرية، حيث العلاقة بينهما تقريبا مفقودة، خاصة بعد وفاة الأم، كل منهما في حالة رفض لاختيارات الآخر في الحياة، الأب لا يعرف على وجه الدقة ماذا يفعل ابنه الوحيد، ويسأله بوضوح: تقدر تقولي سنك كام وعملت إيه؟، والابن كان يتمنى أن يصبح والده شخصا آخر، غير إنه عامل “مكوجي”، ليس لديه أي اهتمامات أو ميول سياسية، لا يحمل تاريخه أي “نضال”. وعندما ينتقل-أي الأبن- من الإسكندرية إلى القاهرة يعرف إنه كان يتمنى والده مثل والدي “سلمي” و”بسام”، يساريين من قيادات الحركة الطلابية في السبعينات، من الحقوا أبنائهم بجمعية “النسور الصغيرة” التي كانت أشبه بـ “معسكر” يلتقي فيه أبناء يسار السبعينات، لكي يرثوا نفس أفكار الآباء والأمهات، وهذا تقريبا ما حدث، على الأقل في الجزء المتعلق بـ”النضال ضد السلطة”، سلمى وبسام شاركا بفعالية في ثورة الخامس والعشرين من يناير، بل إن سلمى أصيبت إصابة بالغة أثناء تصويرها لإعتداء رجال الأمن على المتظاهرين أمام وزارة الداخلية، في فبراير 2012.

ندرك مع محمد رشاد من خلال الفيلم، ورحلته مع “سلمي” ابنه المهندس سعيد أبو طالب، و”بسام” ابن الحقوقي “محمود مرتضى”، إنهما أيضا يشبهونه في وجود “مأزق” ما يحيط بعلاقتهما بوالديهما، “مأزق” من نوع مختلف، يعود بالأساس لانغماس الآباء في “النضال”، الذي أدخلهما السجن، وحرمهما من وجودهما بقرب أبنائهم مثل كل الآباء “العاديين”.

ما يلفت الانتباه في “النسور الصغيرة” هو ذلك التوهج الذي يستشعره المشاهد عندما يتحدث “جيل الآباء”: رشاد أحمد، محمود مرتضى، سعيد أبو طالب، وليس الأبناء، الآباء حكائين، يتحدثون ببساطة وإنطلاق، تلقائيين، لديهم خفة ظل، ومشاعرهم متدفقة، يسمحون لنا بأن نراهم من الداخل، لكن الأبناء، على العكس، حذرين، يتحدثون قليلا، لا يسمحون لمشاعرهم بالظهور، يفضلون الصمت كثيرا، وإذا تحدثوا كان حديثهم خجول، بما في ذلك تعليقات محمد رشاد التي صاحبت الفيلم، كان صوته رتيبا، باعثا على الملل، لم يتمكن صوته من التعبير عن مشاعره التي كتبها على الورق، بالعامية مرة وبالفصحى مرة، وهو واحد من نقاط ضعف الفيلم، بجانب الجزء الأول من الفيلم الذي جاء فاترا، بطيئا، وساهم في تأخير الإندماج مع الفيلم.

لدى رأي مختلف مع محمد رشاد في أن “النسور الصغيرة” كان الأنسب كعنوان للفيلم، وهو بالطبع اسم جذاب، لكن ما شاهدناه ليس عن تجربة جمعية “النسور الصغيرة”، لكن عن شخص يود أن يصبح “نسرا صغيرا”، واكتشف من خلال رحلة زمنية طويلة وممتدة من 2012 إن خلف البريق الذي كان يراه من بعيد عن تلك التجربة، وبنوة آباء ينتمون لجيل مناضل في السبعينات، حياة ليست جذابة تماما، وإن أصحاب تلك الحياة يعانون من نفس ما يعاني منه هو “غياب الأب”، وإن الاختيار لتصبح مناضلا، أو تكون مع القطاع العريض من الناس في مصر بلا انتماء أو ميول سياسية، هو اختيار يقابله تضحيات لا أكثر ولا أقل، “بسام” و”سلمى” ومعهما محمد رشاد نفسه من جيل “مهزوم” أيضا، بشكل أو بآخر، شاركوا في ثورة تم القضاء عليها، وإسكات أصوات من كانوا يوما ما جزءا منها، مثل جيل الآباء تماما. “سلمى” في الفيلم ظهرت حزينة وعابسة، “بسام” على الرغم من ابتسامته الدائمة إلا إنه لم يجد إجابة على سؤال: هتقول ايه لما ولادك يقولوا علينا جيل مهزوم؟!

تكمن جاذبية “النسور الصغيرة” في صدق حكايات أبطاله، في قدرة محمد رشاد على التعبير عن حقيقة مشاعره تجاه والده، بدون حسابات معقدة عن صورته أمام الآخرين، وإن فيلمه الأول كان يروي فيه قصته، ومأزقه الشخصي، كمقدمة طويله لرواية قصص آخرين، بالإضافة إلى عفوية وتلقائية أبطاله من الجيل القديم وفي مقدمتهم والده، كما تكمن الجاذبية في الصورة النهائية التي وصلت للمشاهد، بأن المقارنات لم يكن لها نتيجة ان هناك من كان اختياره أفضل من الآخر، أو أن حياة سلمى وبسام كانت أفضل من محمد أو العكس.

بدأ محمد رشاد فيلمه بمانيكان عاري في فاترينة محل، مع تعليق صوتي بأنه كان يتمنى أن يصبح ممثل لكي يعيش أكثر من حياة، لكن النهاية حملت رغبة عكسية من رشاد، بأنه لم يعد يتمنى ذلك لإنه “لا يريد أن يكتب له الأدوار التي يؤيدها”، وربما أيضا تحمل النهاية “بداية جديدة” في علاقة رشاد الابن مع رشاد الأب، بعد رحلة طويلة بين القاهرة والإسكندرية.

“النسور الصغيرة” فيلم شديد الحساسية، جرىء في سرده لمأزق العلاقة بين الأجيال المختلفة، نجح في رواية حكايات أبطاله ببساطة. “النسور الصغيرة” فيلم يستحق المشاهدة، رغم إنه يحمل كل تعثرات التجربة الأولى-النسور الصغيرة أول فيلم تسجيلي للمخرج- خاصة عدم القدرة على ضبط الإيقاع، واستخدام المفرط للمشاهد الطويلة، وإفتقاد القدرة على الحكي باستخدام الصوت.

يستمر عرض فيلم “النسور الصغيرة” في زاوية وسط البلد حتى الثلاثاء 27 فبراير الجاري، في حفلة 5 مساء.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

جويس منصور وأحمد راسم.. شعراء مصريين ثائرين كتبوا بالفرنسية فذهبوا في سُحُب النسيان

بقلم: محسن البلاسي الظل المحمول حياة فاترةٌ في عين الشائخين مؤلمةٌ في عين الموتى ومحتلـّو …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend