التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

محمد علي عبد الهادي يكتب: «إيلات».. ليس بمؤمن من لا يعيش وفق إيمانه

بقلم: محمد علي عبد الهادي

يقول فرويد ” ليس بمؤمن من لا يعيش وفق إيمانه ”
وهكذا – بنفس المنطق – يقدّم لنا ذلك الرائع ماجد شيحة ” إيلات ” تلك الرواية الصادرة عن دار كيان, والتي استدعى فيها الكاتب البعدين الواقعي والسحري معًا على الطريقة الماركيزية, فكان تسريب الحكايات رائعًا, يدفعك بتان نحو اللهاث كلما تعمقت معه في المتابعة, وكأن الكاتب أراد أن يمسك بتلابيب أنفاسنا, ولا يمنحنا الهواء إلا بمقدار .

البداية كانت رائعة, شخوص وأحوال, وقاتل يتوعد صديقه بالقتل دون سبب ودون كراهية, ثم حادثة توحي بانقطاع مدد السماء .. صراع وتحوّل, أجاد به كاتبنا رسم لوحته, فتحول القلم في يده إلى ريشة جعلتنا أكثر دهشة, وأشد ابهارًا .
والحقيقة أن الرواية استندت إلى نص فلسفي, نص محكم بلغة محكمة, استمد بريقه من حادثة لم يتناولها أحد, شكّلها نوع فريد من التفاصيل, استطاع به كاتبنا أن يطرح العلاقة بين الحقيقة والمجاز, أو بين الحلم والواقع .. والواقع أن النص يمكن حصره في حكايتين كبيرتين, حكاية حسين القاتل الحقيقي, وحكاية إسماعيل الكاتب .. وبالرغم من اختلاف مادتيهما ؛ فالأول مادته الواقع واختصار المسافات, والثاني مادته الحلم واكتشاف الذات, إلا أن هناك اتصال عميق بين الحكايتين, اتصال تفرضه الأحداث وتُفعله فتاة لم يخلق مثلها في البلاد, وهو اتصال يتضح تدريجيًا بامتداد الفصول إلى أن يظهر جليًا في نهاية العمل .

النص أيضًا حاول تعرية القلق الذي ينتاب النفس البشرية في لحظات الشك .. فقدم الكاتب في حادثة رفع القرآن الكريم, والتي كانت مدخلًا لمزيد من الشك ومزيد من الارهاب والتطرف – وهما مسألتان نسبيتان لحد ما وتختلفان من شخص إلى آخر – جدلية التغيير بالقتل أو التغيير بالكتابة للحفاظ على سلامة العالم واتزانه, وهو ما نجح فيه الكاتب بامتياز دون أن يمحو الخطوط الفاصلة بين الأدب والواقع .

نحن إذن أمام قلم أصيل, ولغة تضربك بعمق فلسفتها لتجد نفسك في نهاية الأمر في شوق لاستكمال الحدث .. يقول شيحة في لحظة اختلط فيها الشك باليقين: ” هل يمكنك القتل من أجلي يا إسماعيل, هل تحبني للدرجة التي تجعلك مستعدَا لقتل رجل من أجلي؟, النبرة التي قالت بها, المشاعر الدفينة, الحقد الذي يساعد على الاشتعال ولا يشتعل, جعلني أشعر حسيَا بأن كتابة النصوص في المطلق ليس تناصَا ولا إحالة مثل القتل في العدم, وبدون أسباب ….. بل عمل إلهي, يحي العالم, يعيد للأشياء توازنها, ويجدد هذا الجلد القبيح للكون .”

ولأنه لا توجد ورقة تفتش عن نية القلم, ولأن الكتابة ليست احتمالًا ولا حتى تصورًا تنجبه لجنة أضطرتها الأحوال ذات مساء لاجراء تجربتها كمعركة صامتة ضد الواقع وضد الظروف يظل الأمر عسيرا جدًا .. لذا لم تكن رحلة اصلاح العالم عبر الكتابة أو القتل بالرحلة الهينة أبدًا, رغم أن النهاية أعلنت بوضوح عن حكمتها من خلال تلك اللحظات المسروقة من سلطة الواقع قبل ان تترك في نفس قارئها سيلًا من الأسئلة الحائرة .

يقول شيحة مفصحًا عن ذلك على لسان الدكتورة عالية : ” النتيجة كانت أفدح مما تخيلنا يا إسماعيل, رفع الحروف أزاح ثقل العالم إلى وضع انحراف لا يمكننا جميعًا تقبله, والحكايات عن نهاية العالم دفعت العقول إلى الوضع المتفجر, الأخبار ليست كما تسمع وكما ترى …” .
إذن هو تناغم سردي دقيق وحوار محكم, سعى به شيحة لتشكيل وعىي ومعنى, فوظف سرده كعملية تحديق في وجه العالم وأفكاره, مسلطًا الضوء على تاريخه, ومتأملًا لمستقبله وكل تفاصيله الصغيرة, ثم جعل حركة السرد تمضي في زمن مستقبلي, وبخط تصاعدي, يغوص أكثر في أعماق النفس البشرية, ويفضح رغباتها الشاذة .

وهكذا, ولأن الروائح الحقيقة للأشياء لا تتأتى إلا بالحب أو اليقين .. ستظل إيلات, مدد إسماعيل, ووحي السماء, الوحي الذي جعل العالم يتنفس مجددًا من جهاته الأصلية بعد أن أصابه الوهن, والوحي الذي لا يتنزل إلا على قلوب المحبين, رسالة قوية برغم كل شئ, رسالة تحمل معنى أعمق لمن أراد أن يبحر بها ولا يكتفي بالنظر اليها من الشاطئ, حاول من خلالها كاتبنا أن يكشف الستار عن مستقبل واهن, ويمنحنا لحظة ابصار صادقة.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة