التخطي إلى شريط الأدوات
ترجمة

كارسون مكولرز على حافة الإنتحار.. حديث عن علم النفس وعقل الفنان

إميلي تمبل
ترجمة / أحمد أبوالخير
نقلاً عن ليتراري هاب .

كارسون مكولرز على حافة الإنتحار. حديث عن علم النفس، وعقل الفنان.

Ahmed Abo Elkheir

توفت كارسون مكولرز قبل خمسين سنة، وأيضًا تركت الحياة وهي في الخمسين من عُمرها، وخلّفت من ورائها جُسد ضئيل ولكن بُنيان قوي من العمل – وكل ما تركته من أعمال لهو مثير للإعجاب نظرًا للظروف الخاصة التي أبدعت فيها وكتبت. فلقد كانت تعاني من المرض طوال حياتها، تضمن ذلك حُمى روماتيزمية وسلسلة من السكتات الدِماغية التي بدأت معها حينما كانت لا تزال في الرابعة والعشرين من عُمرها، وهذا تركها مشلولة بشكل جُزئي في الجانب الأيسر من جَسدها.
عانت كذلك من إدمان الكٌحول والإكتئاب الحاد، وفي عام 1948م، بعد فترة وجيزة من إصابتها بالشلل، حاولت الإنتحار.
بعدها ببعض سنوات طلب منها، زوجها السابق وفي بعض الأوقات حبيبها، ريفيس مكولزر الإلتزام بإتفاق انتحاري معه. هربت، ونفذ هو وحده هذا الإلتزام.
ولكن قبل كّل ذلك، أرسلت مكولرز هذا الخطاب بعد خِتمه بخاتم البريد في 14 إبريل/ نيسان عام 1948م، إلى صديقها الطبيب النفسي الدكتور سيدني إيسنبرج، والذي تتأمل فيه وتفكر في المسؤلية المُلقاة على الطبيب النفسي تجاه الفنان، سواء أكانت الكِتابة نوع من الإضطراب العصبي أو علامة على الصحة والقلق بإعتبارة ركن أساسي في التجربة الإنسانية.

عزيزي سيدني،
وصلت إلى رسالتك الساحرة، حيث كانت مُناسبة وملائمة بطريقة مُحزنة. لم أستطع الرد حينها، لأنّ أية رسالة من الممكن أن أكون قد كتبتها ثم بعد ذلك صرخت من أجل الخلاص والنجاة[مما أنا فيه]. كُنت في عيادة باين ويتني النفسية – حيث مكثت هناك لمدة ثلاثة أسابيع مُريعة. فلقد ألقت بي، هذه الشهور الأخيرة المسلوبة بسبب المرض، داخل براثن حالة عاطفية، وحالة أخرى من الإضطراب. في ليلة، أثناء مناسبة من السوداوية العابرة جرحت معصمي بوحشية. أعتقد الطبيب بأنني في حاجة إلى الذهاب للمستشفي. لذلك كان عليّ الذهاب إلى باين ويتني.

هنالك كُنت في حالة من الخواء، غير قادرة على المحاولة لمساعدة نفسي. لم أستطع الكِتابة،
أو القراءة الهادئة، ولم يُكن مسموحًا لي بسِتار من الخصوصيةِ. كان الأمر مثل [كافكا] ولكن دون الأمل في الخلاص عند نهاية المطاف. عانيت بشكل كبير، وأخيرًا وصل صديق عزيز لي، وكان أيضًا طبيب نفسي، فقرر لأمي بأنّها من الممكن لها أن تأخذي بعيدًا.

ليست لديّ مُيول انتحارية، ولكنني لن أجرح نفسي مرة أخرى. كُنت فقط في فترة توتر شديد وخوف بعد هذا المرض الطويل. كُنت مصابة بتشنج في الأوعية الدموية والذي تركني ولا أزال مشلولة بعض الشيء. ولأجل طويل، سأظل قوية وعلى ما يُرام. أمتلئت بالمرض و [تكدست] بالمعاناة، وتقريبًا فقدت الأمل في الصحة.
أتساءل عن ماهية الشعور في أن تصير طبيب نفسي. فالمسؤلية المُلقاة عليك ضخمة جدًا. ألم تخف أبدًا في أي وقت مضى من هذه السلطة؟ كان هناك طبيب ماهر ولطيف في باني ويتني، ولكن رئيس الأطباء كان فلاح سويسري ويفتقد إلى هذا البريق من البصيرة – فلقد كُنت أخاف من التحدث معه. لم أختبر هذا الشعور بالعجز كما شعرت به هناك. أعتقدت بأنني لا أؤمن بشكل كبير في العلاج النفسي للأشخاص المُبدعين. فالسمة المميزة للفنان أنّه نِتاج صراعاته الداخلية. وأنا لا أريد تغيير الكِيمياء الداخلية عندي، على الرغم من أنني ربما أعاني [بسببها].
من السخف والسذاجة القول بأنني لا أؤمن بالعلاج النفسي – أعني بأنني أميل إلى الحفاظ على استيعابي، لنفسي – مهما كان الفهم هش وضعيف تجاه هذا الاستيعاب، وقدر الإمكان.

حدثني رئيس الأطباء في العيادة بأنني لم أكن أعمل على”مواجهة” صحتي العليلة واستجوبني عن دافعي حول المرض. عندما أخبرته بأنّ الكِتابةَ كانت هي حصني المنيع، أصرّ على أن العمل لم
يُكن كافيًا.
بالنسبةِ له الكِتابة هي (syllogistically ) مثل الإضطراب العصبي. بينما يبدو لي، أن أداء الإبداعي والفني، هو التعبير الأساسي عن الصحة التي أعترف بها.
يمكن القول على حالتي بأنّها حالة جسدية-نفسية. ولكن، بما أن موقفي العاطفي لن يُؤدي إلى
تغيير عيوب الأوعية الدموية، فأعتقد أن هذا أفضل لنسيان عيوبي والتركيز على شيء
مُتجاوب معي حيث يُوفر لي إمكانية لبعض العزاء والسلوى – ألا وهو العمل .

يهتم كُلاً من الطبيب النفسي والفنان الحقيقي بنفس الموضوع –حيث علاقة الفرد بحالته
الإنسانية. وفي هذا الموضوع – يَعتبر الأطباء النفسيون القلق بالنسبة للفرد على أنّه ” مُشكلة” عصبية – بينما أعتقد أن القلق هو مُكون رئيسي لظروف الوجود الإنساني. ولكن نخشى الإعتراف به نهائيًا.
هنالك دائمًا ميل نحو استعادة حالة اللامسئولية، هذه الحالة الحيوانية اللانهائية التي نفقدها عندما نعمل على المقامرة بمطالبنا في مقابل الروح والجوهر.
هل هذا يعني لكِ شيء؟

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة