التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

«أدهم العبودي» يكتب: وتهون عليك الكتابة الحلوة يا أبو جلال؟!

بقلم: أدهم العبودي

adham

كان لي زمن لم أقابله، وكنتُ أقول في بالي: “أين ذهب أبو جلال؟”. وأبو جلال هو “تدليع” لطيف لصديقنا الكاتب “محمّد جلال”. بالطّبع هو لم يذهب بعيدًا، هو مُتاح دومًا على شبكات التّواصل الاجتماعي، مُتاح بمنشوراته السّاخرة التي تدفعني للضّحك حتّى “الرُّكب”، مُتاح كذلك عبر شاشات التلفاز، سواء بمشاركته في الكتابة في بعض البرامج الفُكاهية، أو بمشاركته كتابة مسلسل “الأب الرّوحي”، لكن تساؤلي –في بالي- لم ينصرف أبدًا لفكرة التّواجد الجسماني، هنا أحدّثكم عن التّواجد الإبداعي.

ودعوني أقدّمه إليكم وإن كنتُ أنا نفسي –كاتب هذا المقال- في حاجة لأن يقدّمني هو إليكم: “محمّد جلال” كاتب مصري، مواليد 1989، حصل على بكالوريوس في هندسة الطيران، شارك في كتابة –والإشراف على- العديد من البرامج، آخرها “الليلة دي”، “أسعد الله مساءكم”، “ساليزون”، ويعد مسلسل “الأب الروحي” أول أعماله الدّرامية. صدر له: متتالية قصصية بعنوان “4” 2011، الكتاب الأصفر عن دار “أطلس” 2014، “سِفر التحليق” عن دار “ن” 2015، 100″ حلم قبل الموت” عن دار “ن” 2016، “حروب الجيل الضايع” عن دار “الرواق” 2017.
شاء حظّه الأغبر أن أقابله محض صدفة في “المقهى الثقافي” بمعرض القاهرة للكتاب، الماضي، بعد قُبلة –على الخد- وبعد حضن –بريء- جلست، كان من كرمه أن أصرّ على دفع الحساب، لكن صديقنا –الكاتب السّاخر أيضًا- “محمّد راضي” أسرع ودفع الحساب، فتنفّست الصّعداء، وكنتُ قد دفعت حساب مشاريب بما فيه الكفاية في هذا المقهى!
أثناء جلوسنا، سألته: لماذا لم تكرّر تجربة “سفر التحليق” يا أبو جلال؟
فقال: والله على حسب ما بتيجي الكتابة.
قلت: يا راجل حرام عليك، وتهون عليك الكتابة الحلوة يا أبو جلال؟
ولمن لا يعرف، “سفر التحليق” هي مجموعة قصصيّة، ليست وحيدة، للأسف، للكاتب أبو جلال، صدرت عن دار “نون”، منذ قرابة الأربع سنوات، فقبلها أصدر عام 2011 مجموعة “4”، ولم يُسعفني الوقت للاطّلاع عليها.
أطلق أبو جلال على “سفر التحليق” لفظ “متطايرة قصصيّة”، وهي في الحقيقة متطايرة فعلاً، بالمعنى الإيجابي، حلّق فيها الكاتب، من نصّ لنصّ، لا تخلو من المفارقة، ولا تخلو من الفُكاهة رغم ذلك، يراوغنا بعتبتين في مدخل المتطايرة، “على سبيل الإهداء”، و”على سبيل الاتّفاق”، كأنّه “يخلع” ليتركنا مع القصص، يخلع كراوٍ أولاً، وهي حيلة لطيفة، ثمّ العتبة الأساسيّة، الثّالثة، التي تعبّر عن روح نصوص المجموعة، جُملة مُستلهمة من “توني موريسون”: (تُريد أن تحلّق.. فلتتخلّص إذًا من القذارة التي تجذبك أرضًا).
يبدأ المجموعة برسالة إلى “عزيزي ربنا”، رسالة مكتوبة باللّهجة العامية، تبسيطًا، لكنّه سرعان ما انتقل إلى اللّغة الفُصحى، في سلاسة، وبمكر فنّي، ولم يعتمد أداءً فنيًّا بعينه مع ذلك، وقد يصدمك بجُملة بعينها، فتعاود الرّجوع لقراءة النّص من بدايته، مثل جُملة: (الصّراخ يجلبهم.. إيّاك أن تصرخ!). وطبعًا مفهوم تمامًا هنا ما الذي يجلبه الصراخ!
الحداثة النصيّة في المجموعة تبدو من الصّفحات الأولى، حين اعتمد أبو جلال رمزية الإشارات وعلامات الاستفهام والتعجّب كعنوان في قصّة مثلاً، أو رمزية “الشّطب” داخل متن إحدى القصص، أو القطع، وكأنّنا نلعب سويًا داخل رحاب المجموعة، خصوصًا مع وعيه بتقنيات الشبكة العنكبوتية، فيبدو ملغّزًا أنّك لا تعرف إن كانت القصص مجزّأة، أم نسيج واحد متكامل يُمكن الزّعم أنّه نصّ أحادي البنيان، لا سيما أنّه استعان بالرّسومات التعبيريّة، كأنّنا أمام عمل لا يُمكن فصل بعضه عن بعض، بل إنّه استعان بـ”شمعة” كرسم تعبيري لعنوان أحد النّصوص تارة، و”جنيه حديد” و”لمبة” و”ريشة” و”عين” تارة أخرى! هكذا –بالفعل- نستطيع إطلاق مسمّى “متطايرة قصصيّة” لهذه المجموعة، فائقة العذوبة، متجاوزة بتقنياتها كثيرًا من الكتابات القصصيّة التي صدرت في السّنوات الأخيرة، ويبقى السّؤال: لماذا لم يتقدّم النّاشر –أو الكاتب- بهذه المجموعة لجائزةٍ ما؟ وأكاد أُجزم أنّ مثل هذه الكتابة هي كتابة صائدة للجوائز في المقام الأوّل.
في العموم، سيظلّ السؤال الحائر كلّما قابلته: وتهون عليك الكتابة الحلوة يا أبو جلال؟

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة